الأربعاء، يونيو 03، 2009

الصيام - 4

بسم الله الرحمن الرحيم
تابع أحكام المفطرين وما يفسد الصوم

يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: ( ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غيره وإن فرَّط أطعمَ مع القضاء لكلِّ يوم مسكيناً وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه وإن كان لغير عذرٍ أُطعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ إلا أن يكون الصوم منذوراً فإنه يصام عنه وكذلك كل نذر طاعة.)

قال -رحمه الله تعالى-: ( ومن أخرَّ القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غير القضاء)
الواجب على من أفطر في نهار رمضان؛ لعذر؛ لسفر أو مرض أو غيره أن يبادر إلى القضاء وهذا هو المستحب في حقه ويتأكد ذلك إذا ضاق الوقت بحيث قرب وقت رمضان الآخر

ولكن لو قدِّر أن هذا الذي أفطر أياماً من رمضان لعذر أنه لم يبادر حتى أدركه رمضان آخر فهذا فيه تفصيل.

قال المؤلف: ( إن كان هذا لعذر فليس عليه غير القضاء ) يعني:: إن كان هذا التأخير إنما حصل لعذر فليس عليه إلا القضاء كأن يفطر لمرض ثم يستمر معه المرض، ثم بعد ذلك يدركه رمضان من العام الذي يليه ثم يشفى بعد وهنا لا يلزمه إلا القضاء فقط, أي أنه لا يلزمه مع القضاء الإطعام.

قال: ( وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً ) يعني: إن كان التأخير ليس لعذر وإنما من باب التفريط والتساهل والإهمال والتسويف, كل يوم يقول: أصوم غداً حتى أدركه رمضان من العام الذي يليه

فيقول المؤلف: ( إنه يلزمه مع القضاء أن يطعم عن كل يوم مسكيناً ) فإذا كانت الأيام التي أفطرها خمسة أيام قضى خمسة أيام وأطعم خمسة مساكين, عشرة أيام قضى عشرة أيام وأطعم عشرة مساكين

أما القضاء فالدليل عليه ظاهر: ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾.
وأما الإطعام فلم يثبت دليل من السنة يدل على ذلك ولكنه روي في حديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين) ولكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا قال الترمذي: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر فيكون هذا من كلام ابن عمر.

وقال بعض أهل العلم: إن الله - عز وجل-إنما أوجب القضاء فقط في قوله – سبحانه-: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾[البقرة: 184]
وأطلق - جل وعلا- وإيجاب الإطعام مع القضاء يحتاج إلى دليل ظاهر لأن إيجاب مثل هذا الأمر على عباد الله – تعالى- يحتاج إلى دليل صحيح صريح ولم يرد في السنة دليل صحيح صريح يدل على وجوب الإطعام.

فالأظهر أنه لا يجب، وإنما يستحب له ذلك أخذاً بما روي عن بعض الصحابة في هذا من آثار وخروجاً من الخلاف وهذا هو القول الأظهر في هذه المسألة - والله تعالى أعلم-.

قال: ( وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه )
هذا إنسان أفطر لعذر, ثم إن هذا العذر استمر معه فلم يتمكن من القضاء فهذا لا شيء عليه، لكن هذا إذا كان الواجب عليه القضاء أما إذا كان الواجب عليه الإطعام ابتداء فإنه لابد أن يُخرَج عنه من تركته
مثلاً: المريض إذا كان مرضه لا يرجى برؤه فإنه تعين ابتداء الإطعام، فيطعم عنه ولذلك لو مات مثلاً بعد رمضان مباشرة فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً لكن لو كان مرضه يرجى برؤه ولكنه لم يتمكن من القضاء لكون المرض استمر معه مع كونه مرجو البرء استمر معه هذا المرض ثم تفاقم معه حتى مات فهنا لا شيء عليه هذا معنى قول المؤلف: (إنه لا شيء عليه).

قال: (وإن كان لغير عذر أُطعِمَ عنه لكل يوم مسكينٌ ) يعني: إن كان التأخير لغير عذر كأن يكون مريضاً مرضاً يرجى برؤه وأخر القضاء وفرط ثم مات فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين.

قال: ( إلا أن يكون الصوم منذوراً فإنه يصام عنه ) أفادنا المؤلف أن من مات وعليه صوم نذر فإنه يصام عنه والذي يصوم عنه وليه يعني: قريبه الوارث
والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- (أن امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك)
وأيضاً ما جاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (من مات وعليه صوم صام عنه وليه )

ولكن المؤلف حمل هذا على صوم النذر خاصة استدلالاً بقصة هذه المرأة التي استفتت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقد ورد في رواية (إن أمي ماتت وعليها صوم نذر)

قال: (وإن كان لغير عذر أطعم عنه عن كل يوم مسكين) فنقول: إن ترك صوماً بغير عذر فإنه يصام عنه, مثلاً شخص عليه خمسة أيام من رمضان مات ولم يصمها بغير عذر فيستحب لوليه أن يصوم عنه والمراد بالولي هنا: القريب الوارث لقوله -عليه الصلاة و السلام-: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ).

فيستحب لأقاربه أن يصوموا عنه ولا مانع من أن يصوم عنه أكثر من واحد يعني: لو كان الصوم الذي عليه خمسة أيام وله خمسة إخوة, قالوا: نتقاسم هذه الأيام الخمسة. لا بأس, حتى ولو صام هؤلاء الخمسة في يوم واحد لا بأس بهذا إلا ما يشترط فيه التتابع فلا بد من أن يكون من شخص واحد كأن يكون عليه مثلاً كفارة ظهار أو كفارة قتل أو كفارة الجماع في نهار رمضان وفرَّط وترك الصوم الواجب لم يجد رقبة وكان عليه صيام شهرين متتابعين لكنه فرط حتى مات فهنا لابد أن يكون هذا الصوم من شخص واحد لأنه لا يتحقق التتابع إذا كان الصوم من أكثر من واحد.

مسألة : أراد أن يصوم عنه شخص من غير أقاربه كصديق له, إنسان صديق لآخر ثم توفي صديقه وهو يعلم أن عليه أياماً فقال من باب الوفاء: أنا أريد أن أصوم عن صديقي فلان. فهل يشترط أن يكون الصوم من أقاربه أم أنه يصح أن يكون الصوم من غير أقاربه؟

الجواب: يصح أن يكون الصوم من غير أقاربه، لكن أقاربه أولى بأن يصوموا عن قريبهم.

خلاصة القول في هذه المسألة: أن من مات وعليه صوم إن كان تأخيره القضاء لعذر كأن يكون مريضاً واستمر به المرض وهذا المرض مما يرجى برؤه لكنه استمر به حتى مات فإنه لا شيء عليه.
أما إن أخر القضاء لغير عذر فمات فإنه يستحب لوليه أن يصوم عنه من باب الاستحباب وليس من باب الوجوب فإن لم يتيسر الصيام عنه فإنه يُطعَم عنه عن كل يوم مسكينٌ إن كان صوم نذر.

قال: ( وكذلك كل نذرِ طاعةٍ )
أفادنا المؤلف بهذا أن المنذورات تقضى عن الميت يعني: أن هذا لا يختص بالصوم بل يشمل كذلك الحج، يشمل الصدقة، بل حتى يشمل الصلاة أيضاً قد روي ذلك عن بعض الصحابة فكما في البخاري وغيره.
والنذر عقده مكروه يكره عقد النذر.
وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه كما في الصحيحين وقال: (إنه لا يأتي بخير إنما يستخرج من البخيل),
ولكن هذا النهي محمول عند أهل العلم على الكراهة وليس على التحريم

لأن الله- تعالى- أثنى على الموفين بالنذر ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرً﴿7﴾﴾[الإنسان: 7] ولو كان عقد النذر محرماً لما أثنى الله- تعالى- على الموفين بالنذر فدل ذلك على أن عقد النذر ابتداءً أنه مكروه وليس محرماً.

فإن كان نذر طاعة يجب عليه أن يفي به, إذا كان النذر نذر طاعة فإنه هو الذي أوجب على نفسه شيئاً لم يوجبه الله - عز وجل- عليه ومن نذر نذر طاعة ولم يفِ بهذا النذر فإنه على خطر عظيم

كما قال الله - عز وجل-: ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴿75﴾فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴿76﴾ ﴾[التوبة: 75، 76 ]
ما هي العقوبة؟ انتبه العقوبة عقوبة شديدة, عقوبة معنوية لكنها عقوبة شديدة
﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴿77﴾﴾ [التوبة: 77]

إذن: عقوبة من عاهد الله- تعالى- ولم يفِ بهذا العهد من نذر طاعة هي هذه العقوبة الشديدة هو أن يجعل في قلبه النفاق إلى الممات- والعياذ بالله-: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴿77﴾﴾.

فمن نذر مثلاً أن يصوم ولم يصم, نذر أن يتصدق ولم يتصدق, نذر نذر طاعة ولم يفعله هو على خطر من أن تحل به هذه العقوبة العظيمة وهو أن يجعل النفاق في قلبه إلى أن يموت وهذا أشد ما يكون من العقوبة وربما تكون هذه العقوبة أشد من العقوبة الحسية لأن هذه العقوبة ربما تحل بالإنسان من حيث لا يشعر فيكون في قبله النفاق إلى أن يموت فلا يوفق لتوبة ولا لإنابة ولهذا فالإنسان في سعة من أمره, لماذا يوجب على نفسه شيئاً لم يوجبه الله عليه؟

هو يضيق على نفسه ويدخل نفسه في الحرج ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا قال: (إنه لا يأتي بخير )

وبهذا ينتهي باب أحكام المفطرين وما يفسد الصوم

والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الأربعاء، مايو 20، 2009

الصيام - 3

الصيام - 3

أحكام المفطرين


الحمد لله رب العالمين والعاقية للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

في الدرس السابق تكلمنا عن شروط وجوب الصوم وعن الطرق التي يثبت بها دخول شهر رمضان وأنه يجب إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً أو برؤية هلاله، وعن حكم العمل بالحساب الفلكي في إثبات الشهور

وسنتكلم عن أحكام المفطرين :-

يقول ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: ( ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به, والمسافر الذي له القصر فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء وإن صاماً أجزأهما.

الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان وإن صامتا لم يجزئهما.

الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً وإن صامتا أجزأهما.

الرابع: العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكيناً وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير )


قال -رحمه الله تعالى-: ( باب أحكام المفطرين في نهار رمضان )

أوجب الله- - عز وجل- صيام شهر رمضان على كل مسلم مكلف وذكرنا شروط وجوب الصوم في الدرس السابق وذكرنا أن فرض شهر رمضان مر بعدة مراحل:

أول ما فرض: صيام يوم عاشوراء.

ثم بعد ذلك فرض صيام شهر رمضان على التخيير بينه وبين الإطعام ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة: 184] يعني: خير من الإطعام.

ثم المرحلة الثالثة التي استقر عليها الأمر هي فرض صيام شهر رمضان على وجه التعيين بقول الله - عز وجل-: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] ولكن من رحمة الله - عز وجل- بعباده أن خفف عن بعض من تلحقهم مشقة في الصوم فأباح لهم الفطر في نهار رمضان، وقد ذكر الله- تعالى- من هؤلاء: المريض والمسافر في قوله- سبحانه-: ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] ذكر الله- تعالى- هذا في موضعين.

وأيضاً جاءت السنة بإباحة الفطر كذلك للحائض والنفساء, بل بوجوب الفطر على الحائض والنفساء- كما سيأتي- كذلك أيضاً العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه يباح له الفطر وهو في حكم المريض ونتكلم بعد ذلك عن هذه الأقسام الأربعة بالتفصيل.

قال -رحمه الله تعالى-: ( يباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام )

وبدأ بالقسم الأول قال: (أحدها: المريض) وهذا منصوص عليه في الآية الكريمة, فالمريض يجوز له الفطر في نهار رمضان ولكن ما الضابط للمرض الذي يباح بسببه الفطر في نهار رمضان؟

قال المؤلف: (الذي يتضرر به)

فأفادنا المؤلف أن الضابط: هو حصول الضرر لهذا المريض

والمؤلف ذكر فقط المرض الذي يتضرر به المريض، ولكن أحياناً المريض قد لا يتضرر بالفطر لكن يشق عليه الصوم بسبب المرض فهذا المريض الذي يشق عليه الصوم يباح له الفطر أيضاً فنستطيع إذن بعبارة جامعة شاملة أن نقول:

ضابط في المرض : الذي يباح بسببه المرض هو الذي يشق بسببه الصوم أو يتضرر به المريض, بعبارة مختصرة جامعة هي الذي يتضرر به المريض أو يشق عليه مشقة كبيرة.

أما إذا كان المرض يسيراً كزكام أو صداع أو نحو ذلك فإن هذا المرض لا يبيح الفطر في نهار رمضان.

والذي يحدد مدى تضرر المريض بهذا المرض هو الطبيب الثقة إذا قال الطبيب الثقة العدل لهذا المريض: إنك لو لم تفطر في نهار رمضان فإنه يحصل لك ضرر إما بزيادة المرض أو بتأخر البرء فإنه يباح له بسببه الفطر أو أنه بسبب هذا المرض يحصل له مشقة واضحة ظاهرة فهنا يباح له بسببه الفطر.

قال: (والمسافر الذي له القصر) وهذا منصوص عليه في الآية الكريمة ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ وقيد المؤلف المسافر بمن له القصر يعني: من يحل له الترخص برخص السفر، وهذا قد مضى معنا في باب الصلاة


المسافر بالنسبة للفطر له ثلاث أحوال:

الحال الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة فالصحيح أنه يكره أو يحرم عليه الصوم يعني: الحكم دائر بين الكراهة وبين التحريم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لما كان ذات مرة في سفر وأمر بالإفطار وبلغه أن أناساً لم يفطروا فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة) والعصيان لا يكون إلا على ارتكاب معصية، ولهذا فإن الصوم في هذه الحال يحرم أو أنه يكره يعني: دائر بين الكراهة وبين التحريم.

الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة فيكره الصوم في حقه وذلك لما فيه من العدول عن رخصة الله- تعالى- فإن الله تعالى رخص للمسافر أن يفطر في نهار رمضان ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ وفي صحيح مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: ( قلت: يا رسول الله إني أجد في قوة على الصيام في السفر قال -عليه الصلاة والسلام-: هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه والله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه).

ولهذا فإن الأفضل في حقه الفطر ويكره في حقه الصوم إذا كان يشق عليه مشقة غير شديدة، ولهذا نقول مثلاً لمن ذهب إلى مكة معتمراً وشق عليه الصوم نقول: الأفضل أن تفطر وبعض الناس يشق عليه الصوم ويجهده الصوم, لكنه يصر على عدم الإفطار وهذا مكروه في الحقيقة فالأفضل في حقه أن يفطر وأن يأخذ برخصة الله - عز وجل-.

الحالة الثالثة: أن لا يشق عليه الصيام، وحينئذ يفعل ما هو الأيسر في حقه لقول الله - عز وجل-: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]

فإن تساويا يعني: بعض الناس يقول: ليس علي مشقة في الصوم في السفر, يكون مثلاً في طائرة يكون في سيارة مكيفة ما عليه أدنى مشقة نقول: افعل ما هو الأيسر في حقك قال: الصوم والفطر متساويان في حقي فإن تساويا الصوم والفطر في حقه فإن الأفضل في هذه الحال الصوم وذلك لأنه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال: (خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم شديد الحر وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة) وما كان -عليه الصلاة والسلام- يختار إلا ما هو الأفضل.

قال -رحمه الله تعالى-:( فالفطر لهم) يعني: للمريض والمسافر (أفضل) لكن على التفصيل الذي ذكرناه (وعليهما القضاء) وهذا بالنص والإجماع ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾.

(وإن صاما أجزأهم) بل حتى ولو صام المريض أو المسافر وإن كان يشق عليه مشقة شديدة فإنه يجزئه ذلك الصوم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه )

هذا فيما يخص القسم الأول المسافر والمريض

القسم الثاني: قال: ( الحائض والنفساء تفطران وتقضيان وإن صامتا لم يجزئهم)

الحيض: هو دم طبيعة وجبلة يخرج من الأنثى من الرحم وفي أوقات معلومة والغالب أنه يخرج من الأنثى كل أربعة أسابيع وقد كتبه الله - عز وجل- على بنات آدم ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لما دخل على عائشة في حجة الوداع وهي تبكي قال: ما يبكيك؟ لعلك نفست؟) يعني: لعلك حضت (قالت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) وإذا نزل دم الحيض من المرأة فإنها لا تصوم ولا تصلي بل يحرم عليها أن تصوم وأن تصلي ويجب عليها الفطر وبناء على ذلك لو أن امرأة حاضت وخجلت من أهلها وصامت وهي حائض فإنها تأثم لهذا الصوم فيجب عليها الإفطار.

وهكذا أيضاً (النفساء) ودم النفاس: هو دم يرخيه الرحم بسبب الولادة ويكون بعد الولادة أو قبلها بيوم أو يومين وأيضاً النفساء حكمها حكم الحائض بالنسبة للصوم والصلاة إلا أن الحائض والنفساء لا تقضي الصلاة وتقضي الصيام بإجماع العلماء.

ولكن متى يكون الدم دم نفاس؟ قال الفقهاء: إن الدم إنما يكون دم نفاس إذا حصل التخليق في الجنين والتخليق إنما يكون بعد مرور ثمانين يوماً فأكثر ما بين الثمانين إلى التسعين في هذه المدة يكون التخليق للجنين لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم علقة مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ) قد قال الله- تعالى- في المضغة: ﴿ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج: 5]

أما إذا كان بعد مرحلة التخليق وقلنا: التخليق يكون ما بين ثمانين إلى تسعين يوماً وذلك بأن يظهر في الجنين أي مظهر من مظاهر التخليق كأن يبدو رجله أو يده أو أي عضو من أعضائه وهذا لا يكون إلا في هذه الفترة ما بين الثمانين إلى التسعين يوماً فإنه يعتبر دم نفاس.

قال المؤلف: ( تفطران وتقضيان ) قلنا: الفطر في حقهما متعين والقضاء واجب (وإن صامتا لم يجزئهم) لنفترض أن هذه المرأة الحائض أو النفساء صامت كما نقول إما خجلا أو لغير ذلك من الأسباب فإن هذا الصوم لا يجزئها وتأثم بذلك وهذا باتفاق العلماء هذا هو القسم الثاني من أحوال المفطرين في نهار رمضان.

القسم الثالث: قال:( الحامل والمرضع) فالحامل والمرضع يجوز لهما الفطر في نهار رمضان وذلك لأن المرأة الحمل قد تحتاج إلى الفطر لأجل تغذية الحمل وكذلك المرأة المرضع تحتاج للفطر لأجل إرضاع طفلها ولكن الحامل والمرضع بالنسبة للإفطار والقضاء على تفصيل ذكره المؤلف.

قال: ( إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً )

المؤلف -رحمه الله تعالى- فصَّل في مسألة الحامل والمرضع لكن إذا خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما في نفس الوقت فتلحق بالحالة الأولى أفطرتا وقضتا فيكون إذن على المذهب عند الحنابلة حمل المرضع إذا خافتا على أنفسهما أو خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما أفطرتا وقضتا أما إذا خافتا على ولديهما فقط أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً فتكون أحوال الحامل والمرضع على ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: خافتا على أنفسهما فقط فتفطران وتقضيان.

الحالة الثانية: خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما في الوقت نفسه وهنا تفطران وتقضيان أيضاً.

الحالة الثالثة: خافتا على ولديهما فقط فتفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكيناً.

أما فطر الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على أنفسهما وولديهما قالوا: قياساً على المريض والمريض إنما يجب عليه القضاء فقط.

أما إذا خافتا على ولديهما فقالوا: هنا تفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكيناً واستدلوا على ذلك بقول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: (والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمت) [أخرجه أبو داود بسند جيد] ولكن إذا تأملنا هذا الأثر المروي عن ابن عباس نجد أن ابن عباس قال:( أفطرتا وأطعمت) هل ذكر ابن عباس القضاء؟ ما ذكر القضاء لكن أصحاب هذا القول قالوا: إن ابن عباس لم يذكر القضاء لكونه معلوماً للناس.

ولكن بعض أهل العلم أخذ بظاهر هذا الأثر المروي عن ابن عباس وقال: إن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان فقط بدون قضاء، (أفطرتا وأطعمت) بدون قضاء وهذا قال به بعض أهل العلم.

والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة هو أن الحامل والمرضع تفطران وتقضيان مطلقاً ولا يلزمهما الإطعام في جميع الأحوال .


خلاصة الكلام في هذه المسألة أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا بسبب الحمل والرضاعة فعلى المذهب أن لهما ثلاث أحوال:

الحالة الأولى: إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما فعليهما القضاء فقط.

الحالة الثاتية: إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما وولديهما فعليهما القضاء فقط.

الحالة الثانية: إذا أفطرتا خوفاً على ولديهما فقط قولان:

القول الأول: عليهما القضاء والإطعام عن كل يوم مسكيناً.

القول الثاني: ليس عليهما إلا الإطعام ولا يجب عليهما القضاء.

القول الثالث: عليهما القضاء فقط وقلنا: إن هذا هو القول الراجح في المسألة وهو الأقرب لظاهر الآية الكريمة ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

القسم الرابع: العاجر عن الصيام لكبر أو المريض الذي لا يرجى برؤه قال: (فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين)

و(العاجز عن الصيام لكبر) بعض الناس إذا تقدمت به السن يشق عليه الصوم فلا يستطيع أن يصوم وهذا الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا شق عليهما الصيام جاز لهما الفطر ويطعمان عن كل يوم مسكيناً ويدل على ذلك قول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قول الله - عز وجل-: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين) فكانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام يعني: لا يستطيعان الصيام فيفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً، هذا مروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وأن الآية ليست منسوخة في حق الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة وإنما منسوخة في حق غيرهما.

وكذلك أيضاً (المريض مرضاً لا يرجى برؤه) فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً وتقدير المرض الذي لا يرجى برؤه يرجع للأطباء إذا قال الأطباء إن هذا المرض لا يرجى برؤه في علم البشر فيطعم عن كل يوم مسكيناً.

قال: ( وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير) يعني: كل من أفطر فعليه القضاء إلا من أفطر بجماع فسيأتي الكلام عنه حتى ولو كان متعمداً فإنه يجب عليه القضاء وأما ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يجزه صيام الدهر كله وإن صامه ) هو حديث ضعيف

ولكن الفطر في نهار رمضان كبيرة من كبائر الذنوب ومن وقع في هذا فعليه التوبة إلى الله - عز وجل- أولاً وعليه قضاء ذلك اليوم إلا أن يكون الفطر بجماع فسيأتي الكلام عنه -إن شاء الله تعالى-.

والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


الأربعاء، مايو 06، 2009

الصيام - 2

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

الصيام - 2

وقفنا عند مسألة ثبوت دخول الشهر وخروجه وقلنا أن المعول عليه هو الرؤية ولا يشترط أن تكون الرؤية بالعين المجردة بل تقبل الرؤية عن طريق المراصد وعن طريق المكبر وهي معتبرة شرعاً قد صدر

وأما الحساب الفلكي فلا شك أن الحسابات الفلكية تقدمت في الوقت الحاضر تقدماً عظيماً ولا شك في دقتها ولكن الشريعة أناطت الحكم بالرؤية ولم تجعل المناط في ذلك الحساب وإنما المناط الرؤية (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فنقول: حتى وإن كانت هذه الحسابات دقيقة إلا أنه لا يعتمد عليها شرعاً وإنما المعتمد عليه هو الرؤية.

ولهذا لو أن الحسابات الفلكية تدل على أنه سوف يمكن رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين بوضوح ولكن في ذلك اليوم كان هناك سحاب أو قتر فلم يمكن الرؤية فإنه لا يعتمد على تلك الحسابات وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك ولكن هناك من قال بالاعتماد على الحساب من المتقدمين

لكنهم قلة كابن سريج من الشافعية وبعض الفلكيين في الوقت الحاضر وأخذ بهذا بعض العلماء المعاصرين

مسألة: وهي إذا رأي الهلال في بلد هل يلزم جميع المسلمين الصوم؟

اختلف العلماء في هذه المسألة والمشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا رُئيَ الهلال في بلد لزم الصوم لجميع أقطار المسلمين لعموم حديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وقال بعضهم: إن لكل أهل بلد رؤيتهم

ولا شك أن المطالع تختلف فقد يغرب القمر قبل الشمس مثلاً في الشرق

في البلاد العربية يغرب القمر قبل الشمس مثلاً بدقيقتين لكن في أقصى الغرب في أمريكا مثلاً يغرب القمر بعد الشمس بدقائق ويمكن رؤيته فإذن: مطالع الهلال تختلف؛ ولهذا القول الصحيح: أن لكل أهل بلد رؤيتهم.

وقد بحث المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة توحيد الأهلة بحثها في عام ألف وأربعمائة وواحد للهجرة وأصدر فيها قراراً مضمونه:

«درس مجمع الفقه الإسلامي مسألة اختلاف المطالع فرأى أن الإسلام بني على دين يسر.. إلى أن قرر في آخر قرار قال: إن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير من العلماء وقد روى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان ورأى المجمع الفقهي أن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة وأنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين بتوحيد الأهلة والأعياد وإن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في جميع شؤونهم والله ولي التوفيق».

هذا صدر عام ألف وأربعمائة وواحد فرأوا أن يترك الأمر للعلماء في كل بلد ليختار علماء كل بلد ما يرونه في هذه المسألة.

و(الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس) ولهذا يجب على كل أهل بلد أن يجتمعوا وألا يتفرقوا وأن يأخذوا برأي علمائهم في هذه المسألة، فمثلاً إذا رأى علماء أهل البلد مثلاً في مصر أن الشهر قد دخل أو أن الشهر لم يدخل ينبغي أن يكون الإنسان مع الجماعة هكذا رأى علماء أهل البلد في قطر من الأقطار أن شهر رمضان قد دخل أو لم يدخل فينبغي أن يكون الإنسان مع الجماعة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس) وهذا دليل على أنه ينبغي الحرص على الاجتماع في الصوم وفي الفطر لأهل البلد الواحد.

ولكن توحيد الأمة الإسلامية في دخول شهر رمضان أو في العيد نقول: هل هذا أمر مقصود شرعاً؟

لا يظهر في الواقع أن هذا- والله أعلم- أنه أمر مقصود وليس هذا هو الذي يكفل وحدة الأمة الإسلامية كما ذكر في القرار إنما الذي يكفل وحدتها هو العمل بالكتاب والسنة ولذلك لا ضير في أن يختلف المسلمون في دخول شهر رمضان أو في العيد كما أنهم مختلفون في أوقات الصلوات نحن مثلاً نصلي الآن الظهر ومَنْ في الغرب يصلون الظهر بعدنا بساعات ومن في الشرق قد صلوا الظهر قبلنا فالمسلمون يختلفون في أوقات الصلوات هكذا أيضاً في وقت الصيام ولذلك نقول: الأمر في هذا فيه سعة.

ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى- (وإذا رأى الهلال وحده صام ) يعني: هذا شخص رأى هلال رمضان وذهب عند القاضي وشهد ولكنه ردت شهادته يرى المؤلف أنه يلزمه الصوم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صوموا لرؤيته) وهذا قد رأى الهلال.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يصوم في هذه الحال وإنما يفطر مع الجماعة لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس) وهذا هو القول الراجح في المسألة- والله تعالى أعلم- وهو اختيار سيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والمحققين من المعاصرين- أنه لا يصوم وإنما يكون مع الناس (الصوم يوم يصوم الناس).

ولأن الهلال مأخوذ من الاستهلال والشهر من الاشتهار فلابد أن يستهل يعني: يعلن الهلال ويشتهر الشهر حتى يكون هلالاً شرعياً ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إن الهلال إذا طلع في الأفق ولم يره الناس فإنه لا يكون هلالاً شرعاً حتى وإن كان قد هَلَّ في واقع الأمر ولو أنه أخطأ الناس في رؤيته فأُهِلَّ وأُعلِنَ عن رؤية الهلال واشتهر ذلك فإنه يكون هلالاً شرعاً حتى وإن لم يكن قد هلَّ في واقع الأمر.

فإذن: المناط هو الاستهلال والإعلان واشتهار إعلان ورؤية الهلال هذا هو المناط في هذه المسألة ولهذا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إجماع العلماء على أن الناس لو وقفوا خطأً بعرفة فإن حجهم صحيح بإجماع المسلمين وهذه مسألة مهمة لأن بعض الناس خاصة عندما يُرى الهلال كبيراً مثلاً يبدأ يشكك الناس لعله قد هَلَّ الهلال ولم يره الناس لعله كذا فنقول: الهلال من الاستهلال إذا لم يعلن ولم يشتهر فليس بهلال شرعاً وإن كان قد هلَّ في واقع الأمر والأمر ميسور- ولله الحمد- في شريعة الإسلام فلا ينبغي التنازع في هذه المسألة وإثارتها وتشكيك الناس وربما أحدثوا شيئاً من البلبلة بسبب رؤية الهلال بل الأمر يسير (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) إذا رأى الناس الهلال صاموا وإذا لم يروه فإنهم يكونون مفطرين للثلاثين من شعبان- والحمد لله-.

إذن: المعول عليه هو الإعلان والاستهلال والاشتهار لرؤية الهلال ولهذا فإن القول الصحيح في هذه المسألة: إنه من رأى الهلال وحده فإنه يكون مع الناس ولا يصوم. هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.

قال: (فإن كان عدلاً صام الناس بقوله ) أفادنا المؤلف -رحمه الله تعالى- أن شهر رمضان يثبت برؤية شاهد واحد فقط ويدل لذلك حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) وهذا الحديث [أخرجه أبوا داود وهو حديث صحيح] وأما حديث ابن عباس (جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني رأيت الهلال قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم قال: يا بلال قم فأذن في الناس أن يصوموا غد) فهذا الحديث [أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة] لكن سنده ضعيف ضعفه كثير من أهل العلم لكن يغني عنه حديث ابن عمر.

ولذلك نقول: إن شهر رمضان يثبت دخوله برؤية شاهد واحد فقط وأما شهر شوال فلابد من شاهدين فأكثر ولهذا قال المؤلف: (ولا يفطر إلا بشاهدة عدلين) لابد من رؤية شاهدين وذلك لحديث عبد الرحمن بن زيد الخطابي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطرو) [أخرجه النسائي بسند حسن].

فدل ذلك على أنه في هلال شهر شوال لابد من شهادة شاهدين عدلين لأن ذلك أحوط وفي دخول شهر رمضان يكتفى بشهادة شاهد واحد فقط لأن ذلك أيضاً أحوط للصوم ففي دخول شهر رمضان نكتفي بشهادة شاهد واحد لأنه أحوط لصوم رمضان في خروج شهر رمضان أيضاً نحتاط لصيام رمضان فنقول: إنه لابد من شهادة شاهدين فأكثر وهكذا بقية الشهود لابد من شهادة شاهدين عدلين.

قال: (ولا يفطر إذا رآه وحده ) وذلك لأنه لا يثبت دخول شهر شوال إلا بشهادة عدلين وحينئذ لا يثبت دخول شهر شوال بشهادة واحد فقط ولهذا فإنه إذا رآه وحده فإنه لا يفطر ولهذا نقول: من رأى الهلال وحده سواءً في دخول شهر رمضان أو في خروجه فإنه لا يعتد برؤيته وإنما يكون صومه يوم يصوم الناس وفطره يوم يفطر الناس.

قال: ( وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطرو) (وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوم) يعني: من رمضان (أفطرو) بإكمال رمضان ثلاثين يوماً ( وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة ) يعني: إذا كان دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد فقط أو أنه على رأي المؤلف أنه يجب صيام الثلاثين من شعبان إذا كان هناك غيم أو قتر وقلنا: إن هذا قول مرجوح, لكن على المسألة الثانية وهو أنه إذا ثبت دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد فقط فلابد من رؤية هلال شوال.

ومعنى كلام المؤلف: ولو صام الناس ثلاثين يوماً بشهادة شاهد واحد فقط, أي: كان شهر رمضان قد دخل بشهادة شاهد واحد فقط ثم صاموا ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال فيصوموا أيضاً اليوم الذي بعده, معنى ذلك: أنهم صاموا واحداً وثلاثين يوماً هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ولكن القول الصحيح في هذه المسألة أنهم إذا صاموا ثلاثين يوماً فإنهم يفطرون بعد ذلك ولو كان دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد فقط لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ).

ولأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوماً ولو كان دخوله بشهادة شاهد واحد فقط لأن دخوله إنما كان بطريق شرعي ولهذا إذا صام الناس ثلاثين يوماً فإنهم يفطرون اليوم الذي بعده فيكون الصواب هو خلاف ما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله تعالى-.

آخر مسألة معنا في هذا الباب قال: ( وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزئه ) الأسير إذا كان إنسان أسيراً عند كفار ولم يستطع معرفة دخول الشهر فإنه يجتهد في ذلك ويتحرى ثم بعد ذلك إن تبين له أنه وافق الشهر فالحمد لله وإن تبين أنه صام أياماً بعد شهر رمضان فإن ذلك يقع مجزئاً لأنه يكون قضاءً أما إن تبين أنه صام أياماً قبل دخول شهر رمضان فإن ذلك لا يجزئه لأن العبادة لا تصح قبل دخول وقتها وهو أشبه ما لو صلى الصلاة قبل وقتها.

وبهذا نكون قد انتهينا من أحكام ومسائل هذا الباب.

والحمد لله أولا وآخرا