الجمعة، أكتوبر 24، 2008

هل يجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل ؟ وهل يجوز ارادة غير الظاهر من اللفظ من غير دليل ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...أما بعد ؛؛؛
نستكمل بمشيئة الله اليوم الحديث عن دلالة الألفاظ على الأحكام ؛
وفي تطبيقات هذا الموضوع مسألة : هل يجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل ؟
والمهمل : هو ما لامعنى له .
فذهب الجمهور الى أنه لايجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل ؛
وذهب الحشوية الى جواز ذلك .
والحشوية : وهي تقرأ بفتح الحاء هم جماعة كانو يجلسون أمام الحسن البصري في حلقتهم فوجد الكلام رديئا فقال : ردوا هؤلاء الى حشاء الحلق أي الى جانبها .
الأدلة :
استدل الجمهور على أنه لايجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل بما يلي :
أولا : أن الخطاب بالمهمل عبث وهذيان ؛ وهما نقص ؛ والنقص مستحيل على الله تعالى ؛ وبالتالي فالخطاب بالمهمل لايجوز .
ثانيا : أن الله وصف القرآن بأنه شفاء وهدى وبيانا وموعظة فقال تعالى : ( وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين )
وفي قوله تعالى : ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين )
والهدى والشفاء والموعظة لايحصل بالمهمل .
واستدل الحشوية على أنه يجوز أن يخاطبنا الله سبحانه بالمهمل بما يلي :
أولا : زعموا أنه ورد في القرآن الكريم في أوائل السور ألفاظ مهملة ليست لها معان مثل : الم ؛ الر ؛ كهعص ؛ ...
وهذه الحروف غير موضوعة في اللغة لمعنى ؛ ولا أدل على الجواز من الوقوع فدل ذلك على أن الخطاب بالمهمل وقع في القرآن الكريم .والوقوع أدل دليل على الجواز .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي :
لانسلم لكم أن الحروف المقطعة التي في أوائل السور ليس لها معنى لأن علماء التفسير ذكروا لها معان فمنهم من قال : هن أسماء السور ومنهم من قال : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه .
ثانيا : قوله تعالى : ( انها شجرة تخرج في أصل الجحيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) .
وجه الدلالة : أن العرب لاتعلم ماهي الشياطين فلا يفيد هذا التشبيه شيئا لأنهم لم يعرفوا الشياطين حتى يتصوروا رؤوسها . فدل ذلك على أن في القرآن ما لايفيد معنى ؛ وهذا دليل على جواز الخطاب بالمهمل الذي لانعلمه .
أجيب عن هذا الدليل : أن العرب كانوا يعرفون الشياطين ويتخيلونها أمورا مستقبحة ؛ فهذا مثل للاستقباح متداول ؛ وعلى ذلك فالدليل في غير محل النزاع .
ثالثا : أن الله تعالى خاطب العجم بالقرآن كما خاطب به العرب ومعنى ذلك أن القرآن غير مفهوم للعجم لأنه لم ينزل بلغتهم ؛ واذا جاز ذلك فيجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل .
أجيب عن ذلك بما يأتي : أن خطاب العجم بلغة العرب لاينفي معنى الكلمات العربية لأن هذه الكلمات لها معنى بخلاف المهمل فلا معنى له في أي لغة وهو هذيان وهو محال على الله تعالى .
المسألة الثانية : هل يجوز ارادة غير الظاهر من اللفظ من غير دليل ؟
لا خلاف بين العلماء على جواز أن يريد الله بكلامه غير ظاهره اذا وجدت قرينة يحصل بها البيان .
وانما الخلاف بين العلماء فيما اذا أراد الله غير الظاهر من غير قرينة تعين المراد .
فذهب الجمهور الى أنه لا يجوز أن يريد الله بكلامه غير الظاهر من غير قرينة .
وذهب المرجئة :الى أنه يجوز أن يخاطبنا الله بلفظ ويريد منه غير الظاهر من غير قرينة .
والمرجئة : وهم فرقة سموا بالمرجئة لأنهم لم يجعلوا الأعمال سببا لوقوع العذاب ولا لسقوطها بل أخروها وقالوا : من شهد شهادة الحق دخل الجنة وان عمل اي عمل كان ومن قال لااله الا الله لا يدخل النار وان ترك الفرائض وعمل الكبائر لأنه لايضر مع الايمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة .
الأدلة :
استدل الجمهور على أنه لا يجوز أن الله تعالى يريد غير الظاهر من اللفظ من غير قرينة بما يلي :
أن الخطاب المراد منه غير الظاهر بغير قرينة هو كالمهمل ؛ وقد أقمنا الدليل على أن الخطاب بالمهمل لايجوز .
واستدل المرجئة على جواز أن يخاطبنا الله بلفظ يريد منه غير الظاهر بدون قرينة بما يلي :
أن ذلك قد وقع في القرآن وهي الآيات والأخبار الدالة على أن المراد منها ليس ظاهرها بل المراد التخويف فمثلا في قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله علينه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) .
فليس المراد دخول القاتل النار وتعذيبه فيها بل المراد تخويف الناس من الوقوع في القتل لأن القاتل شهد أن لااله الا الله فلا يضره عصيان مع الايمان ؛ والوقوع أدل دليل على الجواز .
أجيب عن ذلك الدليل بما يلي :
1- أننا لو فتحنا هذا الباب فقلنا ان كل لفظ يحتمل غير المراد منه لارتفع الوثوق عن أخبار الله وأخبار رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لايوجد خبر الا ويحتمل أن يكون المقصود منه غير ظاهره ؛ وهذا ظاهر الفساد ولم يقل به أحد .
2- أن ما ذكرتموه من أن هذه الآيات تفيد الاحجام عن المعاصي مردود ؛ لأن الاحجام يكون من المكلف بعد العلم بأنه سيعاقب على مايرتكبه من المعاصي أما اذا علم أنه لايعاقب فلن يزجره شيء عن ارتكاب المعاصي ؛ وعلى هذا فلا فائدة في الخطاب بهذه الآيات وهذا باطل ؛ وما يؤدي الى الباطل فهو باطل .
وبعد عرض المسألتين السابقتين يتبين لنا أن الله سبحانه وتعالى لايخاطبنا بالمهمل لأنه يعتبر هذيانا ولغوا فهو من الشارع محال وكذلك فالله سبحانه وتعالى يخاطبنا باللفظ الذي له معنى وان كان غير معروف لنا وبالتالي فان الله سبحانه وتعالى خاطبنا بالألفاظ المستعملة في معانيها والألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها .
واللفظ المستعمل قد يدل على المعنى بمنطوقه وقد يدل عليه بمفهومه؛
والمنطوق والمفهوم هما عنوان درسنا في الدرس القادم .
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولى ذلك والقادر عليه ؛؛؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

هناك 4 تعليقات:

عصفور المدينة يقول...

جزاك الله خيرا كثيرا

طالبة للعلم يقول...

بارك الله فيكم

وجزى الله القائمين على هذا العمل المبارك خير الجزاء

كرم مسلم يقول...

جزاكم الله خيرا

اصرار أمل يقول...

عصفور المدينة ؛
طالبة للعلم ؛
كرم مسلم ؛
بارك الله فيكم جميعا وجزاكم الله خيرا كثيراااا