الجمعة، نوفمبر 21، 2008

أصول فقه ؛ تقسيم اللفظ المنطوق الى واحد ومتعدد .

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
ودرسنا اليوم عن ( تقسيم اللفظ المنطوق الى واحد ومتعدد )
أولا : المنطوق الواحد :
وهو اللفظ الذي لم يستعمل الا في معنى واحد سواء كان ذلك الاستعمال في اللغة أو الشرع أو العرف .
حكمه : هذا اللفظ يحمل على معناه المستعمل مالم توجد قرينة تصرفه عن ذلك المعنى الواحد الى معنى آخر ولا خلاف بين العلماء في ذلك .
وذلك لأن الحقيقة يجب العمل بها عند استعمال اللفظ في حقيقته من غير بحث عن المجاز .
مثال المنطوق الواحد : الأسد .
فانه واضح واستعمل حقيقة في الحيوان المفترس المعروف ؛ فاذا أطلق حمل عليه عند جميع العلماء سواء في ذلك علماء اللغة أو علماء الشرع أو حتى في عرف الناس .
فان وجدت قرينة صارفة تصرفه عن معناه الحقيقي الى المعنى المجازي كمما لو قلت : رأيت أسدا يقود الجيش . فقولك : يقود الجيش ؛ قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الى معنى آخر وهو : انسان شجاع مثلا .
ثانيا : المنطوق المتعدد :
وهو اللفظ الذي استعمل لأكثر من معنى بأن يكون له معنى في اللغة ومعنى في الشرع ومعنى في العرف واستعمل في كل هذه المعاني وشاع استعماله فيها .
مثال ذلك : لفظ الصلاة .
فهي في أصل اللغة اشتهرت بمعنى : الدعاء .
ثم استعملت في الشرع بمعنى : أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم - هذا تعريف الشافعية-.
فلفظ الصلاة له أكثر من استعمال فهو يستعمل في اللغة ويراد به معنى شرعي أو يراد به آخر .
وكذلك لفظ الدابة : وضعت في اللغة لكل مايدب على الأرض من انسان أو حيوان ولكنها في بعض البلدان تطلق على الفرس وفي بعضها الآخر تطلق على الحمار .
حكم المنطوق المتعدد :
اختلف الأصوليون فيما يحمل عليه اللفظ من المعاني .
فذهب الجمهور : الى أنه يجب الحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ؛ مستدلين على ذلك بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الشرعيات لا بيان المعنى اللغوي وبأن الشرع طاريء على اللغة وناسخ لها فالحمل على الناسخ المتأخر أولى .
فان تعذر الحمل على أحد هذه الحقائق حمل على المجاز سواء كان ذلك في جانب الاثبات أو في جانب النفي .
مثال ماحمل على الشرعي : لفظ الزكاة الوارد في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : في الغنم السائمة زكاة .
فانها وردت بمعنيين معنى لغوى ومعنى شرعي .
المعنى اللغوي وهو : النماء والزيادة .
والمعنى الشرعي وهو اخراج مال مخصوص من مال مخصوص بلغ نصابا لمستحقيه ان تم الملك .
فيحمل على الزكاة الشرعية دون اللغوية .
مثال ماحمل على العرفي :
اذا حلف انسان لا يركب دابة فان لفظ الدابة وضع لأكثر من معنى لغوي - كما ذكرت سابقا -
فان الحالف يحنث بيمينه اذا ركب ما اشتهر في عرف الاستعمال في بلده اطلاق لفظ الدابة عليه ولا يلتفت الى الحقيقة اللغوية .
مثال ماحمل على المعنى اللغوي :
ماروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلى على قتلى أحد سنة تسع .
فالمعنى الشرعي للصلاة هنا غير مراد لأن الشهيد لا يصلى عليه ؛ فيجب حمل الكلام على المعنى اللغوي وهو الدعاء.
وذهب الرازي والاسنوي الى أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات ؛ فان لم يكن له حقيقة شرعية حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده - صلى الله عليه وسلم - لأنه المتبادر الى الفهم ؛ فان تعذر ذلك حمل على الحقيقة اللغوية ؛ واذا تساوت الاحتمالات يكون مشتركا لا يترجح الا بقرينة .
والفرق بين المذهب الأول والثاني : أن الثاني اشترط كثرة استعمال اللفظ وعند تساوي استعمالاته يكون مشتركا .
وذهب الغزالي : الى أنه في جانب الاثبات يحمل على المعنى الشرعي وما ورد في النهي يكون مجملا - أي ننتظر فيه بيان من الشارع .
مثال الاثبات : ماروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة رضي الله عنها وسألها عن طعام فقالت : لا ؛ فقال : اني اذا أصوم .
فانه ان حمل على المعنى الشرعي دل على صحة الصوم بنية جزء من النهار لا من أول النهار ؛
ولا يحمل الصيام هنا على المعنى اللغوي و هو الامساك ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث لبيان الشرعيات .
مثال النهي : نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصوم يوم الفطر ويوم الأضحى .
فانه لايحمل على المعنى الشرعي لأن المانع قد وجد وهو ان حمل اللفظ على المعنى الشرعي يقتضي : أنه لو صام لصح صومه- ومعنى الصحةهنا : ليس ترتب الثواب عليها بل معناها : أنه لايجب عليه اعادة هذا اليوم في يوم آخر لأنه فاسد - ومتى كان الشيء صحيحا لم يصح النهي عنه فلذلك لم يحمل على المعنى الشرعي .
وله أدلة على مذهبه هذا واعتراضات عليها - نحن في غنى عنها هنا وانما أردت أن أذكر الخلاف بشكل اجمالي -
درسنا القادم باذن الله عن المفهوم من اللفظ .
أسأل المولى عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا ؛ وأن ينفعنا بما علمنا ؛ انه ولي ذلك والقادر عليه ؛
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

ليست هناك تعليقات: