الأحد، أبريل 19، 2009

عقيدة -55 الإيمان بالقدر – و قضية خلق الشر في الكون

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالقدر – و قضية خلق الشر في الكون

ونؤمن بأن الشر لا ينسب إلى الله تعالى لكمال رحمته وحكمته، قال النبي صلى الله عليه وسلم "والشر ليس إليك" رواه مسلم. فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شر أبداً، لأنه صادر عن رحمة وحكمة، وإنما يكون الشرُّ في مقتضياته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت الذي علّمه الحسن: "وقني شر ما قضيت" فأضاف الشر إلى ما قضاه، ومع هذا فإن الشر في المقتضيات ليس شراً خالصاً محضاً، بل هو شر في محله من وجه، خير من وجه، أو شر في محله، خير في محل آخر، فالفساد في الأرض مـن الجدب والمرض والفقر والخوف شر، لكنه خير في محل آخر، قال الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41). وقطع يد السارق ورجم الزاني شر بالنسبة للسارق والزاني في قطع يد السارق وإزهاق النفس، لكنه خير لهما من وجه آخر، حيث يكون كفارة لهما فلا يجمع لهما بين عقوبتي الدنيا والآخرة، وهو أيضاً خير في محل آخر، حيث إن فيه حماية الأموال والأعراض والأنساب.

حكم الاحتجاج بالقدر

س: ما معنى الرضى بالقضاء و ما حكم الرضى به؟

ج: الرضى هو التسليم و سكون القلب و طمأنينته و القضاء الذي هو وصفه سبحانه و فعله القائم بذاته كله خير و عدل و حكمة يجب الرضى به كله و أما القضاء الذي هو المقضي فهو نوعان ديني شرعي يجب الرضى به كقوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) وكقوله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) وهو أساس الإسلام.

والنوع الثاني: الكوني القدري منه ما يجب الرضى به كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضى بها، ومنه ما لا يجوز الرضى به كالمعائب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستجيب الرضى به كالمصائب.

س: كيف يخلق الله الشر و يقدره؟

ج: و قد يشاغب بعض القدرية فيقولون: إنَّ الله مقدس عن فعل الشر، و إن الواجب على العباد أن ينزهوا ربهم عن الشر و فعله، و هؤلاء خلطوا حقاً بباطل فالتبست عليهم الأمور.

و جواب هذه الشبهة: أن الله تعالى لا يخلق الشرَّ المحض الذي لا خير فيه، و لا منفعة فيه لأحد، و ليس فيه حِكْمَة و لا رحمة، و لا يعذب الناس بلا ذنب، و قد بين العلماء أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية و ابن القيم و غيرهما ما في خلق إبليس و الحشرات و الكواسر من الحكمة و الرحمة.

فالشيء الواحد يكون خلقه باعتبار خيراً، و باعتبار آخر شراً، فالله خلق إبليس يبتلي به عباده، فمنهم من يمقته، و يحاربه و يحارب منهجه، و يعاديه و يعادي أولياءَه، و يوالي الرحمن و يخضع له، و منهم من يواليه و يتبع خطواته. فإن الشر في المقتضيات ليس شراً خالصاً محضاً، بل هو شر في محله من وجه، خير من وجه، أو شر في محله، خير في محل آخر.

== الخلاصة ==

أسباب الضلال في القدر

و السبب في ضلال كل من القدرية النفاة و القدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءاً من الحقيقة و عمي عن جزء منها...

فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: "إن الله لا يريد الكفر و الذنوب و المعاصي و لا يحبها و لا يرضاها، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد و فيها الكفر و الذنوب و المعاصي؟"

و القدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء، و زعموا "أن كل شيء خلقه و أوجده فقد أحبّه و رضيه".

و أهل السنة و الجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين، و نفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها.

فهم يقولون: "إن الله و إن كان يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها، و لا يرضاها و لا يأمر بها، بل يبغضها و ينهى عنها".

و المحققون من أهل السنة يقولون:

الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية (خَـلـْـقِـيـة) كونية، و إرادة دينية شرعية.

فالإرادة الشرعية هي المتضمنة المحبة و الرضا، و الكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات.

فالإرادة الشرعية كقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة:185]، و قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) [المائدة: 6] و قوله: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) [النساء: 26 - 28] و قوله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) [الأحزاب: 33].

فهذا النوع من الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة، و هذه الإرادة تدل دلالة واضحة على أنه لا يحب الذنوب و المعاصي و الضلال و الكفر، و لا يأمر بها و لا يرضاها، و إن كان شاءَها خلقاً و إيجاداً.

و أنه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية و يرضاها و يثبت عليها أصحابها، و يدخلهم الجنة، و ينصرهم في الحياة الدنيا و في الآخرة، و ينصر بها العباد من أوليائه المتقين و حزبه المفلحين و عباده الصالحين.

و هذه الإرادة تتناول جميع الطاعات حدثت أو لم تحدث.

و الإرادة الكونية القدرية هي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات، التي يقال فيها: ما شاء الله كان، و ما لم يشأ لم يكن، و هذه الإرادة مثل قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) [الأنعام: 125]. و قوله: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. إن كان الله يريد أن يغويكم) [هود: 34]. و قوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة: 253]. و قوله: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) [الكهف: 39].

و هذه الإرادة إرادة شاملة لا يخرج عنها أحد من الكائنات، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله و مشيئته هذه، و هذه يشترك فيها المؤمن و الكافر و البر و الفاجر، و أهل الجنة و أهل النار، و أولياء الله و أعداؤه، و أهل طاعته الذين يحبهم و يحبونه، و يصلي عليهم هو و ملائكته، و أهل معصيته الذين يبغضهم و يمقتهم و يلعنهم اللاعنون.

و هذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات و المعاصي دون ما لم يحدث منها.

والمخلوقات مع كل من الإرادتين أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، و هو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين و شرع، فأمر به و أحبه و رضيه، و أراده إرادة كون فوقع، و لولا ذلك ما كان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، و هو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار و الفجار، فتلك كلها إرادة دين، و هو يحبها و يرضاها وقعت أم لم تقع.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، و هو ما قدره الله و شاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات، و المعاصي التي لم يأمر بها، و لم يرضها، و لم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء و لا يرضى لعباده الكفر، و لولا مشيئته و قدرته و خلقه لها لما كانت و لما وجدت.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة و لا هذه، فهذا ما لم يقع و لم يوجد من أنواع المباحات و المعاصي.

و السعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد الله به تشريعاً، و الشقي من أراد الله به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً، و أهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله حق الفقه، و لم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض، علموا أنَّ أحكام الله في خلقه تجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً، و من نظر إلى الشرع دون القدر، أو نظر إلى القدر دون الشرع كان أعور.

*****

و الله أعلم.

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم خاتمة دروس الإيمان بالقدر.

 

ليست هناك تعليقات: