السبت، فبراير 21، 2009

عقيدة -48 الإيمان بالحساب و الجزاء (3)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالحساب و الجزاء (3)

قلنا إن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:

الثاني: الإيمان بالحساب و الجزاء، فيحاسب العبد على عمله و يجازى عليه... و هو لا يزال موضوع هذا الدرس إن شاء الله.

الثالث: الإيمان بالجنة و النار و أنهما المآل الأبدي للخلق... كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

أخبار و أهوال القيامة

ونؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أخبار ذلك اليوم وأهواله، أعاننا الله عليها.

س: ما هي الدلائل عَلى عظَم أهوال ذلك اليَوم؟

ج: الدليل الأول: وصفُ الله لذلك اليوم بالعظم ، و حسبنا أن ربنا وصفه بذلك ، ليكون أعظم مما نتصور ، و أكبر مما نتخيل، و وصفه في موضع آخر بالثقل، و في موضع ثالث بالعسر.

الدليل الثاني: الرعب والفزع الذي يصيب العباد في ذلك اليوم ، فالمرضع التي تفدي وليدها بنفسها تذهل عنه في ذلك اليوم ، والحامل تسقط حملها ، والناس يكون حالهم كحال السكارى الذين فقدوا عقولهم، ولشدة الهول تشخص أبصار الظلمة في ذلك اليوم ، فلا تطرف لشدة الرعب، ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً ، ولشدة الخوف تصبح أفئدتهم خالية لا تعي شيئاً ولا تعقل شيئاً. وترتفع قلوب الظالمين لشدة الهول إلى حناجرهم ، فلا تخرج ، ولا تستقر في مكانها، وحسبك أن تعلم أن الوليد الذي لم يرتكب جرماً يشيب شعر رأسه لشدة ما يرى من أهوال.

الدليل الثالث: انقطاع علائق الأنساب في يوم القيامة، فكل إنسان في ذلك اليوم يهتم بنفسه، ولا يلتفت إلى غيره، بل إن الإنسان يفر من أحب الناس إليه، يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته و بَنيه.

الدليل الرابع: استعداد الكفار في يوم الدين لبذل كل شيء في سبيل الخلاص من العذاب، فلو كانوا يملكون ما في الأرض لافتدوا به، بل لو كان للكافر ضعف ما في الأرض لافتدى به، بل هو على استعداد أن يبذل ما عنده ولو كان ملء الأرض ذهباً ، وعلى احتمال أن كان الأمر كذلك ، فإن الله لا يقبل منه، ويصل الحال بالكافر في ذلك اليوم أن يتمنى لو دفع بأعز الناس عنده في النار لينجو هو من العذاب.

الدليل الخامس: ويدلك على هول ذلك اليوم و شدته: طوله؛ فإن مقداره خمسين ألف سنة! ولطول ذلك اليوم يظن الناس في يوم المعاد أنهم لم يلبثوا في الحياة الدنيا إلا ساعة من نهار...

س: ما هي معالم أهوال القيامة قبل القضاء بين العباد؟

ج: النصوص الكثيرة في القرآن و السنة تحدثنا عن أهوال ذلك اليوم التي تشده الناس، و تشد أبصارهم، و تملك عليهم نفوسهم، و تزلزل قلوبهم.

1-     من أعظم تلك الأهوال ذلك الدمار الكوني الشامل الرهيب الذي يصيب الأرض و جبالها، و السماء و نجومها و شمسها و قمرها.

يحدثنا ربنا أن الأرض تزلزل و تدك، و أن الجبال تسير و تنسف، و البحار تفجر و تسجر، و السماء تتشقق و تمور، و الشمس تكور و تذهب، و القمر يخسف، و النجوم تنكدر و يذهب ضوؤها، و ينفرط عقدها، و تبعثر القبور و يخرج الناس منها سراعا كالفراش المنتشر...

ثم تقبض الأرض جميعا و تطوى السماء كطي السجل للكتب...

2-     و تدنو الشمس من رؤوس العباد في ذلك اليوم حتى لا يكون بينها و بينهم إلا مقدار ميل واحد ، و لولا أنهم مخلوقون خلقا غير قابل للفناء لانصهروا و ذابوا و تبخروا، و لكنهم بعد الموت لا يموتون، و يذهب عرقهم في الأرض حتى يرويها ، ثم يرتفع فوق الأرض، و يأخذهم على قدر أعمالهم... ففي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق ، حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، و منهم من يكون إلى ركبتيه، و منهم من يكون إلى حقويه، و منهم من يلجمه العرق إلجاما)، قال: و أشار رسول الله بيده إلى فيه...

3-     و تختلف أحوال الناس في يوم القيامة اختلافا بينا:

فحال الكفار: ذلة و هوان و حسرة و يأس، حيث تنزل الأهوال العظام و المصائب الكبار بالكفرة المجرمين في ذلك اليوم العظيم، و يرون إحباط أعمالهم كلها حتى التي كانوا يظنون أنها تغني عنهم من الله شيئا... و يمقتون أنفسهم و أحبابهم و خلانهم في الحياة الدنيا، بل تنقلب كل محبة لم تقم على أساس من الإيمان إلى عداء، و في ذلك اليوم يخاصم أهل النار بعضهم بعضا، و يحاج بعضهم بعضا، العابدون المعبودين، و الأتباع السادة المتبوعين، و الضعفاء المتكبرين، والإنسان قرينه، بل يخاصم الكافر أعضاءه...

و حال عصاة المؤمنين: بعض المؤمنين قد يكون قارف في الدنيا ذنوبا توقعه في أهوال و مشقات و صعاب: كالذين لا يؤدون الزكاة، و المتكبرين، بل و منهم من لا يكلمهم الله و لا ينظر إليهم: كالعاق لوالديه، والمرأة المتشبهة بالرجال، و منهم من يفتضح على رؤوس الأشهاد كالغادرين و الغالـّـين (من الغلول)...

و حال الأتقياء: منهم من يفزع الناس يوم القيامة و لا يفزعون: كالشهداء، و منهم الذين يظلهم الله في ظله: و هؤلاء هم أصحاب الهمم العالية، و العزائم الصادقة، الذين تمثلت فيهم عقيدة الإسلام، و قيمه الفاضلة، أو قاموا بأعمال جليلة، لها في مقياس الإسلام وزن كبير..: كإنظار المعسر، و التحابّ في الله، و العدل بين الرعية، و منهم من تفرج عنهم من كربات يوم القيامة: و هم كل من يسعى في الدنيا في فك كربات المكروبين، و مساعدة المحتاجين، و إقالة عثرات الزالين... و منهم من تكون له كرامات و احتجاب من النار و نور و رفعة: كالشهداء و الكاظمين الغيظ و المؤذنين و ذي الشيبة المسلم و الآباء الذين أسنوا تربية أولادهم....

==فصل==

هنا نتوقف لنرتب أخبار يوم القيامة و نجمعها، كما صحت بذلك الأدلة..

-         تقوم الساعة في يوم الجمعة، فينفخ الملك الكريم إسرافيل عليه السلام في الصور النفخة الأولى فيحصل بها الصعق و إفناء الأحياء كلهم، ثم ينفخ الثانية فيحصل بها البعث...

-         البعث و النشور: فيحشر الخلائق جميعا إلى الموقف العظيم حفاة عراة غرلا، أي: غير مختونين، على أرض أخرى غير هذه الأرض؛ بيضاء عفراء كقرصة النقي...

-         ثم يكسى العباد؛ فالصالحون يكسون الثياب الكريمة، و الطالحون يسربلون بسرابيل القطران، و دروع الجرب، و نحوها من الملابس المنكرة الفظيعة...

-         و في أثناء ذلك يضطرب الكون بأهوال يوم القيامة كما بينا في هذا الدرس... نسأل الله السلامة.

-         فإذا اشتد كرب المحشر، يقع الإخراج الأول: بالخلاص من كرب الموقف بشفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم...

-         الحساب و الجزاء: ثم يكون العرض و الميزان و تطاير الصحف و ورود أحواض الأنبياء...

-         ثم ينادي المنادي: ليتبع كل أمة من كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين و المنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق...

-         ثم يؤذن في نصب الصراط و المرور عليه: فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضا، و يمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن العصاة من يسقط.

-         و يوقف بعض من نجا عند القنطرة: للمقاصصة بينهم ثم يدخلون الجنة..

-         و يقع الإخراج الثاني: لمن سقط في النار –حال مروره على الصراط– بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر...

-         ثم قرار الناس في مثواهم الأخير: الجنة –جعلنا الله من أهلها– و النار –نجانا الله منها–.

*****

و الله أعلم.

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان باليوم الآخر.

ليست هناك تعليقات: