‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصول فقه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصول فقه. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، أبريل ٠٣، ٢٠٠٩

الأمر ...

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا
...أما بعد ؛؛؛

نبدأ اليوم - باذن الله - بابا جديدا من أبواب علم الأصول وهو باب : ( الأمر والنهي ) :
أولا : الأمر :
لفظ ا لأمر مكون من ثلاثة حروف الألف والميم والراء .
واختلف العلماء في مدلول لفظ الأمر لغة :
فذهب الجمهور : الى أن مدلول لفظ الأمر لغة هو القول الطالب للفعل مطلقا سواء صدر هذا القول من الأدنى للأعلى أو من الأعلى للأدنى أو صدر من المساوي .
فهم لا يشترطون علوا ولا استعلاء .
وذهب الشيرازي : الى أن مدلول لفظ الأمر لغة هو القول الطالب للفعل على وجه العلو فالأمر لايصدق عندهم الا بالعلو أي يكون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه .
فان كان الطالب مساويا للمطلوب منه فهو التماس وان كان الطالب دون المطلوب منه فهو سؤال .

وذهب أبو الحسين البصري الى أن : مدلول لفظ الأمر لغة هو القول الطالب للفعل على وجه الاستعلاء .
والفرق بين العلو والاستعلاء :

أن الآمر يكون أعلى من المأمور مرتبة في نفس الأمر وحقيقته ( هذا العلو ) .
أما الاستعلاء : فاذا كان الأمر الصادر فيه غلظة في القول وارتفاع في الصوت دون أن يكون الآمر أعلى رتبة من المأمور .
تعريف الأمر اصطلاحا :
عرفه البيضاوي بأنه :
القـــــــــــــــــــــــــــــول الطــــــــــــالب للفــــــــــــــــــــعل .
شرح التعريف :
القول : المراد به اللفظ المستعمل سواء كان مفردا أو مركبا .ويشمل ما كان طالبا للفعل أو طالبا للترك .فالأول الأمر ؛ والثاني / النهي .
الطالب : قيد في التعريف يفرق بين طلب الفعل وطلب الترك ؛ ويخرج به الخبر والترجي والتمني وما شابههما من الأقوال غير الطلبية .
للفعل : المراد بالفعل فعل خاص وهو مقابل الترك والكف . وهو قيد في التعريف يخرج به النهي .
استعمالات لفظ الأمر :
1- القول المخصوص وخو مايدل على طلب الفعل ك : افعل .
2- الفعل كقوله تعالى : ( وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر ) .
3- الشيء . كقولهم : تحرك هذا الجسم لأمر أي لشيء.
4- الغرض . كقولهم : جاء زيد لأمر أي لغرض .
5- الصفة كقول القائل : لأمر ما يسود من يسود .
6- الشأن كقولك : أمر فلان مستقيم .أي : شأنه .
واتفق الأصوليون على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ؛ واختلفوا في غيره على أقوال :
1- أنه حقيقة في القول المخصوص مجاز فيما عداه .
2- أنه مشترك بين الشيء والصفة والشأن والقول المخصوص .
3- أنه مشترك بين القول المخصوص والفعل .
صيغة الأمر :
للأمر ثلاث صيغ :
1- افعل .
مثالها : قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة ) .
( وأتموا الحج والعمرة لله ) .
2- مايقوم مقام ( افعل ) كالفعل المضارع المقترن باللام .
مثالها : ( يا أيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) .
وقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف ) .
3- اسم الفعل :
مثالها : صه بمعنى : اسكت .
نزال بمعنى : انزل .
المعاني التي تستعمل فيها صيغة الأمر :
ترد صيغة الأمر لمعان متعددة منها :
1- الايجاب : مثل قوله تعالى : ( أقيموا الصلاة ) فانه يفيد الوجوب بلا قرينة لكونه حقيقة في الأمر .
2- الندب : كقوله تعالى : ( فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا )
فالمكاتبة مندوبة حيث انها تقتضي الثواب ولا يوجب تركها العقاب .
3- الارشاد : كقوله تعالى : ( اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه ) .
والفرق بين الندب والارشاد : أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة ؛ والارشاد مطلوب لمنافع الدنيا .
4- الاباحة : كقوله تعالى : ( كلوا من الطيبات )
وقوله : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) .
5- التهديد : كقوله تعالى: ( اعملوا ماشئتم )
وقوله تعالى : ( قل تمتعوا فان مصيركم الى النار) .
6- الامتنان : كقوله تعالى : ( فكلوا مما رزقكم الله )
والفرق بين الامتنان والاباحة : أن الاباحة مجرد اذن أما الامتنان ففيه ذكر احتياج الخلق الى هذا الأمر وعدم قدرتهم للوصول اليه وحدهم .
7- الاكرام . كقوله تعالى : ( ادخلوها بسلام آمنين ) .
8- التسخير . كقوله تعالى : ( كونو قردة خاسئين ) .
9- التعجيز . كقوله تعالى : ( فأتوا بسورة من مثله ) .
10- الاهانة . كقوله تعالى : ( ذق انك أنت العزيز الكريم ) .
11- التسوية بين الشيئين : كقوله تعالى : ( اصبروا أو لاتصبروا سواء عليكم ) .
12- الدعاء . كقوله تعالى : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) .
13- التمني : كقول الشاعر :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي .... بصبح وما الإصباح منك بأمثل !
14- الاحتقار . كقوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام - يخاطب السحرة : ( ألقوا ما أنتم ملقون ) .
15- التكوين : كقوله تعالى : ( كن فيكون ) .
16- الخبر . كقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : ( اذا لم تستح فاصنع ماشئت ) .
ومن المؤكد أن صيغة الأمر ليست حقيقة في كل المعان المتقدمة . اختلاف العلماء في ذلك موضوع درسنا القادم - باذن الله - .
أسأل المولى - عز وجل - أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولي ذلك والقادر عليه ..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجمعة، مارس ٠٦، ٢٠٠٩

تتمة ... في المنطوق والمفهوم

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛وحديثنا اليوم تتمة فيما إذا لم يدل اللفظ لابمنطوقه ولا بمفهومه :
اللفظ إذا لم يدل على الحكم بالمنطوق أو المفهوم فقد يستقل بإفادة الحكم أي : لا يحتاج إلى أن يقارنه دليل آخر كقوله تعالى : ( وآتو الزكاة ) .
وقد لا يستقل النص بإفادة الحكم بل يحتاج إلى دليل آخر معه .
وهذا الدليل قد يكون نصا أو إجماعا أو قياسا أو قرينة حالية وأمثلة ذلك كالآتي :
1- النص وهو على وجهين :
الأول : لو نظرنا إلى الدليل القائل - تارك المأمور به عاصي والعاصي يستحق العقاب فالنتيجة تارك المأمور به يستحق العقاب .
فإننا نجد أن قوله تعالى : ( أفعصيت أمري ) يدل على أن تارك المأمور به عاصي ولا يدل على الحكم وهو أن تارك الأمر يستحق العقاب .
فاحتج إلى أن ينضم إليه قوله تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نارا جهنم خالدين فيها أبدا ) فإن هذا يدل على أن العاصي يستحق العقاب .
فالآية الأولى دلت على المقدمة الأولى للدليل والثانية دلت على المقدمة الثانية فكلاهما معادل على أن تارك المأمور به يستحق العقاب .
الثاني : أن يدل نص على ثبوت حكم لشيء ويدل نص آخر على أن ذلك الحكم لأحدهما على التعيين فيتعين الباقي للآخر .
ومثال ذلك : قوله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) فإنه يدل على أن الثلاثين شهرا هي مدة الحمل والرضاع .
وقوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) يدل على أن مدة الرضاع حولان فتعين الباقي وهو ستة أشهر لأقل مدة الحمل وهذا لا يعرف إلا من النصين معا .
2- الإجماع :
قد دل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الخال وارث من لا وارث له ) على أن الخال يرث في بعض الأحوال وهي التي لا يوجد فيها وارث آخر .
وانعقد الإجماع على أن الخالة مثل الخال في الإرث والحرمان من هذا النص . بواسطة انضمام الإجماع إليه على أن الخالة ترث إذا لم يكن هناك وارث آخر .
3- القياس :
كدلالة النص على ثبوت الربا في البر فيقاس عليه الأرز فيدل القياس على أن الربا في الأرز حرام بواسطة ثبوته بالنص في البر لوجود العلة المشتركة بينهما .
4- قرينة الحال :
كقوله - صلى الله عليه وسلم - : الاثنان فما فوقهما جماعة . فإن هذا تردد بين الشرع واللغة فإننا نحمله على الشرعي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الشرعيات ويحمل على جماعة الصلاة لا على أقل الجمع لغة لأن قرائن أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث لبيان الأمور الشرعية تدل على ذلك ...
كانت هذه تتمة لا بد منها ... وفي الدرس القادم - بمشيئة الله - نبدأ باب الأمر والنهي .
أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولي ذلك والقادر عليه ؛
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ....

الجمعة، فبراير ٢٠، ٢٠٠٩

مفهوم الحصر

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛وحديثنا اليوم عن :
مفهوم الحصر :والحصر له معنيان :
1- القصر بالاصطلاح المعروف عند علماء البلاغة سواء كان من نوع قصر الصفة على الموصوف ؛ مثل : لا فتى الا علي .
أو قصر الموصوف على الصفة ؛ مثل : وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل .
2- مايعم القصر والاستثناء الذي لايسمى قصرا بالاصطلاح ؛ مثل قوله تعالى : ( فشربوا منه الاقليلا منهم ) .
والمقصود هنا : هو المعنى الثاني .
ويختلف مفهوم الحصر باختلاف أدواته وهو نوعان :
الأول : الحصر بانما . مثل : انما الأعمال بالنيات .
الثاني : تقديم الوصف على الموصوف . مثل : العالم زيد .
وقد اختلف في كل منهما : هل يفيد الحصر أم لا ؟
الأول : وهو مفهوم الحصر ب (إنما ) :
وقد اختلف العلماء في تقييد الحكم ب ( إنما ) كقوله – صلى الله عليه وسلم - :
1- انما الشفعة فيما لم يقسم .
2- انما الماء من الماء .
3- انما الولاء لمن أعتق .
4- انما الربا في النسيئة .
وقد اختلف الأصوليون في مفهوم ( إنما ) هل يفيد الحصر أم لا؟
فذهب الجمهور الى أن مفهوم ( إنما ) يفيد الحصر سواء كان بالمنطوق أو بالمفهوم .
وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة الى أن مفهوم ( إنما ) لا دلالة له على الحصر الا أنه لتأكيد الاثبات .
الأدلة :
استدل الجمهور القائلون بأن مفهوم ( إنما ) يفيد الحصر سواء كان منطوقا أو مفهوما ب :
1- أن ( إن ) للاثبات و( ما ) للنفي ؛ فاذا جمع وقيل : انما زيد قائم . فالأصل بقاء معناه بعد التركيب على ماكان عليه .
2- أن العرب الفصحاء قد استعملوا ( إنما ) في مواطن الحصر .
ومن ذلك قول الفرزدق /
أنا الذائد الحامي الذمار وانما : يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي .
3- أن مفهوم ( إنما ) يفيد الحصر لكن يختلف حصرها فقد يكون حصرا حقيقيا كقوله تعالى : ( إنما الله اله واحد )
وقد يكون حصرا مجازيا على سبيل المبالغة . كقولهم : انما الشجاع عنترة .
واستدل القائلون بأن مفهوم ( انما ) لا يفيد الحصربما يلي :
1- أن لفظ ( انما ) مركب من ( ان ) المؤكدة و ( ما ) المؤكدة لها . فقوله تعالى : ( انما أنت نذير ) مثل : انك نذير في قوتها من حيث التأكيد . وقولك : ان زيدا قائم لا فرق بينه وبين قولك : انما زيد قائم . لأن ( ما ) زائدة فهي كالعدم . ولما كان قولك : ان زيدا قائم لايفيد الحصر فقولك : انما زيد قائم لايفيد الحصر كذلك !
2- قوله تعالى : ( إنما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) فلو كان مفهوم ( انما ) يفيد الحصرلكان من لم يحصل له الوجل لم يكن مؤمنا ! وليس كذلك !
والراجح – والله أعلم - :
أن مفهوم ( إنما ) يفيد الحصر وذلك لقوة أدلتهم كما أن ذلك ما يتطلبه اللسان العربي الفصيح .
الثاني : وهو تقديم الوصف على الموصوف ويعبر عنه ب : حصر المبتدأ في الخبر .
وذلك مثل قولهم : العالم زيد .
وقد اختلف العلماء في مفهوم الحصر هذا على مذهبين :
1- يفيد الحصر وهو لامام الحرمين وجماعة من الفقهاء . وهؤلاء اختلفوا هل يفيد الحصر بالمنطوق أم بالمفهوم ؟
2- لايفيد الحصر وهو للقاضي أبي بكر وجماعة من المتكلمين .
الأدلة :
استدل القائلون بافادته الحصر بما يلي :
1- أنهم قاسوا قول القائل ( صديقي زيد ) و( العالم زيد ) على قول القائل : زيد صديقي وزيد العالم .
فانه لو أفاد قوله : صديقي زيد والعالم زيد نفي للصداقة والعلم من غير زيد فيفيد أنه كلما صدق عليه العالم فهو زيد وهو معنى الحصر وهذا بعينه يجري في قول القائل : زيد العالم وزيد صديقي .
واذا اشتركا في ذلك فأولى أن يشتركا في الحكم بأن كلا منهما يفيد الحصر .
ولكن الاجماع قائم على أن قول القائل : زيد صديقي وزيد العالم لا يفيد الحصر . فوجب أن يكون قوله : صديقي زيد والعالم زيد لا يفيد الحصر وهو المطلوب .
2- لو كان قول القائل : صديقي زيد والعالم زيد تفيد الحصر ؛ وعكسه : زيد صديقي وزيد العالم لا يفيد الحصر لترتب على ذلك أمر باطل وهو أن التقديم يغير مدلول الكلمة ولكن التقديم لا يغير مدلول الكلمة ؛
فثبت أن قول القائل : زيد صديقي و ما شاكله لا يفيد الحصر .
أما القائلون بأنه لايفيد الحصر فاستدلوا ب :
1- أننا ندرك التفرقة بين قول القائل : زيد صديقي وقوله : صديقي زيد ؛ وبين قول القائل : زيد العالم وقوله : العالم زيد .
وهذا التحقيق وهو أن الخبر لايجوز أن يكون أخص من المبتدأ بل ينبغي أن يكون أعم منه أو مساويا له .
فلا يجوز أن نقول : الحيوان انسان ويجوز أن نقول : الانسان حيوان .
والراجح-والله أعلم - :
أن مفهوم قصر الصفة على الموصوف يفيد الحصر كذلك .أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولي ذلك والقادر عليه ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ....

الجمعة، فبراير ١٣، ٢٠٠٩

مفهوم اللقب .

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛وحديثنا اليوم عن :
مفهوم اللقب :
واللقب
هنا ليس المراد به اللقب الذي اصطلح عليه أهل اللغة وهو ما أشعر بمدح أو ذم .
ولكن المراد به : كل مايدل على الذات سواء كان اسم الشخص كزيد ؛ أو اسم جنس كالانسان ؛ أو مافي معنى الاسم في دلالته على الذات كالكنية مثل أبي الحسن . أو اللقب ك :
ومفهوم دلالة اللقب هنا : هو دلالة منطوق اسم الجنس أو اسم العلم على نفس حكمه المذكور عما عداه .
وبالتالي : فدلالة مفهوم اللقب هو دلالة تعليق الحكم على نفي الحكم عن غيره ؛
فلو قلت مثلا: نجحت فاطمة ؛ فمنطوقه يفيد نجاح فاطمة ولكن هل يفيد نفي النجاح عن غيرها كزينب مثلا ؟!
مثال لمفهوم اللقب :
قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى )
فهذا الحديث يدل بمنطوقه على جريان الربا في الأصناف الستة .
ويدل بمفهوم اللقب المخالف على عدم جريانها في غير هذه الأصناف .
مذاهب العلماء في الاحتجاج بمفهوم اللقب :
ذهب جمهور الأصوليين الى القول بعدم حجية مفهوم اللقب .
وذهب أبو بكر الدقاق وأبو بكر الصيرفي من الشافعية وأصحاب الامام أحمد الى القول بحجيته واعتباره في استنباط الأحكام .
الأدلة :
استدل جمهور الأصوليين على أن مفهوم اللقب ليس بحجة بأدلة منها :
1- لو كان مفهوم اللقب حجة للزم منه أن القائل : محمد رسول الله يكون كافرا ! لأنه يؤدي الى نفي الرسالة عن غيره من الأنبياء !
لكن القائل : محمد رسول الله ليس كافرا بالاتفاق فلا يكون مفهوم اللقب حجة وهو المطلوب .
2- من شروط الاحتجاج بمفهوم المخالفة : أن لا يظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير نفي الحكم عما عداه ؛ واذا ظهر فلا مفهوم له عندئذ . ومفهوم اللقب من هذا القبيل .
لأن ذكر اللقب له فائدة غير نفي الحكم عما عداه وهي فائدة استقامة الكلام فان اللقب لو لم يذكر لاختل الكلام . فلو حذفت كلمة محمد من قولنا : قام محمد .
لصارت الجملة غير مفيدة .
3- لو كان مفهوم اللقب دليلا لما حسن من الانسان أن يخبر أن زيدا يأكل مثلا الا بعد علمه أن غيره لم يأكل والا كان مخبرا بما يعلم أنه كاذب فيه أو بما لايأمن فيه الكذب وحيث استحسن العقلاء ذلك مع علمه بذلك دل على عدم دلالته نفي الأكل عما عدا زيد واذا فمفهوم اللقب ليس بحجة .
استدل القائلون بأن مفهوم اللقب حجة ب :
1- أن التخصيص بالاسم لا بد له من فائدة ولا فائدة له الا نفي الحكم عن المسكوت عنه كالصفة .
أجيب عن ذلك الدليل بأن: غرض الاخبار عنه دون غيره هي الفائدة كما أنه يختلف عن الصفة من جهة أن الكلام يختل بدونه أو يفقد استقامته بخلاف الصفة .
2- لو قال لخصمه مثلا : أنا لست بزان لتبادر الى الفهم منه نسبة الزنا الى خصمه ووجب على القائل حد القذف . ولو ثبت مفهوم اللقب لما تبادر ذلك .
أجيب عن هذا الدليل ب :
أن الحد ثبت عند المالكية والحنابلة بهذا اللفظ لوجود الخصومة بينهما فتكون قرينة على أنه قصد بقوله التعريض بالخصم والحاق الزنا به ولو انتفت الخصومة لما وجب الحد بهذا اللفظ .
فاللفظ لم يدل على نفي الحكم من غير الذات باعتبار ذاته وانما باعتبار القرائن الموجودة وهذا غير محل النزاع لأن النزاع في دلالة اللفظ من ناحية اللغة .
وعند النظر للأدلة نجد أن أدلة الجمهور أقوى فاذا لادلالة لمفهوم اللقب .
في الدرس القادم - بمشيئة الله - نتحدث عن مفهوم جديد هو مفهوم الحصر.
أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولي ذلك والقادر عليه ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ....

الجمعة، فبراير ٠٦، ٢٠٠٩

مفهوم العدد

بسم الله الرحمن الرحيم

ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛ نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛وحديثنا اليوم عن :

مفهوم العدد :

وهو دلالة النص الذي قيد فيه بعدد مخصوص على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لحكم المنطوق لانتفاء ذلك القيد .

فهو تعليق لحكم بعدد مخصوص .

مثال لمفهوم العدد:قوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة )

فقيد الحكم في هذه الآية بعدد معين وهو المائة .

فكان المفهوم المخالف : عدم جواز الزيادة على المائة ؛ أو النقصان عنها ؛ وذلك المفهوم المخالف هو مفهوم عدد لأن الذي ورد التقييد به انما هو عدد .

وتعليق الحكم بعدد مخصوص هل يدل على انتفاء الحكم عن ذلك العدد سواء كان زائدا أو ناقصا : اختلف الأصوليون في ذلك :

ومحل الخلاف انما هو عند ذكر العدد نفسه كاثنين وعشرة .

أما المعدود فلا يكون مفهومه حجة كقوله صلى الله عليه وسلم :( أحلت لنا ميتتان ودمان ) فلا يكون تحريم ميتة ثالثة مأخوذا من مفهوم العدد .

ومحل الخلاف أيضا فيما لا يقصد به التكثير فأما ما قصد به التكثير كالألف والسبعين وما جرى به كلام العرب للمبالغة فلا يدل بمجرده على تحديد شئ ما .

وذهب الشافعية والامام مالك والامام أحمد الى الأخذ بمفهوم العدد والقول به ؛ أي أن تعليق الحكم بعدد مخصوص يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدا كان أو ناقصا .

وذهب أصحاب أبي حنيفة الى عدم الأخذ بمفهوم العدد أي أن تعليق الحكم بعدد معين لا يدل على أن ما عداه بخلافه .

وذهب الآمدي الى التفصيل :

فقال ان الحكم اذا قيد بعدد مخصوص فمنه مايدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد بطريق الأولى .

كما في الحديث : اذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل الخبث .

فانه يدل على مازاد على القلتين بطريق الأولى .

ومنه ما لايدل على ثبوت حكم فيما زاد على الحكم المخصوص بطريق الأولى .

وذلك في : وجوب جلد الزاني مائة جلدة أو أباحة فانه لايدل على الوجوب أو الاباحة فيما زاد عن ذلك بطريق الأولى ؛ بل هو مسكوت عنه .

الأدلة :

استدل القائلون بأن مفهوم العدد حجة بالآتي :

أولا : علم من اللغة والشرع أن من أمر بأمر وقيده بعدد معين وجب على المأمور به التزامه فاذا زاد عليه أو نقص منه فأنكر عليه كان الانكار مقبولا عند كل من يعرف اللغة ودلالتها ؛ لأنه يكون قد فعل غير المأمور به .

ثانيا : روىعن قتادة -رضي الله عنه - عندما نزل قول الحق تبارك وتعالى : ( ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم )

فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم : ( والله لأزيدن على السبعين ) فنزل في سوؤة المنافقين : ( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم )

وجه الدلالة :

أ_ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عقل وفهم أن مابعد السبعين يخالف حكم ماقبلها فكان قوله : ( لأزيدن على السبعين ) .

فدل ذلك أن تعليق الحكم بعدد معين يدل على نفيه في غير العدد المذكور .وهو المدعى .

ب_ أن تعليق الحكم على العدد له فائدة وان لم يكن كذلك لترتب عليه خلو كلام الله من الفائدة وهو محال .فلا بد فيه اذن من الفائدة وهي المدعى .

استدل القائلوت بأن مفهوم العدد ليس بحجة بأدلة منها :

1- الأدلة التي أنكروا فيها مفهوم الصفة والشرط .

2- أن الأعداد وان اختلفت باعتبار الحقيقة فيجوز اشتراكها في الحكم كما تقول الثلاثة ركب فانه لايدل على نفي الحكم عما زاد عن الثلاثة أو نقص .

وأجيب عن هذا الدليل ب أن تعليق الحكم على عدد معين لابد له من فائدة . فأين الفائدة هنا ؟

رأي الآمدي القائل بالتفصيل:

ان تعليق الحكم بعدد معين لا يدل على اعتباره لذاته بل على وجود قرينة خارجة على حكم الزائد أو الناقص .

وذلك لأن الحكم الذي قيد به العدد قد يكون علة وقد يكون ايجابا أو ندبا أو اباحة أو تحريما أو كراهة وقد يكون في كل زائد أو ناقص . وحينئذ يكون حكمها على الوجه الآتي:

1- اذا كان العدد الذي قيد به الحكم علة اقتضى الآتي :

أ- ثبوت الحكم في العدد الزائد .

ب- نفيه عن الحكم في العدد الناقص .

مثال / قوله -صلى الله عليه وسلم - ( اذا بلغ الماء القلتين لم يحمل خبثا )

فاذا زاد عن القلتين ثبت الحكم واذا قل لم يثبت .

2- اذا كان العدد الذي قيد به الحكم ايجابا أو ندبا أو اباحة اقتضى الآتي :

أ- ثبوت الحكم في العدد الناقص .

أما العدد الزائد فيكون حكمه مسكوتا عنه ولا يعلم حاله من اللفظ .

مثال ذلك : اذا قال الشارع أوجبت عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة فانه يدل على وجوب أربع صلوات وثلاث صلوات ولكن لايدل على وجوب أكثر من خمس صلوات كالست والسبع .

3- اذا كان الحكم الذي قيد بالعدد تحريما أو كراهة اقتضى الآتي :

أ- ثبوت الحكم في العدد الزائد .

ب- أما العدد الناقص فيكون حكمه مسكوتا عنه .

مثال ذلك : اذا قال الشارع : يكره غسل أعضاء الوضوء أربع مرات فانه يدل على كراهية ذلك خمس مرات أو ست بطريق الأولى . أما غسلها أقل من ذلك فلا يعلم حكمه من اللفظ بل هو مسكوت عنه .

وهذا تفصيل لا بأس به ؛ ينبغي اعتباره وحمل ماشاع من قول العلماء : ( العدد لا مفهوم له ) على هذا ويكون معناه : لامفهوم له باعتبار ذاته ولا ينافي أن يكون له مفهوم باعتبار غيره من القرائن .

في الدرس القادم - بمشيئة الله - نتحدث عن مفهوم جديد هو مفهوم اللقب .
أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولي ذلك والقادر عليه ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ....

الجمعة، يناير ٢٣، ٢٠٠٩

مفهوم الغاية ؛ وحجيته .

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ..
.أما بعد ؛؛؛ نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
وحديثنا اليوم عن :
مفهوم الغاية

غاية الشيء : نهايته ؛ وعليه فان الحكم الذي قيد بالغاية يمده بأداة الغاية الى آخر زمن القيد أو مكانته

ب( الى – حتى ) .

ومفهوم الغاية هو : دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بغاية على انتفاء الحكم بعد هذه الغاية .

مثال لمفهوم الغاية : قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام الى الليل )

دلت الآية بمنطوقها في الجزء الأول منها على اباحة الأكل والشرب في ليل رمضان الى الفجر وهو وقت غاية الحل لأن ( حتى ) للغاية وهي انتهاء الشيء وتمامه وغاية الشيء آخره فكأنه قال : كلوا واشربوا الى انتهاء وقت الليل .

ودلت بمفهومها المخالف على أن الأكل والشرب حرام بعد هذه الغاية وهي طلوع الفجر فحكم مابعد الغاية مخالف لما قبلها .

كما دلت الآية بمنطوقها في الجزء الأخير منها على وجوب مد الصوم الى الليل وهو وقت يشمل كل النهار .

ودلت بمفهومها المخالف على عدم وجوب الصيام في الليل وهو مفهوم غاية لأن ( الى ) تستخدم للغاية

كما استخدمت ( حتى ) .

مثال آخر : قوله تعالى : ( فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره )

فالآية تدل بمنطوقها على عدم حل الزوجة المطلقة ثلاثا لزوجها حتى تنكح زوجا غيره .

كما تدل بمفهومها المخالف المتمثل في مفهوم الغاية على أن هذه الزوجة تصبح حلا لزوجها الأول بعد نكاح زوج آخر وطلاقها منه .

مثال ثالث : قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول )

ففي الحديث نص له غاية بلفظ ( حتى ) لذا دل الحديث بمنطوقه على وجوب الزكاة في كل مال حال عليه الحول ؛

ويدل بمفهومه المخالف الذي يتمثل في مفهوم الغاية على عدم وجوب الزكاة في كل مال مالم يحل عليه الحول .

مذاهب العلماء في مفهوم الغاية :

اختلف العلماء فيما اذا قيد الحكم بغاية فهل يدل ذلك على أن حكم مابعد الغاية مخالف لما قبلها !

اختلف الأصوليون في ذلك :

فذهب الأكثر الى أن تقييد الحكم بغاية يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها .

وذهب الحنفية الى انكار العمل بمفهوم الغاية ووافقهم على ذلك جماعة من المتكلمين.

الأدلة :

استدل القائلون بحجية مفهوم الغايةبأدلة منها مايلي :

أولا : أن كلمة الى وحتى موضوعتان لغة لانتهاء الغاية ؛ فيكون قوله تعالى ( ثم أتموا الصيام الى الليل ) جاريا مجرى القول : صوموا صوما آخره الليل ؛ ولو قال ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجيء الليل ؛ لأنه لو وجب الصوم بعد ذلك لكانت الغاية وسطا وهو محال .

وما يؤدي الى المحال محال فثبت أن حكم مابعد الغاية مخما قبلها ؛ وهو مانريده .

ثانيا : لا يحسن أن يقول قائل : اضرب المذنب حتى يتوب وهو يريد : واضربه ان تاب !

والا للغي كلامه ؛ وهذا معلوم من توقيف أهل اللغة . فكان بمنزلة قولهم : تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن مابعدها بخلاف ماقبلها .

واستدل القائلون بعدم حجية مفهوم الغاية بما يلي :

أن تقييد الحكم بالغاية المحددة لو دل على نفي الحكم فيما بعد الغاية لم يخل ذلك من أمور ثلاثة :

1- اما أن يدل عليه بصريح اللفظ .

2- أنه لو لم يكن دالا على نفي الحكم فيما بعد الغاية لما كان التقييد بالغاية مفيدا .

3- أو تكون الدلالة من جهة أخرى .

والأول محال لأن اللفظ لم يدل بصريحه على نفي الحكم بعد الغاية .

والثاني انما يلزم لو لم يكن للتقييد فائدة سوى نفي الحكم فيما بعد الغاية وليس كذلك بل من الجائز أن تكون فائدة التقييد التعريف ببقاء مابعد الغاية على ماكان عليه بعد وورودها .

والثالث : الأصل عدمه وعلى من يدعيه بيانه .

أجيب عن ذلك الدليل بما يلي :

أولا : نختار أنه يدل بلفظه ويكون منطوقا .

ثانيا : سلمنا أنه لايدل بلفظه لكن يدل لما فيه من الفائدة وما ذكرتموه من ذكر فائدة أخرى غير مسلم بها ؛ بل الفائدة أن حكم مابعد الغاية مخالف لما قبلها .

والراجح والله أعلم بالصواب : أن أدلة القائلين بأن مفهوم الغاية حجة قوية وسلمت من المعارضة أما غير القائلين بها فقد ذكر الامام الشوكاني : أنهم لم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط بل صمموا على منعه طردا لباب المنع من العمل بالمفاهيم وليس ذلك بشيء .

في الدرس القادم - بمشيئة الله - نتحدث عن مفهوم جديد هو مفهوم العدد .

أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولي ذلك والقادر عليه ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ....

الجمعة، يناير ٠٩، ٢٠٠٩

حجية مفهوم المخالفة ( مفهوم الشرط )

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ..
.أما بعد ؛؛؛ نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
وحديثنا اليوم عن : مفهوم الشرط :
الشرط عند المتكلمين : مايتوقف عليه المشروط ولا يكون داخلا في المشروط ولا مؤثرا فيه .
وعند النحاة : مادخل عليه أحد الحرفين : ( إن ) أو ( إذا ) أو مايقوم مقامهما .
ومفهوم الشرط :
تعليق الحكم على الشيء بأداة من أدوات الشرط ك( إن ) و( إذا ) و( متى ) وغيرها من أدوات الشرط .
أو هو:
دلالة اللفظ المقيد لحكم مقيد بشرط ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه الذى انتفى عنه هذا الشرط .
وتعليق الحكم على الشيء بأداة الشرط فيه أمور أربعة :
1- ثبوت المشروط عند الشرط .
2- دلالة أداة الشرط على ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط .
3-عدم المشروط عند عدم الشرط.
4- دلالة أداة الشرط على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط.
الثلاثة شروط الأولى محل اتفاق بين العلماء .
فمثلا : قوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن )
يثبت المشروط عند الشرط فيجب الانفاق عند وجود الحمل .
فا لأمور الثلاثة ثابتة باتفاق .
أما الأمر الرابع وهو كون كلمة ( إن ) تدل على انتفاء الانفاق عند انتفاء الحمل فهذا هو محل الخلاف :
مذاهب العلماء في مفهوم الشرط :
ذهب أكثر العلماء : أن تعليق الحكم بالشرط يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك الشرط وثبوت نقيضه .
وذهب بعض المعتزلة والامام الغزالي الى المنع . فتعليق الحكم بالشرط لا يدل على ثبوت نقيض الحكم عند انتفاء الشرط .
وانما يؤخذ حكم انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه من البراءة الأصلية لا من مفهوم الشرط .
الأدلة :
استدل القائلون بحجية مفهوم الشرط بما يلي :

أولا : أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الصفة وقد ثبت أن مفهوم الصفة حجة فيكون مفهوم الشرط حجة من باب أولى ؛ فكل دليل يدل على مفهوم الصفة يدل أيضا على مفهوم الشرط .
ثانيا : أنه اذا كان الحكم معلقا على شرط دل ذلك على أن الحكم مشروط بوجود الشرط فان الشرط مصحح له ولو وجد الحكم مع عدم الشرط لترتب على ذلك خروج الشرط عن كونه مصححا للحكم سواء كانت هذه الشرائط عقلية أو نقلية .
فالشرائط العقلية : مثل : الحياة فانها شرط في العلم والقدرة والارادة ولا وجود لهذه الصفات الا بالحياة بمعنى أنه اذا انعدمت الحياة انعدمت هذه الصفات .
والشرائط النقلية مثل : الطهارة وستر العورة شرط في صحة الصلاة فلا وجود للصلاة بدون الطهارة وستر العورة.
فثبت بهذا أنه اذا علق الحكم على شرط انتفى الحكم بانتفاء الشرط .
ثالثا :
ماروي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - :( مالنا نقصر وقد أمنا ) وقد قال تعالى : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ؟
فلو لم يفهما ( يعلى وعمر ) أن المعلق على الشيء بكلمة ( أن ) يعدم عند عدم ذلك الشيء لم يكن لذلك التعجب معنى . ولما أقرها الرسول على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل .
واستدل القائلون بعدم حجية مفهوم الشرط بما يلي :
لو كان مفهوم الشرط حجة وأن أداة الشرط تدل على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط لكان قوله تعالى ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا ) دالا على أنهن اذا لم يردن التحصن كان الاكراه غير حرام .
لكن الآية لا تدل على ذلك بل الزنا حرام عند ارادة التحصن وعند عدمها اجماعا . فلا تكون (أن) دالة على نفي المشروط عند انتفاء الشرط.
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي :
أن الآية ليست في محل النزاع لأن شرط مفهوم المخالفة ألا تظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت ؛ وهنا ظهرت فائدة وهي التقبيح والتشنيع على هؤلاء الذين يكرهون الاماء على الزنا ويحملوهن عليه حملا واذا ظهرت الفائدة فلا عمل بالمفهوم .
نستكمل الحديث بمشيئة الله تعالى في الدرس القادم عن ( مفهوم الغاية )
أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا ؛ انه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجمعة، ديسمبر ٢٦، ٢٠٠٨

حجية مفهوم المخالفة ؛ مفهوم الصفة ؛

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
وحديثنا اليوم عن ( حجية مفهوم المخالفة ) :
اذا كان الأصوليون قد اتفقوا على حجية مفهوم الموافقة الا أنهم اختلفوا في حجية مفهوم المخالفة .
فذهب جمهور الأصوليون الى أن مفهوم المخالفة حجة وهو حجة ( ظنية ) الا في مفهوم اللقب لأنه أضعف أقسام مفهوم المخالفة عندهم .
وذهب الحنفية الى عدم حجية مفهوم المخالفة واعتبروا الاستدلال به استدلالا فاسدا .
وسيتبين لنا ذلك من خلال الأقسام :
أولا : مفهوم الصفة :
تعريفه : تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف .
ويتعلق الحكم باحدى الصفات يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف .
مثال مفهوم الصفة :
1-قول الرسول صلى الله عليه وسلم : في الغنم السائمة زكاة .
فمنطوق وجوب الزكاة في الغنم السائمة ومفهوم المخالفة عدم وجوب الزكاة في المعلوفة .
2- قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .
واللي : المطل والامتناع .
الواجد : أي الغني .
وهذا الحديث يدل بمنطوقه على أنه يجوز للدائن أن يقول في حق المدين الذي يجد المال ولكنه يماطل : أنت ظالم وغير ذلك مما لايعد فحشا ولا قذفا .
كما أنه يدل على أنه يحق للقاضي أن يعاقب هذا المدين على مماطلته بما يراه هو .
ويدل بالمفهوم المخالف على أن مماطلة المدين الفقير الذي لايجد مايؤدي به دينه لايتيح لدائنه أن يتكلم في حقه ولا يحق للقاضي تعزيره لا نتفاء وصف الغنى في الحديث .
آراء الأصوليين في حجية مفهوم الصفة :
اختلف الأصوليون في الأخذ بمفهوم الصفة واعتبار حجيته على النجو الآتي :
1- ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم- وكثير من العلماء الى أنه حجة ؛ فاذا علق الحكم باحدى صفتي الذات فانه يدل على نفي الحكم عما عداها .
2- وذهب أبو حنيفة والقاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي الى أنه ليس بحجة فاذا علق الحكم باحدى صفتي الذات فانه لايدل على نفي الحكم عما عداه.
وهناك رأي مفصل لأبي عبد الله البصري لكنه مليء بتفصيل نحن في غنى عنه .
الأدلة :
استدل القائلون بأن مفهوم الصفة حجة بما يلي :
أولا : أنه يتبادر الى الذهن من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : مطل الغني ظلم أن مطل الفقير ليس بظلم ؛ والتبادر أمارة الحقيقة .
وقد صرح بذلك عدد من علماء الغة .
ثانيا : أن تعليق الحكم بالصفة يفيد في العرف نفيه عما عداه فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك .
والدليل على أن العرف يفيد ذلك :
لو قال قائل : الانسان الطويل لايطير . فلا يفيد ذلك كون الانسان القصير يطير !!!
واذا ثبت ذلك في العرف وجب أن يكون في أصل اللغة كذلك والا لزم النقل وهو خلاف الأصل .
ثالثا :المفهوم لو لم يدل على أن المراد مخالفة المسكوت عنه للمنطوق في الحكم لما كان لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة ؛ واللازم باطل لأنه لا يستقيم أن يخصص آحاد البلغاء شيئا بالذكر من غير فائدة لهذا التخصيص فكلام الله تعالى ورسوله أولى بأن يكون تخصيص الشيء بالذكر له فائدة والفائدة هنا هي اثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه .
رابعا : ماروي أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - :( مالنا نقصر وقد أمنا ) وقد قال تعالى : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ؟
وجه الدلالة : أن يعلى بن أمية فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم الخوف ولم ينكر عمر ذلك ؛ بل قال : عجبت مما عجبت منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .
ويعلى بن أمية وعمر بن الخطاب من فصحاء العرب وقد فهما ذلك وأقرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك . فدل ذلك على حجية مفهوم الصفة .
أدلة المنكرين لحجية مفهوم الصفة :
أولا : أن تقيد الحكم بالصفة لو دل على نفيه عند نفيها فاما أن يعرف ذلك بالعقل أو بالنقل ؛ أما معرفة ذلك بالعقل فهي منتفية لأن العقل لا مجال له في اللغات ؛
بقيت المعرفة بالنقل وهو منتف أيضا لأن النقل اما متواتر أو آحاد والمتواتر لاسبيل له وبالنسبة للآحاد فهي لاتفيد غير الظن وهو لا يصلح في اثبات اللغات .
ثانيا : قوله تعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق ) .
وجه الدلالة : لو كان اللفظ يدل على نفي الحكم عند انتفاء الصفة لجاز قتل الأولاد عند عدم الفقر والآية لاتدل على ذلك اجماعا فبطل ما تدعونه !
أجيب عن استدلالهم بالآية بما يلي :
الآية ليست من مفهوم المخالفة بل هي من المفهوم الموافق الأولوي لأنه اذا كان قتل الأولاد عند خشية الفقر غير جائز فمن باب أولى عدم جواز قتلهم عند عدم الخوف .
والراجح - والله أعلم بالصواب - :
رأي الجمهور لأن أدلتهم المثبتة لحجية مفهوم الصفة قوية وأدلة غيرهم وجه اليها كثير من الاعتراضات .
في الدرس القادم - بمشيئة الله - نتناول مفهوم الشرط .
أسأل المولى - عز وجل - أن يعلمنا ماينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا انه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ؛؛؛؛

الجمعة، ديسمبر ٠٥، ٢٠٠٨

( مفهوم المخالفة )

بسم الله الرحمن الرحيم
الله أكبر الله أكبر الله أكبر .. لا اله الا الله .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر ... ولله الحمد ...
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
ودرسنا اليوم عن ( مفهوم المخالفة )
ومعنى مفهوم المخالفة : أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به .
مثاله : قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( في الغنم السائمة زكاة ) فالسائمة : غير المعلوفة .
فأفاد هذا الحديث في محل النطق وجوب الزكاة في السائمة وعدم وجوبها في المعلوفة ؛ وهو مفهوم المخالفة
وقد دل عليه الحديث حين اعتبر في وجوب الزكاة في الغنم قيد السوم فدل ذلك على انتفاء الحكم - وهو وجوب الزكاة - عند انتفاء القيد المعتبر في الحكم -السوم - .
أقسام مفهوم المخالفة :
ينقسم مفهوم المخالفة الى أقسام مختلفة تبعا لاختلافهم في عدهم القيود التي تتقيد بها الأحكام والنصوص . ولكن الغالبية اتفقوا على هذه الأنواع :
1- مفهوم الصفة .
2- مفهوم الشرط .
3- مفهوم الغاية .
4- مفهوم العدد .
5- مفهوم اللقب .
6- مفهوم الحصر .وينتناولهم بالتفصيل - ان شاء الله تعالى - .
شروط مفهوم المخالفة :
1- أن لاتظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم أو مساواته له فاذا ظهر ذلك استلزم ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه فيكون مفهوم موافقة لا مفهوم مخالفة .
مثاله : قوله تعالى :(فلا تقل لهما أف ) :فقد ظهرت الأولوية للمسكوت عنه بالحكم وهو حرمة الضرب للوالدين من المنطوق وحرمة التأفيف .
2- أن لايكون المنطوق قد خرج مخرج الغالب المعتاد فاذا خرج مخرج الغالب المعتاد فلا يعتبر مفهومه .
مثاله : قوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) .فان الغالب كون الاربائب في حجور الأزواج أي : تربيتهن ؛ وهذا القيد لا يدل على أن غير الربيبة حكمها مخالف لحكم الربيبة فكلاهما حرام على زوج الأم .
وقوله تعالى : ( فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) فالآية أفادت بمنطوقها جواز الخلع عند خوف ألا يقيما حدود الله ولو أعملنا المفهوم هنا كان الخلع عند عدم الخوف لايجوز ؛
لكن الخلع جائز عند الخوف وعدمه ؛ فذكر الخوف هنا جرى مجرى الغالب والكثير أن المرأة لا تخالع زوجها الا عند الشقاق .
3- أن لايكون المنطوق به جوابا لسؤال ؛ أو في معرض المعالجة لحالة خاصة . فانه لايعمل بمفهومه حينئذ .
مثال أن يكون جوابا لسؤال : كما لو سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل في الغنم السائمة زكاة . فقال : في الغنم السائمة زكاة .لأنه لا يلزم من جواب السؤال عن احدى الصفتين أن يكون الحكم على الضد في الأخرى لظهور فائدة في الذكر غير الحكم بالضد .
ومثال أن يكون حالة خاصة : أن يكون القول موجها لمن له غنم سائمة وليس له غنم معلوفة .4
- أن لايكون المنطوق به ذكر للجهل بالحكم . كما اذا خاطب من يجهل حكم وجوب الزكاة في الغنم السائمة فقال : في الغنم السائمة زكاة . فهذا لايدل على نفي الحكم عما عداها لأن الغرض تعليم من جهل .
5- أن لايكون المنطوق به موافقا للواقع .
كما في قوله تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) فان منطوق الآية أفاد أنه لايجوز للمؤمنين موالاة الكافرين
ولو أعملنا المفهوم المخالف لكانت موالاة الكافرين جائزة مع موالاة المؤمنين أيضا ؛
ولكن هذا المفهوم غير مراد لأن قيد من دون المؤمنين جاء موافقا للواقع حيث ان الآية نزلت في قوم من المؤمنين والو اليهود ؛ وموالاة المؤمن للكافر حرام .
.6- أن لايكون المسكوت عنه ترك ذكره لخوف حصل بذكره بطريق الموافقة للمنطوق بأن يعطف عليه بأي من حروف العطف .
مثاله : قول قريب عهد بالاسلام لعبده بحضور المسلمين : تصدق بهذا على المسلمين ؛ وهو يريد المسلمين وغيرهم ؛ فانه لايمنع من التصدق على غير المسلمين لخوفه حين كلامه من الاتهام بالنفاق .
7- أن لايكون المنطوق قصد به التفخيم وتأكيد الحال .
مثاله : قوله تعالى : ( ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) فان ذلك لايشعر بسقوط الحكم عن غير المحسنين.
8- أن لايكون المنطوق قد قصد به الامتنان .
مثاله : قوله تعالى : ( وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا ) .فان ذلك لايدل على منع أكل غير الطري ؛
والعلة : أنه ظهر لتخصيص الوصف ( طريا ) بالذكر : فائدة غير نفي الحكم عما عداه ؛ بل الفائدة في التخصيص هي الامتنان .
في الدرس القادم بمشيئة الله - تعالى - سنتحدث عن حجية مفهوم المخالفة وعن أقسامه بالتفصيل .أسأل المولى عز وجل أن يعلمنا ماينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا انه ولي ذلك والقادر عليه ؛
الله أكبر الله أكبر الله أكبر .. لا اله الا الله .. الله أكبر الله أكبر الله أكبر ... ولله الحمد ...

الجمعة، نوفمبر ٢٨، ٢٠٠٨

مفهوم الموافقة ؛؛؛

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
ودرسنا اليوم عن ( المفهـــــــــــــــوم ) :

والمفهوم في اللغة : اسم لكل مافهم من نطق أو غيره ؛ وهو المفهوم المجرد الذي يستند الى النطق ؛ لكن فهم من غير تصريح بالتعبير عنه .

واصطلاحا : مافهم من اللفظ في غير محل النطق .

بأن كان ذلك في محل المسكوت عنه بأن يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله .

مثال المفهوم : قوله تعالى : ( ولا تقل لهما اف ) .

فان مادلت عليه الآية في محل النطق هو تحريم النطق ؛ أما ما دلت عليه الآية من الفهم : تحريم الضرب .

ومثال للمفهوم في كلام الناس : أن يقول أحدهم لآخر في محل الخصومة : أنا لست بغبي .

فقد أفاد هذا الكلام بمنطوقه أن المتكلم ليس متصفا بالغباء . ولكنه أفاد بمفهومه : أن المخاطب - بفتح الطاء - متهم بالغباء من قبل المتحدث .

أقسام المفهوم :

ينقسم المفهوم الى قسمين : مفهوم موافقة ؛ ومفهوم مخالفة .

فان كان المفهوم موافق للمنطوق في الاثبات والنفي كان مفهوم موافقة ؛ وان كان غير موافق له في الاثبات والنفي كان مفهوم مخالفة .

أولا : مفهوم الموافقة :

وهو أن يكون المسكوت عنه موافقا في الحكم للمذكور وهو المسمى بمحل النطق .

مثاله : تحريم الضرب من قوله تعالى ( ولا تقل لهما أف ) كما سبق .

دلالة مفهوم الموافقة قد تكون قطعية وقد تكون ظنية :

والدلالة القطعية : هي الدلالة التي لاتحتمل الا المراد ولا تقبل التأويل .

الدلالة الظنية : وهي التي تحتمل المراد وغيره وتقبل التأويل .

دلالة مفهوم الموافقة قد تكون قطعية : فيما اذا كان التعليل بالمعنى ونحوه أشد مناسبة للفرع قطعيا .
وذلك في قوله تعالى مثلا : ( ولا تقل لهما أف ) .
فهاهنا القطع بأن المعنى المناسب للتحريم هو الايذاء ونقطع كذلك أن هذا الايذاء موجود بصورة أشد في الشتم أو الضرب .
دلالة مفهوم الموافقة قد تكون ظنية : فيما اذا لم نقطع بالمعنى المناسب ووجوده في المسكوت عنه .
كما في قول الشافعي - رحمه الله - : اذا كان القتل الخطأ يوجب الكفارة فالعمد أولى ؛ واذا كان اليمين غير الغموس يوجب الكفارة فالغموس أولى .
فلو كان الهدف للكفارة الزجر قطعا لأمكن أن تكون الدلالة قطعية ؛ ولكن يجوز أن يكون المعنى المناسب هنا : التدارك وتلافي المضرة التي حدثت أي جبر الخطأ والقتل ؛ ولكن لا يلزم من أن الكفارة تجبر الأقل أن تجبر الأعظم .
حجية مفهوم الموافقة :
ذهب جمهور الأصوليين الى أن مفهوم الموافقة حجة لتبادر فهم العقلاء اليه ؛ فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية .
وذهب الظاهرية : الى انكار القول بمفوم الخطاب على الاطلاق لزعمهم تطرق الاحتمال اليه من وجهة نظرهم ؛ ومعلوم : أن الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط الاستدلال به .
ولكن يرد عليهم : أن مفهوم الموافقة نوع من الخطاب وهو من باب السمع ؛ فرده نوع من المكابرة .
في الدرس القادم - بمشيئة الله - سنتحدث عن مفهوم المخالفة .
أسأل المولى - عز وجل - أن يعلمنا ماينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ؛ انه ولي ذلك والقادر عليه ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجمعة، نوفمبر ٢١، ٢٠٠٨

أصول فقه ؛ تقسيم اللفظ المنطوق الى واحد ومتعدد .

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
ودرسنا اليوم عن ( تقسيم اللفظ المنطوق الى واحد ومتعدد )
أولا : المنطوق الواحد :
وهو اللفظ الذي لم يستعمل الا في معنى واحد سواء كان ذلك الاستعمال في اللغة أو الشرع أو العرف .
حكمه : هذا اللفظ يحمل على معناه المستعمل مالم توجد قرينة تصرفه عن ذلك المعنى الواحد الى معنى آخر ولا خلاف بين العلماء في ذلك .
وذلك لأن الحقيقة يجب العمل بها عند استعمال اللفظ في حقيقته من غير بحث عن المجاز .
مثال المنطوق الواحد : الأسد .
فانه واضح واستعمل حقيقة في الحيوان المفترس المعروف ؛ فاذا أطلق حمل عليه عند جميع العلماء سواء في ذلك علماء اللغة أو علماء الشرع أو حتى في عرف الناس .
فان وجدت قرينة صارفة تصرفه عن معناه الحقيقي الى المعنى المجازي كمما لو قلت : رأيت أسدا يقود الجيش . فقولك : يقود الجيش ؛ قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الى معنى آخر وهو : انسان شجاع مثلا .
ثانيا : المنطوق المتعدد :
وهو اللفظ الذي استعمل لأكثر من معنى بأن يكون له معنى في اللغة ومعنى في الشرع ومعنى في العرف واستعمل في كل هذه المعاني وشاع استعماله فيها .
مثال ذلك : لفظ الصلاة .
فهي في أصل اللغة اشتهرت بمعنى : الدعاء .
ثم استعملت في الشرع بمعنى : أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم - هذا تعريف الشافعية-.
فلفظ الصلاة له أكثر من استعمال فهو يستعمل في اللغة ويراد به معنى شرعي أو يراد به آخر .
وكذلك لفظ الدابة : وضعت في اللغة لكل مايدب على الأرض من انسان أو حيوان ولكنها في بعض البلدان تطلق على الفرس وفي بعضها الآخر تطلق على الحمار .
حكم المنطوق المتعدد :
اختلف الأصوليون فيما يحمل عليه اللفظ من المعاني .
فذهب الجمهور : الى أنه يجب الحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ؛ مستدلين على ذلك بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الشرعيات لا بيان المعنى اللغوي وبأن الشرع طاريء على اللغة وناسخ لها فالحمل على الناسخ المتأخر أولى .
فان تعذر الحمل على أحد هذه الحقائق حمل على المجاز سواء كان ذلك في جانب الاثبات أو في جانب النفي .
مثال ماحمل على الشرعي : لفظ الزكاة الوارد في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : في الغنم السائمة زكاة .
فانها وردت بمعنيين معنى لغوى ومعنى شرعي .
المعنى اللغوي وهو : النماء والزيادة .
والمعنى الشرعي وهو اخراج مال مخصوص من مال مخصوص بلغ نصابا لمستحقيه ان تم الملك .
فيحمل على الزكاة الشرعية دون اللغوية .
مثال ماحمل على العرفي :
اذا حلف انسان لا يركب دابة فان لفظ الدابة وضع لأكثر من معنى لغوي - كما ذكرت سابقا -
فان الحالف يحنث بيمينه اذا ركب ما اشتهر في عرف الاستعمال في بلده اطلاق لفظ الدابة عليه ولا يلتفت الى الحقيقة اللغوية .
مثال ماحمل على المعنى اللغوي :
ماروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى على قتلى أحد سنة تسع .
فالمعنى الشرعي للصلاة هنا غير مراد لأن الشهيد لا يصلى عليه ؛ فيجب حمل الكلام على المعنى اللغوي وهو الدعاء.
وذهب الرازي والاسنوي الى أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات ؛ فان لم يكن له حقيقة شرعية حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده - صلى الله عليه وسلم - لأنه المتبادر الى الفهم ؛ فان تعذر ذلك حمل على الحقيقة اللغوية ؛ واذا تساوت الاحتمالات يكون مشتركا لا يترجح الا بقرينة .
والفرق بين المذهب الأول والثاني : أن الثاني اشترط كثرة استعمال اللفظ وعند تساوي استعمالاته يكون مشتركا .
وذهب الغزالي : الى أنه في جانب الاثبات يحمل على المعنى الشرعي وما ورد في النهي يكون مجملا - أي ننتظر فيه بيان من الشارع .
مثال الاثبات : ماروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة رضي الله عنها وسألها عن طعام فقالت : لا ؛ فقال : اني اذا أصوم .
فانه ان حمل على المعنى الشرعي دل على صحة الصوم بنية جزء من النهار لا من أول النهار ؛
ولا يحمل الصيام هنا على المعنى اللغوي و هو الامساك ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الشرعيات .
مثال النهي : نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم يوم الفطر ويوم الأضحى .
فانه لايحمل على المعنى الشرعي لأن المانع قد وجد وهو ان حمل اللفظ على المعنى الشرعي يقتضي : أنه لو صام لصح صومه- ومعنى الصحةهنا : ليس ترتب الثواب عليها بل معناها : أنه لايجب عليه اعادة هذا اليوم في يوم آخر لأنه فاسد - ومتى كان الشيء صحيحا لم يصح النهي عنه فلذلك لم يحمل على المعنى الشرعي .
وله أدلة على مذهبه هذا واعتراضات عليها - نحن في غنى عنها هنا وانما أردت أن أذكر الخلاف بشكل اجمالي -
درسنا القادم باذن الله عن المفهوم من اللفظ .
أسأل المولى عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا ؛ وأن ينفعنا بما علمنا ؛ انه ولي ذلك والقادر عليه ؛
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجمعة، نوفمبر ١٤، ٢٠٠٨

دلالة الاقتضاء ؛ دلالة الايماء ؛ دلالة الاشارة .

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛ وسنتحدث عن أقسام المنطوق غير الصريح والتي هي : ( دلالة الاقتضاء ؛ دلالة الايماء ؛ دلالة الاشارة )
أولا : دلالة الاقتضاء :
هي دلالة اللفظ بالالزام على معنى غير مذكور مع أنه مقصود بالأصالة ولا يستقل المعنى أي : لايستقيم الا به لتوقف صدقه أو صحته عقلا أو شرعا عليه وان كان اللفظ لايقتضيه وضعا .
وسميت دلالة الاقتضاء : لأنها تقتضي شيئا زائدا على اللفظ .
وهذه الدلالة تنقسم الى ثلاثة أقسام :
أ-مقتضى يجب تقديره لصدق الكلام :
مثــــــــــل : قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )
فلو أخذنا بظاهر الحديث لوجدنا :
1- اما أن يدل على رفع الخطأ والنسيان والاكراه ؛ وكل ذلك لم يرفع بدليل وقوع الأمة فيه .
2- أو يدل على رفع الفعل الذي وقع خطأ أو نسيانا بعد وقوعه ؛ ورفع العمل بعد وقوعه محال .
3- أو لابد أن نقدر لفظ محذوف يتم به فهم الكلام وهو ( اثم ) أو ( حكم ) وكل منهما ليس مذكورا في الحديث غير أن صدق الكلام توقف على تقدير أحدهما لأن صدق الكلام اقتضى ذلك وتطلبه .
ب- مقتضى يجب تقديره لصحة الكلام عقلا :
كما في قوله تعالى ( واسأل القرية ) فانه لابد من اضمار وتقدير- أهل - حتى يصح اللفظ عقلا لأن القرية هي الأبنية والجدران وهذان لايصح سؤالهما عقلا .
ج- مقتضى يجب تقديره لصحة الكلام شرعا :
مثل : اذا أمر شخص ما بالصلاة فان ذلك يتضمن الأمر بالطهارة لامحالة.
فاللفظ المتوقف صدقه أو صحته منطوق صريح ؛ والمضمر الذي لابد للصدق أو للصحة منه منطوق غير صريح وهو من ضرورة المنطوق الصريح .
ثانيا : دلالة الايماء أو التنبيه :
الايماء في اللغة : التنبيه .
واصطلاحا : اقتران وصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا .
والمراد بالوصف : اللفظ المقيد لغيره سواء كان شرطا أو غاية أو استثناء .
ومعنى : لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا : أي : لو لم يكن اقتران الوصف بحكم أو نظيره لتعليل الحكم لكان بعيدا من الشارع لأنه لايليق بفصاحته وبلاغته أن يذكر ما لافائدة منه .
مثـــــال :
قوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعو أيديهما ) :
فقد رتب الحكم وهو(القطع)على الوصف وهو ( السرقة ) بفاء التعقيب ؛ فلو لم يكن الوصف هنا لتعليل الحكم لكان بعيدا عن كلام الشارع .
ثالثا : دلالة الاشارة :
وهي دلالة اللفظ على معنى غير مقصود للمتكلم .
فدلالة الاشارة ليست مقصودة في الكلام وانما تابعة له. بخلاف دلالة الاقتضاء والايماء قمقصودتان في الكلام وان اختلفتا في أن دلالة الاقتضاء يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته العقلية والشرعية .
مثـــا ل ذلك : في حديث نقصان دين المرأة ؛ قيل : وما نقصان دينهن ؟ قال : تمكث احداهن شطر دهرها لاتصلي . أي : نصف عمرها .
فدل ذلك على أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما وكذلك أقل الطهر خمسة عشر يوما .
فدلالة الحديث على ذلك منطوق غير صريح لأن بيانه غير مقصود لكنه يلزم من حيث أنه قصد المبالغة والمبالغة تقتضي ذكر أكثر مايتعلق به الغرض ؛ ولو كان زمان ترك الصلاة (زمان الحيض)أكثر من ذلك لبينه -صلى الله عليه وسلم-.
في الدرس القادم بمشيئة الله سنتحدث عن تقسيم المنطوق الى واحد ومتعدد.
أسأل المولى عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا ؛ وأن ينفعنا بما علمنا ؛ انه ولي ذلك والقادر عليه ؛
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجمعة، أكتوبر ٣١، ٢٠٠٨

من مباحث الألفاظ : المنطوق .

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛

فاللفظ المستعمل قد يدل على المعنى بمنطوقه وقد يدل عليه بمفهومه . فما حقيقة كل منهما ؟

أولا : المنطوق :

المنطوق في اللغة : اسم مفعول من نطق أي تكلم ؛ فالمنطوق هو الملفوظ به .

واصطلاحا : مادل عليه اللفظ في محل النطق .

أي يكون حكما للمذكور وحالا من أحواله ؛ سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أم لا .

مثال المنطوق : تحريم التأفيف الذي دل عليه قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) .

فالذي يدل عليه اللفظ في محل النطق هو : تحريم التأفيف .

أقسام المنطوق :

لما كانت الغاية من علم أصول الفقه هي النظر في الخطاب الشرعي لاستنباط الأحكام الشرعية فان هذا الخطاب يأتي في عبارة مشتملة على ألفاظ ؛ هذه الألفاظ المنطوق بها قد تدل على الحكم بطريق النص الذي لايحتمل غيره أو الظاهر الذي يحتمل غيره .

وقد تتعدد معاني هذه الألفاظ وهو المنطوق المتعدد ؛ وقد لاتتعدد وهو المنطوق الواحد أو تدل الألفاظ على المعنى بحسب ماوضعته اللغة وهو الصريح أو تكون المعاني ملازمة للألفاظ وهو ما يسمى بغير الصريح .

وبالتالي فالمنطوق ينقسم الى :

1- نص وظاهر .

2- صريح وغير صريح .

3- متعدد وغير متعدد .

أولا : التقسيم الأول : النص والظاهر :

1- النص : هو في اللغة : الكشف والظهور .

ونص الحديث الى فلان : رفعه اليه .

اصطلاحا : يطلق على معان عدة منها :أ- مجرد لفظ الكتاب والسنة فيقال : الدليل اما نص أو معقول .

ب- مايذكر في باب القياس وهو أول الطرق الدالة على العلية .

ج- حكاية اللفظ على صورته فيقال : هذا نص كلام فلان .

د- مايقابل الظاهر ؛ وهو المقصود .

واذا فقد عرفه جمهور الأصوليين بأنه : مادل على معناه دلالة قطعية أو : ما لايحتمل الا معنى واحد ؛

أو : ما لايحتمل التأويل .

مثال النص : قوله تعالى : ( والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) .

فهذه الآية تدل دلالة قطعية لا تحتمل غيرها على أن الزاني والزانية يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وهذا نص في المطلوب .

وبالجملة كل الآيات والأحاديث التي تشتمل على أعداد ومقدرات فهي نص .

ثانيا : الظاهر :

وهو لغة : الواضح ؛ يقال : ظهر الأمر الفلاني اذا اتضح وانكشف .والظاهر ضد الباطن .

واصطلاحا : هو مايقابل النص ولذلك فقد عرفه الأصوليون ب : مادل على معناه دلالة ظنية ؛ أو ما دل على معنى ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا .

مثال الظاهر : الصلاة . فهي لفظ راجح في الأقوال والأفعال ؛ مرجوح في الدعاء الموضوع له لغة .

ثانيا : تقسيم المنطوق الى صريح وغير صريح :

أولا : الصريح : هو دلالة اللفظ على ما وضع له .

مثاله : قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) .

دل المنطوق على تحريم التأفيف من الوالدين وهو صريح في ذلك فهذا المنطوق أعطى المعنى كاملا وصريحا وبلا تأمل فكان مستوف صريح .

ثانيا : المنطوق غير الصريح : هو دلالة اللفظ على مالم يوضع له بل يلزم مما وضع له فيدل عليه بالالتزام وقد اعتبر غير الصريح منطوقا عند جمهور الأصوليين لأن المنطوق مادل عليه اللفظ في محل النطق بأن يكون حكما للمذكور وحالا من أحواله ؛ سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أم لا .
وتأتي عدم صراحته من جهة أن اللفظ لايدل عليه مباشرة وانما من خلال التأمل في اللفظ وادراك معناه ومن ثم الانتقال الى لوازمه .
ينقسم المنطوق غير الصريح الى :
1- دلالة الاقتضاء .
2- دلالة الايماء .
3- دلالة الاشارة .
وهذا ماسنتناوله - باذن الله - في الدرس القادم .
أسأل المولى عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا ؛ وأن ينفعنا بما علمنا ؛ انه ولي ذلك والقادر عليه ؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجمعة، أكتوبر ٢٤، ٢٠٠٨

هل يجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل ؟ وهل يجوز ارادة غير الظاهر من اللفظ من غير دليل ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
وفي تطبيقات هذا الموضوع مسألة : هل يجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل ؟
والمهمل : هو ما لامعنى له .
فذهب الجمهور الى أنه لايجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل ؛
وذهب الحشوية الى جواز ذلك .
والحشوية : وهي تقرأ بفتح الحاء هم جماعة كانو يجلسون أمام الحسن البصري في حلقتهم فوجد الكلام رديئا فقال : ردوا هؤلاء الى حشاء الحلق أي الى جانبها .
الأدلة :
استدل الجمهور على أنه لايجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل بما يلي :
أولا : أن الخطاب بالمهمل عبث وهذيان ؛ وهما نقص ؛ والنقص مستحيل على الله تعالى ؛ وبالتالي فالخطاب بالمهمل لايجوز .
ثانيا : أن الله وصف القرآن بأنه شفاء وهدى وبيانا وموعظة فقال تعالى : ( وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين )
وفي قوله تعالى : ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين )
والهدى والشفاء والموعظة لايحصل بالمهمل .
واستدل الحشوية على أنه يجوز أن يخاطبنا الله سبحانه بالمهمل بما يلي :
أولا : زعموا أنه ورد في القرآن الكريم في أوائل السور ألفاظ مهملة ليست لها معان مثل : الم ؛ الر ؛ كهعص ؛ ...
وهذه الحروف غير موضوعة في اللغة لمعنى ؛ ولا أدل على الجواز من الوقوع فدل ذلك على أن الخطاب بالمهمل وقع في القرآن الكريم .والوقوع أدل دليل على الجواز .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي :
لانسلم لكم أن الحروف المقطعة التي في أوائل السور ليس لها معنى لأن علماء التفسير ذكروا لها معان فمنهم من قال : هن أسماء السور ومنهم من قال : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه .
ثانيا : قوله تعالى : ( انها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) .
وجه الدلالة : أن العرب لاتعلم ماهي الشياطين فلا يفيد هذا التشبيه شيئا لأنهم لم يعرفوا الشياطين حتى يتصوروا رؤوسها . فدل ذلك على أن في القرآن ما لايفيد معنى ؛ وهذا دليل على جواز الخطاب بالمهمل الذي لانعلمه .
أجيب عن هذا الدليل : أن العرب كانوا يعرفون الشياطين ويتخيلونها أمورا مستقبحة ؛ فهذا مثل للاستقباح متداول ؛ وعلى ذلك فالدليل في غير محل النزاع .
ثالثا : أن الله تعالى خاطب العجم بالقرآن كما خاطب به العرب ومعنى ذلك أن القرآن غير مفهوم للعجم لأنه لم ينزل بلغتهم ؛ واذا جاز ذلك فيجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل .
أجيب عن ذلك بما يأتي : أن خطاب العجم بلغة العرب لاينفي معنى الكلمات العربية لأن هذه الكلمات لها معنى بخلاف المهمل فلا معنى له في أي لغة وهو هذيان وهو محال على الله تعالى .
المسألة الثانية : هل يجوز ارادة غير الظاهر من اللفظ من غير دليل ؟
لا خلاف بين العلماء على جواز أن يريد الله بكلامه غير ظاهره اذا وجدت قرينة يحصل بها البيان .
وانما الخلاف بين العلماء فيما اذا أراد الله غير الظاهر من غير قرينة تعين المراد .
فذهب الجمهور الى أنه لا يجوز أن يريد الله بكلامه غير الظاهر من غير قرينة .
وذهب المرجئة :الى أنه يجوز أن يخاطبنا الله بلفظ ويريد منه غير الظاهر من غير قرينة .
والمرجئة : وهم فرقة سموا بالمرجئة لأنهم لم يجعلوا الأعمال سببا لوقوع العذاب ولا لسقوطها بل أخروها وقالوا : من شهد شهادة الحق دخل الجنة وان عمل اي عمل كان ومن قال لااله الا الله لا يدخل النار وان ترك الفرائض وعمل الكبائر لأنه لايضر مع الايمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة .
الأدلة :
استدل الجمهور على أنه لا يجوز أن الله تعالى يريد غير الظاهر من اللفظ من غير قرينة بما يلي :
أن الخطاب المراد منه غير الظاهر بغير قرينة هو كالمهمل ؛ وقد أقمنا الدليل على أن الخطاب بالمهمل لايجوز .
واستدل المرجئة على جواز أن يخاطبنا الله بلفظ يريد منه غير الظاهر بدون قرينة بما يلي :
أن ذلك قد وقع في القرآن وهي الآيات والأخبار الدالة على أن المراد منها ليس ظاهرها بل المراد التخويف فمثلا في قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله علينه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) .
فليس المراد دخول القاتل النار وتعذيبه فيها بل المراد تخويف الناس من الوقوع في القتل لأن القاتل شهد أن لااله الا الله فلا يضره عصيان مع الايمان ؛ والوقوع أدل دليل على الجواز .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي :
1- أننا لو فتحنا هذا الباب فقلنا ان كل لفظ يحتمل غير المراد منه لارتفع الوثوق عن أخبار الله وأخبار رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لايوجد خبر الا ويحتمل أن يكون المقصود منه غير ظاهره ؛ وهذا ظاهر الفساد ولم يقل به أحد .
2- أن ما ذكرتموه من أن هذه الآيات تفيد الاحجام عن المعاصي مردود ؛ لأن الاحجام يكون من المكلف بعد العلم بأنه سيعاقب على مايرتكبه من المعاصي أما اذا علم أنه لايعاقب فلن يزجره شيء عن ارتكاب المعاصي ؛ وعلى هذا فلا فائدة في الخطاب بهذه الآيات وهذا باطل ؛ وما يؤدي الى الباطل فهو باطل .
وبعد عرض المسألتين السابقتين يتبين لنا أن الله سبحانه وتعالى لايخاطبنا بالمهمل لأنه يعتبر هذيانا ولغوا فهو من الشارع محال وكذلك فالله سبحانه وتعالى يخاطبنا باللفظ الذي له معنى وان كان غير معروف لنا وبالتالي فان الله سبحانه وتعالى خاطبنا بالألفاظ المستعملة في معانيها والألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها .
واللفظ المستعمل قد يدل على المعنى بمنطوقه وقد يدل عليه بمفهومه؛
والمنطوق والمفهوم هما عنوان درسنا في الدرس القادم .
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولى ذلك والقادر عليه ؛؛؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .