الأحد، أبريل 12، 2009

عقيدة -54 الإيمان بالقدر – و قضية احتجاج العاصي به

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالقدر – و قضية احتجاج العاصي به

ونرى أن لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى؛ لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره، من غير أن يعلم أن الله تعالى قدّرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا) (لقمان: الآية34) . فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمهــا المحتـجّ بها حين إقدامه على ما اعتذر بها عنه، وقد أبطل الله تعالى هذه الحجة بقولــه: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (الأنعام:148) .

ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدراً أن الله تعالى قد كتبها لك، فإنه لا فرق بينها وبين المعصية في الجهل بالمقدور قبل صدور الفعل منك؟ ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن كل واحد قد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا: أفلا نتكل وندع العمل؟ قال: "لا، اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له".

حكم الاحتجاج بالقدر

و من جهل القدرية أو خبثهم يحتجون بالقدر على ترك العمل، فتجد الواحد عندما يدعى إلى الصلاة و الصيام و قراءة القرآن يقول: لو شاء الله لي أن أعمل هذا عملته، كما يحتجون به على ما يوقعونه بالناس من الظلم و الفساد، أو ما يقع من ظلم و فساد، فيقولون في المظالم و المناكر و المفاسد التي تقع: هذه إرادة الله و مشيئته و ليس لنا حيلة في ذلك، و قد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام.

و ترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضاً منهم يصبح أعواناً للظلمة، و تراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله و قدره فيكم، و ترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات و يرتكبون المنكرات من الزنا و الفسوق و العصيان و يحتجون لأفعالهم بالقدر!!!

و كل العقلاء يعلمون بأن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية، و إلا فإن الحياة تفسد.

ثم قال المؤلف –سائلا أسئلة تقريرية-:

ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لو كنت تريد السفر لمكة وكان لها طريقان، أخبرك الصادق أن أحدهما مخوف صعب والثاني آمن سهل، فإنك ستسلك الثاني ولا يمكن أن تسلك الأول وتقول: إنه مقدر عليَّ، ولو فعلت لعدّك الناس في قسم المجانين.

ونقول له أيضاً: لو عرض عليك وظيفتان إحداهما ذات مرتب أكثر، فإنك سوف تعمل فيها دون الناقصة، فكيف تختار لنفسك في عمل الآخرة ما هو الأدنى ثم تحتجّ بالقدر؟

ونقول له أيضا: نراك إذا أصبت بمرض جسمي طرقت باب كل طبيب لعلاجك، وصبرت على ما ينالك من ألم عملية الجراحة وعلى مرارة الدواء. فلماذا لا تفعل مثل ذلك في مرض قلبك بالمعاصي؟

إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا و نبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر، و لكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ترك العمل، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع، و إنما يحتج بالقدر على المصائب دون المعايب.

س: ما حكم الاحتجاج بالقدر على ترك أمر أو فعل نهي؟

ج: لا يجوز لنا أن نجعل قضاء الله و قدره حجة لنا في ترك أمر أو فعل نهي، بل يجب علينا أن نؤمن و نعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب و بعثة الرسل، قال الله تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).

س: من الموجه إليه الأمر و النهي؟

ج: هو المستطيع للفعل و الترك قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) و قال (فاتقوا الله ما استطعتم) و قال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) و قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

س: إذا كان قد سبق القضاء و القدر بالشقاوة أو السعادة؛ فما حكم ترك الأخذ بالأسباب و الاعتماد على ما سبق به القدر؟

ج: لا يجوز، لأن القدر السابق لا يمنع العمل و لا يوجب الاتكال بل يوجب الجد و الاجتهاد و الحرص على الأعمال الصالحة، ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدراً أن الله تعالى قد كتبها لك، فإنه لا فرق بينها وبين المعصية في الجهل بالمقدور قبل صدور الفعل منك؟

ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن كل واحد قد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا: أفلا نتكل وندع العمل؟ قال: (لا، اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، و أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة)، ثم تلا: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى)، و قال صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله و لا تعجزن) الحديث.

== الخلاصة ==

العبد له في [القضاء المقدّر له أو عليه] حالان:

حال قبل القدر:

·        عليه أن يستعين بالله و يتوكل عليه و يدعوه أن ييسره لكل خير و يصرف عنه سوء القضاء.

حال بعد القدر:

·        إذا قدر المقدور بغير فعله: فعليه شكر و صبر و رضى (إن أصابته سراء شكر) و (إن أصابته ضراء صبر).

·        إذا قدر المقدور و كان بفعله و هو نعمة أو طاعة: حمد الله على ذلك، و إذا كان بفعله و هو نقمة أو ذنب: استغفر الله من ذلك.

و له في [القضاء المأمور به] حالان:

حال قبل الفعل:

·        و هو العزم على الامتثال و الاستعانة بالله على ذلك.

حال بعد الفعل:

·        و هو الاستغفار من التقصير و شكر الله على ما أنعم به من الخير.

====

قال تعالى: (فاصبر إنّ وعد الله حق واستغفر لذنبك) فأمره أن يصبر على المصائب المقدّرة، و يستغفر من الذنوب.

قال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)، و قال على لسان يوسف: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)، فذكر الصبر على المصائب و التقوى بترك المعائب، و قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجز، و إن أصابك شيء فلا تقل: "لو أني فعلت كان كذا و كذا"، و لكن قل: "قدر الله و ما شاء فعل"، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان).

====

و هذا هو الرد على من يستدل -ممن قلَّ علمه- بحديث [احتجاج آدم و موسى] على الاحتجاج بالقدر في المعايب... و ليس في هذا الحديث حجة للذين يحتجون بالقدر على القبائح و المعايب، فآدم عليه السلام لم يحتج بالقضاء و القدر على الذنب، و موسى عليه السلام لم يلم أباه آدم على ذنب تاب منه، و تاب الله عليه منه و اجتباه و هداه، و إنما وقع اللوم من موسى على المصيبة التي أخرجت آدم و أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب.

*****

و الله أعلم.

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بالقدر.

ليست هناك تعليقات: