الأحد، مارس 08، 2009

عقيدة -49 الإيمان بالجنة و النار (1)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالجنة و النار (1)

قلنا إن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:

الثالث: الإيمان بالجنة و النار و أنهما المآل الأبدي للخلق... و هو موضوع هذا الدرس إن شاء الله.

ونؤمن بالجنة والنار، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة:17) . والنار: دار العذاب التي أعدَّها الله تعالى للكافرين الظالمين، فيها من العذاب والنكال ما لا يخطر على البال (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف: الآية29). وهما موجودتان الآن ولن تفنيا أبد الآبدين (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق: الآية11). (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا* يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ) (الأحزاب 64 -66).

الــجــنــة

الـــجـــنـــة: دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين...

الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به و قاموا بطاعة الله و رسوله مخلصين لله متبعين لرسوله...

فيها من أنواع النعيم ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر...

قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) و قال تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون).

و الجنة هي الجزاء العظيم، و الثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه و أهل طاعته، و هي نعيم كامل لا يشوبه نقص، و لا يعكر صفوه كدر، و ما حدثنا الله به عنها، و ما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم يحير العقل و يذهله؛ لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه و استيعابه.

استمع إلى قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر) ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اقرؤوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)) (صحيح البخاري) .

و تظهر عظمة النعيم بمقارنته بمتاع الدنيا ، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئاً: ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا و ما فيها).

و لذا كان دخول الجنة و النجاة من النار في حكم الله و تقديره هو الفلاح العظيم، و الفوز الكبير، و النجاة العظمى قال تعالى: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)، و قال: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم)، و قال أيضا: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم).

الــنــــار

الـــنــــــار: دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين...

الذين كفروا به و عصوا رسله...

فيها من أنواع العذاب و النكال ما لا يخطر على البال...

قال الله تعالى: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) و قال: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً) و قال تعالى: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا).

و النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، و هي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، و سجنه الذي يسجن فيه المجرمين.

و هي الخزي الأكبر، و الخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، و لا خسران أعظم منه، (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظلمين من أنصار)، (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خلداً فيها ذلك الخزى العظيم)، و قال: (إن الخاسرين الذي خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين).

و كيف لا تكون النار كما وصفنا و فيها من العذاب و الآلام و الأحزان ما تعجز عن تسطيره الأقلام، و عن وصفه الألسن، و هي مع ذلك خالدة و أهلها فيها خالدون، و لذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار في النار (إنها ساءت مستقراً ومقاماً)، (هذا وإن للطاغين لشر مئاب * جهنم يصلونها فبئس المهاد).

==فصل==

س: ما هو مذهب أهل السنة و الجماعة حول خلق الجنة و النار و بقائهما و أهلهما؟

ج: الاعتقاد الجازم بأن:

1-     الجنة و النار مخلوقتان موجودتان الآن ولن تفنيا أبد الآبدين (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق: الآية11). (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا* يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ) (الأحزاب 64 -66).

2-     الجنة دار أوليائه أعدها الله و ما فيها من النعيم لهم، و النار دار لأعدائه أعدها الله و ما فيها من أنواع العذاب لهم.

3-     أهل الجنة فيها مخلدون و أهل النار فيها خالدون لا يفتر عنهم العذاب و هم فيه مبلسون. قال تعالى: (لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) و قال (ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا)، و في الصحيحين: (يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويذبح ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)...

==فصل==

اتفق أهل السنة على أن الجنة و النار مخلوقتان موجودتان الآن، و لم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة و القدرية، فأنكرت ذلك، و قالت: "بل ينشئهما الله يوم القيامة"؛ و حملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله و هو "أنه ينبغي أن يفعل كذا، و لا ينبغي له أن يفعل كذا" و قاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبَهة في الأفعال، و دخل التجهَم فيهم، فصاروا مع ذلك معطـّـلة... و قالوا: "خلق الجنة قبل الجزاء عبث، لأنها تصير معطلة مدداً متطاولة" فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، و حرفوا النصوص عن مواضعها، و ضللوا و بدعوا من خالف شريعتهم.

فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: (أعدت للمتقين) (آل عمران: 133)، (أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله) (الحديد: 21)، و عن النار (أعدت للكافرين) (آل عمران: 131)، (إن جهنم كانت مرصاداً * للطغين مئاباً) (النبأ: 21 – 22). و قال تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) (النجم: 13- 15).

و قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، و رأى عندها جنة المأوى: كما في الصحيحين، من حديث أنس رضي الله عنه، في قصة الإسراء، و في آخره: (ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال : ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك).

و في صحيح مسلم و السنن و المسند، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الجنة و النار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها و إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها و إلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: و عزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها و إلى ما أعددت لأهلها فيها. قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد.

قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها و إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، ثم رجع فقال: و عزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها). و نظائر ذلك في السنة كثيرة.

و الأدلة من الكتاب والسنة التي تدل على أنهما مخلوقتان كثيرة، و ما يخلاف هذا المذهب فهو باطل، يرده ما تقدم من الأدلة و أمثالها مما لم يذكر...

*****

و الله أعلم.

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان باليوم الآخر.

 

ليست هناك تعليقات: