الأربعاء، أبريل 08، 2009

الزكاة - 7

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


سؤال اليوم: ما هو وقت وجوب زكاة الفطر ؟ ومتى يستحب إخراجها ؟


درس اليوم


باب من يجوز دفع الزكاة إليه ومن لا يجوز


يقول المؤلف رحمه الله : (وهم ثمانية أصناف: الفقراء وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره.
والثاني: المساكين وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية.
الثالث: العاملون عليها وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها.
والرابع: المؤلفة قلوبهم وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم إسلامهم أو دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو معونتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها.
الخامس: الرقاب وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق.
السادس: الغارمون وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين.
السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.
الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده فهؤلاء أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم.
)

قال -رحمه الله تعالى: (باب من يجوز دفع الزكاة إليهم) والمقصود بهم أهل الزكاة، وذلك أن الله - عز وجل- قسم الزكاة على ثمانية أصناف لقوله- سبحانه- في سورة التوبة: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابن السبيل فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:60 ]


فقوله- سبحانه: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ﴾ يعني: الزكوات وسبق أن قلنا: إن الزكاة يطلق عليها صدقة.

وصدرت الآية بأداة الحصر إنما وفي هذا دليل على أنه لا يجوز أن تصرف الزكاة إلا إلى هؤلاء الأصناف الثمانية على سبيل الحصر.

ثم ذكرهم ربنا -عز وجل- ثم قال: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ لأن هذه القسمة صادرة عن علم وحكمة من الله- سبحانه وتعالى- وحينئذ يتعين على المسلم معرفة هؤلاء الأصناف الثمانية حتى تبرأ ذمته بدفع الزكاة إليهم، لابد من معرفة هؤلاء الأصناف الثمانية الذين يجوز أن تدفع الزكاة إليهم.

قال -رحمه الله تعالى: (وهم ثمانية: الأول: الفقراء)
الصنف الأول: الفقراء والصنف الثاني: المساكين

ومصطلح الفقراء والمساكين يطلق كل منهما على الآخر، يطلق على الفقراء المساكين، ويطلق على المساكين الفقراء، فبينهما عموم وخصوص يعني كل فقير مسكين وكل مسكين فقير هذا عند الإطلاق، ولكن عند الاجتماع لكلٍّ مصطلح يخصه وهذه يقال فيها: من المصطلحات التي إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا فهذه لها نظائر,


مثل : الإسلام والإيمان:
الإسلام والإيمان إذا أطلق الإسلام شمل الإيمان وإذا أطلق الإيمان شمل الإسلام, لكن عند اجتماعهما المراد بالإسلام شعائر الإسلام الظاهرة, والمراد بالإيمان شعائر الإسلام الباطنة، هكذا أيضاً الفقير والمسكين إذا أطلق الفقير شمل المسكين وإذا أطلق المسكين شمل الفقير ولكن عند اجتماعهما كما في هذه الآية يختلف معنى الفقير عن معنى المسكين.

الفقير والمسكين: يجمعهما أنهما من ذوي الحاجة, كل منهما محتاج ولكن الفقير أشد حاجة من المسكين وفرق بينهما المؤلف

فقال بالنسبة للفقراء: هم الذين لا يجدون موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره وأما المساكين هم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية، وبعبارة أوضح الفقراء هم الذين لا يجدون شيئاً أو يجدون دون نصف الكفاية، هم الذين لا يجدون شيئاً يعني فقراء معدمين أو يجدون دون نصف الكفاية. أما المساكين فهم الذين يجدون نصف الكفاية أو أكثرها.
هذا هو الفرق, أحسن ما قيل في الفرق بين الفقير والمسكين أن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً أو يجد دون نصف الكفاية والمسكين هو الذي يجد نصف الكفاية أو أكثرها.

مثال: هذا رجل لو قلنا مثلاً: راتبه ألف ويحتاج إلى نفقة بقدر ألف فهذا ليس فقيرا ولا مسكينا لأنه النفقة هنا موازية للمرتب إذن: هو يجد تمام الكفاية،

لكن لو كان راتبه ألف ويحتاج نفقة بمقدار ألف وخمسمائة فهنا يعتبر مسكيناً,

ولو كان راتبه ألف ويحتاج إلى نفقة مثلاً بقدر ثلاثة آلاف يعتبر فقيراً.

فالمسكين إذن هو أحسن حالاً من الفقير ولهذا قال الله - عز وجل- في قصة الخضر مع موسى ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ﴾[الكهف:79]
فوصفهم الله - عز وجل- أنهم مساكين وأنهم يعملون، فهم مساكين مع كونهم يعملون في البحر فليس كل من يعمل يكون غنياً قد يكون الإنسان يعمل لكنه مسكين وقد يعمل أيضاً ويكون فقيراً لكن على كل حال كما ذكرنا بالضابط الذي ذكرناه في الفقير وفي المسكين.

الصنف الثالث: العاملون عليها.

قال المؤلف: ( وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيه).
السنة أن الإمام يبعث عاملين لجباية الأموال الظاهرة من أربابها
إذا كان لهم راتب من الدولة- فليس لهم أن يأخذوا من الزكاة إلا بإذن الإمام فلو أذن لهم الإمام في أخذ شيء من الزكاة جاز ذلك لأن لهم حق فيها, أما إذا لم يأذن لهم ولهم رواتب ومكافآت فإنه ليس لهم الأخذ من الزكاة, لكن يجوز للإمام أن يعطيهم من الزكوات التي يطلبونها من أربابها حتى قال العلماء: حتى ولو كانوا أغنياء والحكمة في ذلك هو أن نفوساً قد تعلقت بهذه الأموال فكانت الحكمة تقتضي أن يعطوا شيئاً منها خاصة إذا كان هؤلاء العاملين فقراء.


القسم الرابع: المؤلفة قلوبهم. وفصل المؤلف هذا القسم بقوله:( وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنعون عن دفعه) هم السادة المطاعون في عشائرهم: أفادنا المصنف -رحمه الله تعالى- أن المؤلفة قلوبهم يشترط أن يكونوا سادة بأن يكونوا مثلاً رؤساء قبائل أو رؤساء عشائر ونحو ذلك.
أما إذا كانوا من الأفراد أفراد الناس العاديين فعلى كلام المؤلف أنهم لا يعطون من الزكاة، لكن لو كان إنسان سيداً في قومه فهذا يعطى من الزكاة إذا كان يرجى بذلك إسلامه أو دفع شره أو حتى لو كان مسلماً (ويرجى بذلك تقوية إيمانه أو حتى دفع شره عن المسلمين) ولهذا حتى ولو كان كافراً ويرجى بإعطائه الزكاة دفع شره عن المسلمين فإنه يعطى من الزكاة وهذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز أن يعطى فيها الكافر من الزكاة وهي إذا كان كافراً ويرجى بإعطائه الزكاة دفع شره عن المسلمين.
قال: (أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعه) كأن يكونوا أقوياء وإذا أعطاهم من الزكاة أعانوا المسلمين على أخذ الزكاة ممن امتنع من دفعها.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان يقصد بإعطائهم الزكاة دفع شرهم فلابد أن يكونوا سادة لأن الواحد لا يضر المسلمين في الغالب إنما الذي يضر المسلمين هو السيد الذي يكون له أتباع أما إذا كان المقصود من دفع الزكاة تقوية إسلامهم أو كان المقصود من دفع الزكاة هو أنه يرجى إسلامهم فالصحيح أنهم يعطون من الزكاة وإن لم يكونوا سادة، وهذا قول جيد ومتجه وذلك لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن، إذا كنا نعطي هذا الفقير والمسكين لحفظ بدنه فلأن نعطي هذا الإنسان الذي يرجى بعطيته إسلامه أو تقوية إسلامه هذا من باب أولى لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من إحياء البدن وحفظ الصحة، ولعل هذا القول هو الراجح- والله تعالى أعلم.


القسم الخامس: الرقاب : وفسر المؤلف الرقاب بقوله: (وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق)


المكاتبون: العبد إذا كاتب سيده على أن يعطيه أقساطاً يعتقه بعدها فهذا يسمى مكتابة وهو مذكور في قول الله - عز وجل: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾[النور: 33]

فهؤلاء المكاتبون يعطون من الزكاة ما يعينهم وكذلك أيضاً في إعتاق الرقيق يجوز أن تدفع الزكاة في إعتاق الرقيق.
قاس العلماء على ذلك فَكُّ الأسير المسلم فيجوز أن تدفع الزكاة لفكِّ الأسير المسلم وذلك لأنه إذا جاز دفع الزكاة لفك عبدٍ من رقِّ العبودية ففك بدن الأسير المسلم من باب أولى لأن هذا الأسير معرض للقتل ولذلك يجوز أن تدفع الزكاة لفك أسرى المسلمين ويكون هذا داخلاً في قول الله- تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾.

القسم السادس: الغارمون:

قال: (وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين)

قسَّم المؤلف -رحمه الله تعالى- الغارمين إلى قسمين:
القسم الأول: (المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح) يعني: المدينون لحظ أنفسهم هذا هو المقصود, مثل من دخل في التجارة ثم لحقته ديون كثيرة لكن لابد أن يكون هذا في مباح لا يكون قد دخل في أمور محرمة

إنما يكون في مباح فبعض الناس تركبه ديون لأسباب كثيرة إما بسبب شراء, بسبب مثلاً دخوله في تجارة بسبب مثلاً حادث سيارة أو اشترى سيارة ثم تلفت, فهؤلاء يجوز دفع الزكاة إليهم و


فإذا وجدت إنساناً مديناً لحقته ديون وهو عاجز عن سدادها فتعتبر أن هذا من الغارمين وتعطيه من الزكاة.
لكن انتبه لهذا الشرط لابد أن يكون هذا الغارم عاجزاً عن سداد الدين أما إذا لم يكن عاجزاً فلا يعطى من الزكاة فلو كان مثلاً مرتبه عشرة آلاف وعليه ديون لكن يستطيع أن يقسط هذا الدين على مرتبه فإنه لا يعطى من الزكاة لأنه ليس عاجزاً عن سداد هذا الدين.
لكن لو أنه حل عليه الدين: نفترض مثلاً أن عليه ثلاثمائة ألف, ل وراتبه حتى وإن كان راتبه خمسة آلاف أو ستة آلاف أو سبعة آلاف هو مطالب الآن بسداد هذا الدين فإما أن يسدد وإما أن يحبس فهنا يصبح من الغارمين، فإذن: الغارمون المدينون العاجزون عن سداد الدين هذا إذا كان ذلك لحظ أنفسهم.
القسم الثاني من الغارمين: قال: (أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين) يعني: الغارمون لإصلاح طائفتين من المسلمين كمن تحمل حمالة وديوناً لإصلاح بين طائفتين غالب المنازعات والخصومات تكون لأجل الدنيا فإذا حصل بين طائفتين خلاف على شئ من الدنيا, أتى أحد المحسنين وقال: إن هذا الذي اختلفتم عليه أتحمله في ذمتي, أصبح ديناً في ذمته فهذا يعتبر من الغارمين قال أهل العلم: يعطى من الزكاة ولو كان غنياً هذا الغارم للإصلاح بين طائفتين يعطى من الزكاة ولو كان غنياً تشجيعاً له على هذا العمل النبيل.

ويدل لذلك قصة قبيصة بن مخارق: ( لما قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: تحملت حمالة فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: أقم عندنا يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك به) [أخرجه مسلم في صحيحه].


القسم السابع: في سبيل الله

فسره المؤلف بقوله: (وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم) أفادنا المؤلف بأن المقصود بقوله:( في سبيل الله) أي الغزاة المجاهدون لإعلاء كلمة الله ولا ديوان لهم يعني: لا يصرف لهم مرتبات فهؤلاء يعطون من الزكاة.


قال أهل العلم: يعطون أيضاً من الزكاة ما يشمل شراء أسلحتهم وآلات الجهاد وكل ما كان متعلقاً بالجهاد في سبيل الله وعند جمهور أهل العلم أن هذا خاص بالجهاد في سبيل الله.
ولكن بعض العلماء قال: إن المقصود بقوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ كل عمل بر وخير فمعنى ذلك بناء على هذا القول: يشمل هذا المصرف أموراً كثيرة جداً:
- يشمل بناء المساجد.
- يشمل إصلاح الطرق.
- يشمل بناء المدارس.
- يشمل طبع الكتب..... يشمل أموراً كثيرة لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها.
وهذه المسألة أعنى المقصود بقول الله- تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ المقصود بهذا المصرف قد جرى بحثها قديماً في مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قبل نحو ثلاثين عاماً, عام ألف وثلاثمائة وأربعة وتسعين هجري، جرى بحث هذه المسألة آنذاك وحصل فيها نقاش ودراسة مستفيضة ثم صدر قرار بالأخذ بقول الجمهور وهو أن المقصود بقوله: (في سبيل الله) الجهاد في سبيل الله فقط وأنه لا يشمل كل عمل بر وخير وإنما هو خاص بالجهاد في سبيل الله وذلك لأن هذا اللفظ عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله, هذا اللفظ عند الإطلاق في الكتاب والسنة إنما ينصرف للجهاد في سبيل الله.

بناء على ذلك لا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد ولا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المدارس ولا في طباعة الكتب ولا في جمعية تحفيظ القرآن لأنهم غير داخلين في قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ .


ولكن هل ينحصر مفهوم الجهاد في سبيل الله في الجهاد بالسلاح أو أنه يشمل الجهاد بالكلمة؟

لو تأملنا بعض الآيات القرآنية المكية نجد أن الله – تعالى- ذكر فيها الجهاد كما في قوله- سبحانه- في سورة الفرقان: ﴿ فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾[الفرقان: 52 ] وهذه الآية في سورة الفرقان وهي مكية، ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة كان ممنوعاً من الجهاد بالسيف وإنما كان مأموراً بالجهاد بالكلمة فقط, بالجهاد بالقرآن والحجة والبيان وكان ممنوعاً من الجهاد بالسيف.

إذن: جعل الله - تعالى- الجهاد بالحجة والبيان وتبليغ القرآن جعله جهاداً وسماه جهاداً بل جهاداً كبيراً ولذلك فإنه يدخل في مسمى الجهاد في سبيبل الله فيدخل في هذا القسم ولذلك فمراكز الدعوة إلى الله - عز وجل- يجوز أن تدفع الزكاة إليهم لأنهم يقومون في الحقيقة بنوع من الجهاد في سبيل الله - عز وجل- لأنه كما قلنا لا ينحصر الجهاد في سبيل الله في الجهاد بالسلاح وإنما يشمل الجهاد بالكلمة.

القسم الثامن: ابن السبيل: وفسره المؤلف بقوله: (وهو المسافر المنقطع به السفر وإن كان ذا يسار في بلده) المسافر المنقطع به السفر كإنسان سرقت نقوده أو ضاعت كمن ذهب لأداء الحج أو العمرة ثم ضاعت نقوده أو سرقت مثلاً فهذا يعتبر ابن سبيل يجوز أن يعطى من الزكاة.

قال الفقهاء: ولو كان غنياً في بلده يعطى من الزكاة بقدر ما يوصله إلى بلده، فإذن هذا هو المقصود بقوله ابن السبيل.
هؤلاء إذن هم الأصناف الثمانية الذين تدفع الزكاة إليهم ولا يجوز أن تدفع الزكاة إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية وبناء على ذلك مثلاً:

مسألة: - هل يجوز دفع الزكاة في بناء المساجد أو بناء المدارس ؟
الجواب: ليست من هذه الأصناف الثمانية فلا تدفع الزكاة فيها.

مسألة: هل يجوز دفع الزكاة في تفطير الصائمين؟
الجواب: إذ كانوا كلهم فقراء أو مساكين فيجوز دفع الزكاة لهم لتفطير الصائمين أما إذا كان منهم أغنياء وبعضهم فقراء ومساكين فلا. وإذا كان يجهل حالهم فلا يدري هل هم فقراء أو ليسوا فقراء , فلا تدفع،
فالمسألة أذن : فيها تفصيل , إن كان قد تحقق من أن هؤلاء الصائمين من الفقراء أو المساكين فيجوز أن يدفع الزكاة في تفطير هؤلاء الصائمين, أما إذا كان هؤلاء الصائمون ليسوا من الفقراء والمساكين أو أنهم قد اختلط الفقراء مع غيرهم أو أنهم تجهل حالهم فلا تدفع الزكاة في تفطير الصائمين.

ثم قال -رحمه الله تعالى: ( فهؤلاء أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم ويجوز دفعها إلى واحد منهم لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- (أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر) وقال لقبيصة (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) ويدفع إلى الفقير والمسكين ما يتم به كفايته وإلى العامل قدر عمالته وإلى المؤلف ما تحصل به تأليفه وإلى المكاتب والغارم ما يقضى به دينه وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد أحد منهم على ذلك، وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم: الفقيرو المسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى وهم العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين.)

قال -رحمه الله تعالى: (ويجوز دفعها إلى واحد منهم)
يعني: لو كان عندك الزكاة ودفعتها لفقير جاز ذلك يعني: لا يشترط استيعاب هؤلاء الأصناف الثمانية وإنما يجوز أن تدفع الزكاة إلى واحد منهم -دفعتها إلى غارم إنسان مدين عاجز عن سداد الدين ودفعت الزكاة كلها له- يجوز ذلك.

واستدل المؤلف على ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم أنه (أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر).

قال: (ويدفع إلى الفقير المسكين ما تتم به كفايته ) يعطى الفقير والمسكين ما يسد حاجته وما تتم به كفايته وهذا يختلف باختلاف الفقراء والمساكين فالفقير الأعزب مثلاً ليس كالفقير الذي عنده عائلة كبيرة عنده عشرة أطفال مثلاً حاجة هذا تختلف عن حاجة ذاك فيعطى هذا ما تسد حاجته ويعطى ذاك ما تسد حاجته.

مسألة: هل يجوز أن يشترى للفقير أو المسكين بيتاً من الزكاة؟
الجواب نعم : لان هذا لسد الحاجة وربما وإن كان يمكن استئجاره له وتندفع حاجته بذلك , فلا يشترى له بيت وإنما يستأجر له فقط وهذا نستفيده من عبارة المؤلف أنه يدفع للفقير والمسكين ما تتم به كفايته.

قال: ( وإلى العامل قدر عمالته ) العامل أي الموظف الذي يعمل على جباية الزكاة , هذا على التفصيل الذي ذكرناه العامل إذا كان أرسله الإمام ولم يكن له مرتب أو كان له مرتب وأذن له الإمام في الأخذ من الزكاة فيأخذ بقدر عمالته فقط.

( وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه) كذلك المؤلف ربما يحصل تأليفه مثلاً بمبلغ يسير أو مبلغ كبير يعطى بقدر ما يحصل به التأليف فقط.
(وإلى المكاتب والغارم ما يقضى به دينه) المكاتب وكذلك الغارم يعني: المدين يعطى ما يسدد به الدين فقط إذا كان هذا الغارم مثلاً عليه دين بقدر أربعين ألفاً يعطى بقدر ما يسدد به الدين ولا يزاد على ذلك
(وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه) يعني: بقدر الحاجة فهؤلاء الأصناف كلهم الذين ذكرهم المؤلف يعطون من الزكاة بقدر الحاجة (وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد واحد منهم على ذلك) يعني: بقدر حاجتهم.

ثم قال المؤلف (وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى) فصَّل المؤلف وقال بأن خمسة من هؤلاء الأصناف الثمانية لا يأخذون إلا مع الحاجة وعدهم وهم قال: ( الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل) هؤلاء لا يأخذون إلا إذا كانوا محتاجين.
أما الذين يجوز دفع الزكاة إليهم مع الغنى قال: (العامل) يعني: العاملون عليها (والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين) ولهذا إذا قلنا: متى يجوز أخذ الزكاة مع الغنى؟

باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى: (لا تحل الصدقة لغني ولا قوي مكتسب ولا تحل لآل محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم ومواليهم ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن عَلَوَا ولا إلى الولد وإن سَفَلَ ولا إلى الزوجة ولا من تلزمه مؤنته ولا إلى رقيق ولا إلى كافر فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام منه قهراً وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزئه إلا الغني إذا ظنه فقيراً.)

هذا باب عقده المؤلف -رحمه الله تعالى- لبيان من لا يجوز دفع الزكاة إليهم وبدأ بقوله: (لا تحل الصدقة) يعني: الزكاة (لغني ولا لقوي مكتسب) وهذه أخذها المؤلف من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ) قال هذا -عليه الصلاة والسلام: ( حينما أتاه رجلان شابان جلدان فصعد فيهما النظر فقال -عليه الصلاة و السلام: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح قال عنه الإمام أحمد: ما أجوده من حديث، وهو من جهة السند حديث صحيح.

وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد على من أخذ الزكاة وهو ليس بمستحق لها
كما في قوله -عليه الصلاة و السلام: (من أخذ أموال الناس تكثراً فإنما يأخذ جمراً فليستقل أو ليستكثر)
وأخبر -عليه الصلاة و السلام: (بأن المسألة كدح يكدح بها الإنسان وجهه حتى يلقى الله -تعالى- وليس في وجهه مزعة لحم).

مسألة:
إذا أتى إليك إنسان وطلب منك زكاتك ولم تعلم أنه غني وتجهل حاله فهل تطالبه بالبينة التي تثبت فقره أم أنه لا يطالب؟
قال أهل العلم: إنه لا يطالب ببينة، لكن نخبره بأنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، لا يطالب ببينة وإنما يعطى ما دام أنه سأل من الزكاة يعطى منها بعد إعلامه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى هذين الرجلين الجلدين ولم يطالبهما بالبينة مع أن ظاهر حالهما أنهما قادران على الاكتساب
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الحكمة في هذا قال: «لأن مفسدة منع الفقير من الزكاة أعظم من مفسدة إعطاء الزكاة من لا يستحقها»

قال ( ولا تحل لآل محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم ) لقوله -عليه الصلاة و السلام- ( إنما الصدقات أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) [أخرجه مسلم في صحيحه]

ووجه كون الزكاة أوساخ الناس: لأن الزكاة تطهر الإنسان والطهور يتسخ بما يطهره أرأيت الثوب إذا طهر فإنه يخرج منه وسخ هكذا الصدقات أوساخ الناس.

قال: (ومواليهم) وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم لقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي رافع: (الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم منهم) وهو حديث صحيح

ولكن إذا كان هؤلاء- آل البيت الذين ينتسبون لبني هاشم- إذا كانوا فقراء ولم يكن هناك خمس أو أنه وجد خمس لكنهم منعوا منه ولم يتيسر إعطاؤهم من الخمس لأي سبب من الأسباب فقال بعض أهل العلم: إنه يجوز أن يعطوا من الزكاة في هذه الحال وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى.

ثم قال -رحمه الله تعالى: ( ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علو) يعني: لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وذلك لأن نفقة الوالدين واجبة على الولد ودفع الزكاة إليهم إغناء لهم عن نفسه، فكأنه صرفها إلى نفسه في الحقيقة ؛ لأن النفقة واجبة عليه فإذا أعطاهم من الزكاة أغناهم عن نفسه فكأنه- في حقيقة الأمر- صرف الزكاة إلى نفسه ولهذا لا تدفع الزكاة إلى الوالدين وهكذا لا تدفع الزكاة أيضاً للولد يعني بعبارة مختصرة: لا تدفع إلى الفروع ولا إلى الأصول.

ولكن قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان في الفرع أو في الأصل من عليه دين وهو عاجز عن سداده فيجوز أن تدفع الزكاة إليه من ولده أو من والده وذلك لأن الولد أو الوالد لا يلزمه سداد دينه فجاز أن يعطيه من الزكاة نعم هو لا يعطيه لكونه فقيراً لأنه يجب عليه أن ينفق عليه لكن إذا كان عليه دين فإنه يجوز له أن يعطيه ما يسدد به الدين.

وهكذا من تلزمه نفقته؛ ولهذا قال المؤلف: (ولا من تلزمه مؤونته) فالزوج لا يجوز له أن يعطي الزكاة لزوجته لأنه يجب عليه أن ينفق عليها

مسألة: هل للزوجة أن تعطى زكاة مالها لزوجها؟
ظاهر كلام المؤلف أن الزوجة أيضاً لا تعطي الزكاة لزوجها ولو كانت الزوجة موظفة مثلاً وعندها الزكاة وزوجها فقيراً فعلى كلام المؤلف أنه ليس لها أن تعطيه من الزكاة وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة, وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه يجوز للزوجة أن تعطي الزكاة لزوجها الفقير وذلك لأن الزوجة غير مطالبة بالنفقة على زوجها إنما الزوج هو الذي ينفق على زوجته ومادام أنها غير مطالبة بالنفقة على زوجتها فيجوز لها أن تعطيه من الزكاة إذا كان من أهلها وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
والدليل على ذلك قصة امرأة ابن مسعود في الصحيحين: ( لما أرادت أن تدفع صدقة قال لها ابن مسعود: أنا وولدي أحق من دفعت إليه الصدقة، فذهبت للنبي -صلى الله عليه وسلم- تسأله فقال -عليه الصلاة و السلام- صدق عبد الله, زوجك وولدك أحق من أعطيتيه الصدقة).

قال (ولا إلى كافر) أي: أنه لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى الكفار ولو كانوا فقراء أو مساكين ولكن استثنى الفقهاء من هذا المؤلفة قلوبهم فقد استثناها الفقهاء من هذه المسألة.
قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم أن زكاة المال لا تعطى لكافر إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم, أو من العاملين على قول بعض الفقهاء لكن إذا كانوا فقراء ومساكين وغير مسلمين لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة قولاً واحداً، وقد حكى الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم خلافاً في هذه المسألة وكذلك أيضاً نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.

قال:( فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وغيرهم)
أفادنا المؤلف أن صدقة التطوع تعطى للوالدين والأولاد وتعطى للزوجة وتعطى للزوج وتعطى حتى الكافر أيضاً يجوز إعطاؤه من صدقة التطوع إذا كان فقيراً أو مسكيناً.

قال: (ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام منه قهرا)
لأن الزكاة عبادة والعبادات لابد فيها من النية لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) لكن الفقهاء استثنوا من ذلك مسألة وهي أن يأخذها الإمام منه قهراً فحينئذ لا يشترط النية في هذه المسألة.

قال: (وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزئه إلا الغني إذا ظنه فقيرا)
إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها فإنه لا يجزئه لكونه لم يتحرَّ، إلا لغني ظنه فقيراً فإنه يجزئه دفع الزكاة في هذه الحال وذلك لأن الفقر أمر خفي قد يدعِ الفقر إنسان وهو ليس بفقير ولذلك لو أنك دفعت الزكاة لإنسان ثم لما دفعت له الزكاة أتى إليك شخص وقال: يا فلان هذا الذي أعطيته الزكاة أغنى منك هذا إنسان عنده كذا وعنده كذا. فنقول: الحكم أن هذا مجزئ ولا يلزمك أن تدفع الزكاة مرة أخرى لأن الفقر والمسكنة أمر خفي وقد يدعيه من ليس كذلك وسبق أن قلنا: إن الفقير والمسكين لا يطالب ببينة ولذلك فإنه تبرأ ذمته بذلك ويجزئه ذلك الدفع.

واستدل بعض العلماء على ذلك بما جاء في الصحيحين: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر قصة ذلك الرجل الذي تصدق بصدقة على سارق فتحدث الناس قالوا: تصدق على سارق, فقال: اللهم لك الحمد, ثم قال: لأتصدقن الليلة المقبلة. فتصدق على زانية فقال الناس: تصدق على زانية. فقال: اللهم لك الحمد, ثم قال: لأتصدقن الليلة, فتصدق على غني فتحدث الناس فقالوا: تصدق على غني. فقال: اللهم لك الحمد, فرأى في المنام من قال له: إن صدقتك قد قبلت أما السارق فلعله أن يستعف وأما الزانية فلعلها أيضاً أن تعف, وأما الغني فلعله يعتبر وينفق مما أعطاه الله -تعالى)

بهذا نكون قد انتهينا من كتاب الزكاة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


ليست هناك تعليقات: