الأربعاء، يناير 14، 2009

الجنائز - 2

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


التكفــين

قال المصنف -رحمه الله تعالى- (ثم يكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة يدرج فيها إدراجاً وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس وتكفن المرأة في خمسة أثواب من درع وإزار ومقنعة ولفافتين )

هذا فيما يتعلق بالتكفين

والمقصود بالتكفين: هو ستر الميت بلباس معين لأنه يجرد من ثيابه المعتادة ويكفن أو يستر بأثواب تختلف عن الأثواب المعتادة ولهذا الفقهاء -رحمهم الله تعالى- بعدما يبينون الكيفية الكاملة

يقولون في نهاية الكلام: والواجب ثوب يستر جميعاً

فعندنا صفتان: صفة مجزئة وصفة كاملة كما قيل في الوضوء وكما قيل في الغسل من الجنابة هناك غسل مجزئ وغسل كامل والوضوء أيضاً.

قال بالنسبة للرجل في الصفة الكاملة : ( يكفن في ثلاثة أثواب بيض) والمقصود بالثوب هنا: القطعة الواحدة غير المفصلة على الجسم.

قطعة كبيرة بحيث إنه إذا أدرج فيها الميت أو لفت على الميت تغطي جميع بدنه هذا هو المقصود بالثوب هنا (ثلاثة أثواب) يعني ثلاث قطع كل قطعة من هذه القطع تستر بدن الميت كله.

(ليس فيها قميص ولا عمامة )

والدليل حديث عائشة -رضي الله عنها- في وصف كفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (كفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة) متفق عليه وسحولية نسبة إلى سحول وهو موضع باليمن كان مشهوراً بصنع القماش أو بنسج القماش من قطن وجاء في بعض الأحاديث أنها من قطن.

(يدرج فيها إدراجا) يعني لا تربط عليه ولا تخاط على جسمه وإنما توضع اللفائف الثلاث أو الأثواب الثلاثة على الأرض أوعلى سرير الميت ثم بعد ذلك يوضع الميت عليها ويؤخذ الأولى منها وتلف على جانبه الأيسر والأيمن وهكذا.

قال: (ويؤخذ أحسن اللفائف و أوسعها وتبسط على بساط) التي توضع الأولى هي التي ستكون ظاهرة للناس وقالوا: إنه يستحسن أن تكون هي أحسنها, لو فرضنا أن القطع بعضها أحسن من بعض

فتبسط على بساط أو على سرير للميت ثم تبسط الثانية فوقها ثم الثالثة ثم يحمل فيوضع عليها مستلقياً ليكون أمكن لإدراجه فيها ثم يثنى طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر وهكذا.

قال: (وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس) يعني: الكمال والسنة هو تكفين الميت كما كفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة أثواب يدرج فيها إنما لو كفناه في قميص والقميص هو المعمول على قدر الجسم له أكمام وله جيب وإزار وهو ما يلبس في أسفل البدن ولفاف ثوب يستر جميع بدنه فلا بأس ولو لف أيضاً بثوب واحد أيضاً لكفى إذا كان ساتراً هذا من المجزئ.

ملاحظة: والقميص في لغة العرب هو ما يستر جميع البدن وهو ما يسمى في مصر الجلباب (الجلابية أو العباية للمرأة ) أو الثوب في الخليج وليس القميص ما يلبس مع البنطال.

والجيب هو فتحة الصدر التي يدخل منها الانسان رأسه (الفتحة العلوية للملابس)

والكم هو هو ما يضع الانسان فيه اشياءه وما يحمله معه ( ما نسميه نحن الجيب)

والإزار ما يستر النصف السفلي من البدن والرداء ما يستر أعلى البدن (مثل ملابس إحرام الرجل , إزار ورداء).

هذه المصطلحات لننتبه إلى الفرق - عرفا - بين ما نستعمله نحن من ألفاظ وبين ألفاظ أهل العلم في كتبهم.

(وتكفن المرأة في خمسة أثواب )

وتختلف هذه الخمسة عن الثلاثة السابقة في حق الرجل

ولذلك قال :( درع) والدرع للمرأة مثل القميص للرجل يعني: له جيب وأكمام ويستر البدن (وإزار أسفل البدن) يستر أسفل البدن (ومقنعة) للخمار ما يقنع أو يغطى به الرأس و(لفافتين) يعني: ثوبين واسعين أو كبيرين يعني: غير مفصلين تلف بهما المرأة اللفافة الأول يستر القميص والمقنعة والإزار واللفافة الثانية مبالغة لكمال الستر،

والدليل على ذلك حديث رواه أبو داوود عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: (كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحقاء) والحقاء المقصود به: الإزار (ثم الدرع) بمنزلة القميص للرجل (ثم الخمار) الذي هو المقنعة وما يغطى به الرأس (ثم الملحفة) التي تلف بها كاملة(ثم أدرجت بعد ذلك في ثوب آخر) قالوا: ولأن المرأة تزيد في حياتها على الرجل في التستر فكذلك في موتها.

الصلاة على الميت

قال(وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه في ذلك ثم الأب ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب من العصبات وفي غسل المرأة الأم ثم الجدة ثم الأقرب فالأقرب من نسائها، إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده )

هذا لبيان من يقدم حال التنازع أو حال التشاح إنما لو لم يكن هناك تنازع ولا تشاح ولا اختلاف فالأمر واسع إنما البيان هنا يحتاج إلى هذا الترتيب أو هذه الأولوية يحتاج إليها عند الاختلاف والتنازع

قال: (أحق الناس بغسل الميت والصلاة عليه ودفنه وصيه ) يعني: من أوصى الميت أن يتولى هذا الشيء إذا أوصى الميت أن يغسله فلان فيلتزم بهذه الوصية إذا أوصى الميت أن يكفنه فلان أن يصلي عليه فلان أن يتولى وضعه في القبر فلان فيلتزم بهذه الوصية وقد فعل الصحابة كثيراً من ذلك شيئاً من ذلك أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- أوصى أن تغسله زوجته أسماء فقدمت, وأوصى أنس -رضي الله تعالى عنه- أن يغسله محمد بن سيرين.

وأوصى أبوبكر أن يصلي عليه عمر وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابنه حاضر فقدم صهيب على ابن عمر وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير وأوصت عائشة -رضي الله عنها- أن يصلي عليها أبو هريرة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

والمقصود أن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أوصوا بأن يتولى إما غسلهم أو الصلاة عليهم من يرون أنه مناسب لذلك قالوا: إن الميت قد يختار من يرى أنه شخص ورع وتقي أو يظهر عليه سمات الصلاح وإجابة الدعوة أو يرجى أنه ممن تجاب دعوته فإذا أوصى أن يصلي عليه فيلتزم بوصيته.

بعد الوصي يأتي ترتيب الأقارب. الوصي مقدم على جميع الأقارب سواءً كان من الأقارب أو من غيرهم إنما إذا كان لم يكن هناك وصي نأتي إلى الترتيب بين الأقارب من الأولى من الأقارب؟

قال: ( الأولى الأب ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب من العصبات) والأقرب فالأقرب من عصبات الإبن يعني: أنه يقدم الأصول: الأب ثم الجد ثم بعد ذلك نأتي إلى الفروع الابن، ابن الابن وإن نزل, ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم العم الشقيق ثم ابن الأخ الشقيق إلى آخره على حسب ترتيب العصبات في الإرث والولاية.

وترتيب العصبات ومن يقدم فيها يأتي تفصيله - ان شاء الله - في شرح المواريث.

قال:( وأولى الناس بغسل المرأة أمها ثم جدتها ثم الأقرب فالأقرب من نسائها ) أمها ثم جدتها ثم ابنتها يعني بعد ذلك ثم الأقرب فالأقرب ثم بعد ذلك الأجنبيات كالرجل.

قال:( إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده)

من الذي يقدم في الصلاة؟

أولاً يقدم الوصي ثم الأب ومن بعده الجد ثم الابن إلى آخره.

قال: (إلا الأمير فإنه يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده من القرابات) يعني: إنه يقدم الوصي أولاً ثم الأمير مثل ذلك أيضاً إمام الحي الراتب إذا كان من شأنه أن يصلي على الأموات.

قال ( والصلاة عليه يكبر ثم يقرأ الفاتحة ثم يكبر ويصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يكبر ويقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير, اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه عليهما, اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وجواراً خيراً من جواره وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وأعذه من عذاب النار وأفسح له في قبره ونور له فيه. ثم يكبر ويسلم تسلمية واحدة عن يمينه ويرفعه يديه مع كل تكبيرة. والواجب من ذلك: التكبيرات والقراءة والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدنى دعاء للميت والسلام.)

هذا ما يتعلق بكيفية الصلاة على الميت يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (يكبر ثم يقرأ الفاتحة )

قال( يكبر) هذه تكبيرة الإحرام هي التكبيرة الأولى ثم بعدها قال: (يقرأ الفاتحة ) المؤلف اختصاراً بدأ بقراءة الفاتحة مباشرة بينما الفقهاء -رحمهم الله تعالى- يقولون: بعد التكبير يستعيذ ويبسمل ولا يستفتح، أي لا يقول دعاء استفتاح لأنه لم يرد.

فيكبر تكبيرة الإحرام ثم يقرأ الفاتحة

قال: ( ثم يكبر) التكبيرة الثانية ( ويصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-) وصفة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الصلاة الإبراهيمية المشروعة في التشهد:( اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد....) إلى آخره

قال: (ثم يكبر) التكبيرة الثالثة ( ويقول اللهم اغفر لحينا وميتنا.....) إلى آخر هذا الدعاء.

وورد في الأدعية أحاديث كثيرة صحيحة - فيها مشروعية الدعاء للميت والإخلاص في الدعاء له بصفة عامة وقد جمع المؤلف بين بعضها .

وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)

وعن عوف بن مالك قال: (صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب و الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) وهذا الحديث رواه مسلم

بعد الانتهاء من هذه الأدعية قال: (ثم يكبر) التكبيرة الرابعة والأخيرة ( ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه)

بعض أهل العلم يقول: إنه يدعو بين التكبيرة الرابعة والسلام بدعاء قصير مثل: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله، وبعضهم يقول: إنه لا يدعو وإنما يسكت قليلاً ليرد إليه نفسه ثم يسلم قال: (يسلم واحدة عن يمينه) والأمر في هذا واسع.

هل المشروع أن يسلم واحدة فقط أو يسلم تسلمتين ؟

كلاهما وارد ولهذا لو اكتفى المصلي على الجنازة سواءً كان إماماً أو مأموماً بتسليمة واحدة فقد فعل السنة ولو سلم تسليمتين فلا بأس.

قال (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان يرفع يديه في تكبيرة في الجنازة والعيد ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فسن لها الرفع كتكبيرة الإحرام يعني: بالقياس على تكبيرة الإحرام.

والتكبيرات أربع. وبعض أهل العلم يرى أنها أكثر من ذلك وقد ورد في أحاديث (كبر خمساً أو ست) وقد زاد بعض الصحابة غلى الأربع لمن له زيادة منزلة وفضل, كأهل بيع الرضوان أهل بدر ونحو ذلك .

ثم قال -رحمه الله تعالى- (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر وإذا كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية ومن تعذر غسله لعدم الماء أو للخوف عليه من التقطع كالمجدور والمحترق أو لكون المرأة بين رجال أو الرجل بين نساء فإنه ييمم إلا أن لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه وكذلك أم الولد مع سيدها ).

المؤلف ذكر عدة مسائل فيما يتعلق بالصلاة وفيما يتعلق بالغسل

قال:( ومن فاتته الصلاة عليه) يعني: مع الذين صلوا عليه قبل دفنه إذا فاتته الصلاة عليه قبل الدفن (صلى على القبر) يعني: صلى عليه ولو بعد دفنه (إلى شهر) لما روي عن ابن عباس: (أنه مر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- على قبر فأمهم وصلوا خلفه ) متفق عليه، فهذا الحديث يدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-صلى على الميت بعد دفنه، وأيضاً قصة المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد (ماتت وجهزت وصلي عليها ولم يخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قالوا: إنها ماتت فقال: هلا آذنتموني ثم قال دلوني على قبرها وصلى عليه)

وأما التحديد بشهر قالوا لأن (النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بن عبادة بعد ما دفنت بشهر) والحديث رواه الترمذي ولم يرد أكثر من ذلك.

صلاة الغائب

قال: (وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية)

والصلاة على الميت لها ثلاثة أحوال:

- الحالة الأولى: الصلاة الحاضرة أن تصلي على الميت قبل الدفن.

- الحالة الثانية: الصلاة عليه بعد الدفن.

- الحالة الثالثة: الصلاة عليه بالنية وهو غير حاضر لا حاضراً ببدنه قبل دفنه ولا في قبره وإنما يصلى عليه بالنية وهو غائب عن البلد.


والصلاة على الغائب هل هي مشروعة على كل ميت أو هي غير مشروعة أو أنها مشروعة في حال دون حال؟

محل خلاف بين أهل العلم:

- بعضهم قال: إنها تشرع الصلاة على الغائب على كل ميت ويستدلون على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على النجاشي كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نعى النجاشي -رحمه الله تعالى- في اليوم الذي مات فيه فصف بهم في المصلى وكبر أربع) [متفق عليه] وقالوا: ثبت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى على الغائب فكل غائب يصلى عليه.

- وبعضهم قال: لا... لا يصلى إلا على من لم يصلَّ عليه لأن هذه هي حال النجاشي، النجاشي مات ولم يكن في البلد الذي مات فيه مسلمون ولم يصلَّ عليه فصلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليه لأنه لم يصلَّ عليه وبناءً على هذا قالوا: كل من مات ولم يصلَّ عليه فيشرع لمن علم حاله بعد ذلك أن يصلي عليه.

- القول الثالث في المسألة: قالوا: لا.. ليست المسألة مسألة أنه صلى عليه أو لم يصلَّ عليه المسألة هل لهذا الشخص شأن أو ليس له شأن يعني إن كان له شأن كبير كعالم كبير أو إمام كبير أو ما أشبه ذلك له أثره وله مكانته الدينية والدنيوية فحينئذ يصلى عليه كما في قصة النجاشي لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى عليه لذلك.

والقول الأول ضعيف وليس عليه دليل صحيح أنه يصلى على كل غائب وأما القولان الأخيران فهما قويان وكل منهما له وجه قوي ولعل الأصح هو القول الثاني أي الصلاة على من لم يصل عليه والله أعلم.


قال -رحمه الله تعالى- ( ومن تعذر غسله لعدم الماء أو للخوف عليه من التقطع كالمجدور والمحترق أو لكون المرأة بين رجال أو الرجل بين نساء فإنه ييمم إلا أن لكل واحد من الزوجين غسلَ صاحبه وكذلك أم الولد مع سيدها )

هذا بالنسبة إذا تعذر الغسل بالماء: إما تعذر حقيقي أو حكمي:

التعذر الحقيقي: مثل (الخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق)

التعذر الحكمي يعني أنه يمكن غسله بدنه ولكنه شرعا ممنوع مثل: كون (المرأة بين رجال والرجل بين نساء) لأنه لا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل إلا كما جاء في الاستثناء في آخر الأمر( إلا الزوج مع زوجته والزوجة مع زوجه) أو كان صغيراً دون سبع سنين

أما ما عدا ذلك فلا يجوز للمرأة أن تغسل رجلاً ولا يجوز للرجل أن يغسل امراةً ولو كان من الأقرباء حتى ولوكان ذا رحم محرم منها، فهذا تعذر حكمي.

قال (إذا تعذر غسل الميت حقيقةً أو حكماً فإنه ييمم ) يعني: يستخدم معه التيمم بدل الغسل فقالوا: التيمم هنا في حال الوفاة قياساً على الجنابة وكما أنه إذا تعذر الغسل من الجنابة فإنه يشرع التيمم كما في الآية.

وبعض أهل العلم يرى أنه إذا تعذر التغسيل حقيقة أو حكماً فإنه لا ييمم قالوا: لأن المقصود تغسيل الميت تنظيفه وتطهيره وهذا يختلف عن الجنابة يختلف الأمر فيه عن الجنابة ولهذا قالوا: ماذا يستفيد من التيمم؟ لا يفيد وهذا لههو القول الصحيح.

قال: (إلا أن لكل واحد من الزوجين غسلَ صاحبه ) هذا استثناء من (المرأة بين الرجال والرجل بين النساء)

قال:( أم الولد مع سيده) أنه يستثنى أن للسيد أن يغسل أم الولد وأم الولد لها أن تغسل سيدها

والمقصود بأم الولد: هي الأمة التي استولدها سيدها، وفأنجبت منه

- مما يدل على أن الأمر بين الزوجين مستثنى , أن أبا بكر -رضي الله تعالى عنه- أوصى أن تغسله زوجته أسماء كما سبق

- وقالت عائشة -رضي الله عنها-: (لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا نساؤه) أخرجه أبو داود وهو صحيح،

- والنبي -صلى الله عليه وسلم- (قال لعائشة لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك) رواه ابن ماجة وهو حديث حسن.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: (والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل ولم يصلَّ عليه وينحى عن الحديد والجلود ثم يزمل في ثيابه وإن كفن في غيرها فلا بأس )

هذا بالنسبة لشهيد المعركة يعني: الذي قتل في معركة بين المسلمين والكفار, الذي يقاتل بقصد إعلاء كلمة الله- عز وجل- أو يقاتل بقصد الدفاع عن ديار المسلمين هذ هو شهيد المعركة .

ولهذا لا تشرع الصلاة على من مات من شهداء غزة في المعركة أي من المقاتلين.

يسمون الجهاد للكفار الآن المقاومة والمصطلح الشرعي هو الجهاد.

بخلاف من مات تحت الهدم كمن سقطت عليهم البيوت تحت القصف من النساء والأطفال فهؤلاء لهم حكم الشهيد من جهة الفضل والثواب أما التكفين والتغسيل والصلاة ويغسلون ويكفنون ويصلى عليهم ولا يستثنى إلا شهيد المعركة .

اللهم ارحم موتاهم وتقبلهم في الشهداء وارفع درجتهم في المهديين وانصرهم على عدوك وعدوهم.

قال: (الشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل ولم يصلَّ عليه وإنما يدفن في ثيابه وبدمائه)

ما الدليل على هذا ؟

الدليل حديث جابر (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم ) رواه البخاري

قال: (وينحى عنه الحديد والجلود) يعني: إذا كان لابساً درعاً أو سلاحاً أن تبعد عنه هذه الأشياء ويدفن في ثيابه فقط والدليل على ذلك ما رواه ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) رواه أبو داود وهو حديث حسن.

ما هي الحكمة من كون شهيد المعركة لا يغسل ولا يكفن التكفين المعهود وإنما بثيابه ولا يصلى عليه؟

أولا: أنه يبعث على ما قتل عليه ويكون ذلك شاهداً له يوم القيامة.

الأمر الثاني: أن مشروعية تجهيز الميت والصلاة عليه والدعاء له من أجل تكفير السيئات ومغفرة الذنوب والشهيد المقتول في المعركة لإعلاء كلمة الله- عز وجل- والجهاد في سبيله هذا ليس بجاجة إلى استغفار الناس لأن الله- عز وجل- أعطاه شهادة ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران: 169]، وهذا من الحكم التي يذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى.

بعض أهل العلم قال كل من ورد في الأحاديث أنه شهيدفله حكم شهيد المعركة

ولكن الصحيح أن ترك الصلاة خاص بشهيد المعركة

ثم قال -رحمه الله تعالى- (والمحرم يغسل بماء وسدر ولا يلبس مخيطاً ولا يقرب طيباً ولا يغطى رأسه ولا رجلاه ولا يقطع شعره ولا ظفره)

يعني المحرم إذا مات محرماً فإنه يبقى إحرامه بعد موته حكماً يبقى له حكم الإحرام حتى وهو ميت فيعامل على أنه محرم يغسل كما جاء في حديث الرجل الذي وقصته - أي دفعته - فسقط عن راحلته (اغسلوه بماء وسدر) (لا يمس طيب)لا يقرب من الطيب (لا يغطى رأسه ولا يقطع شيء من شعره ولا من ظفره) لأنه ممنوع من ذلك حال حياته فكذلك بعد موته ومما يدل على أنه يبقى على حاله محرماً وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه) يعني: لا تقربوا الحنوط وهو الطيب (ولا تخمروا رأسه) يعني لا تغطوا رأسه (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ).

(ويستحب دفن الميت في لحد وينصب عليه اللَّبِنُ نصباً كما فعل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يُدخَل القبرُ آجرَّاً ولا خشباً ولا شيئاً مسته النار )

والدفن فيه مسائل : نكتفي بما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- اختصاراً واقتصاراً

أولا: الوارد في كيفية الحفرة التي يوضع فيها الميت بعد الدفن: أولاً: يحفر القبر إلى عمق معين بحيث يبعد عن وصول الهوام وما أشبه ذلك ويصعب أيضاً نبشه

ثم في أسفل القبر هناك كيفيتان إما اللحد أو الشق:

اللحد: يحفر لأسفل ويحفر في مقدمة القبر باتجاه أفقي للقبلة .

الشق: أن يشق داخل القبر شق في الوسط ثم يوضع فيه الميت

واللحد أفضل من الشق كما قال المؤلف لقول سعد بن مالك -رضي الله تعالى عنه-: (الحدوا لي لحداً وانصبوا على اللبن نصباً كما صنع برسول الله -صلى الله عليه وسلم- )

الرسول -صلى الله عليه وسلم- لحد له ولم يشق القبر شقاً والكيفيتان واردتان ولكن اللحد أفضل لأنه هو الكيفية التي دفن بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

(ولا يدخل القبر آجرّ) الآجرّ: هو الطين المطبوخ الذي سوي بالنار (ولا خشباً ولا شيئا مسته النار) قالوا: تفاؤلاً بالسلامة من النار.

ثم قال (ويستحب تعزية أهل البيت والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة )

التعزية مسنونة ومشروعة ويترتب عليها مصالح للميت: الدعاء له ومصالح لأهل الميت أيضاً بتعزيتهم والشعور بأن المسلمين معهم ويحسون بمصابهم إلى آخره.

ولكن الاجتماع لأهل الميت وصنيعة الطعام والمشروبات من أهل الميت الحاضرين من النياحة المنهي عنها , بخلاف إعداد الطعام من الجيران والأقارب لأهل الميت لإعانتهم على مصابهم فهذا هو الوارد وهذا هو السنة.

ثم قال: (البكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة)

وقد جاء في ذلك حديث روي (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية فبكى) يعني: يحتضر (وبكى معه أصحابه فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى اللسان) يعني: النياحة والصراخ والصياح هذا هو الممنوع, هو الذي لا يجوز أما البكاء فهو جائز ومباح وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب) أما الندب والنياحة والصراخ والعويل والجزع هذا لا شك أنه محرم ولا يجوز.

والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) والحديث متفق عليه .

ثم قال -رحمه الله تعالى- (ولا بأس بزيارة القبور للرجال ويقول إذا مر بها أو زارها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون, اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم نسأل الله لنا ولكم العافية)

هذا بالنسبة لزيارة القبور وزيارة القبور مشروعة للرجال

وأما النساء ففيها خلاف ولكن الأرجح أنه يجوز للنساء بدون إكثار إن أمن منهن النياحة والصراخ ورفع الصوت ونحو ذلك وإلا منعن منها.

قال صلى الله عليه وسلم (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت ) والحديث رواه مسلم وجاء في صفة الزيارة ما رواه مسلم (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله العظيم لنا ولكم العافية)

والحكمة من المنع أو عدم الإكثار هو أن المرأة ضعيفة وعاطفتها جياشة , ربما تجزع وربما تفعل ما لا يجوز من التسخط والجزع والندب والنياحة سواءً في اتباع الجنازة أو في زيارة القبور.

ثم قال: (وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك )

وهذه قضية كبيرة وفيها كلام كثير وتفصيلات , بل فيها مؤلفات خاصة وهي مسألة إهداء القرب للأموات

والمؤلف -رحمه الله تعالى- قال:( وأي قربة فعله) يعني أي عبادة فعلها (وجعل ثوابها للميت المسلم فإنه ينفعه ذلك) ويصل إليه ومما يستدل على ذلك بقول الله- تبارك وتعالى-: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ﴾ فقالوا: هذا دعاء ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ وروى أبو داود (أن رجلاً قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أمه توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم )

وغيرذلك من النصوص التي تدل على وصول الثواب إلى الأموات من الأحياء

- وبعض أهل العلم يمنع

- وبعض أهل العلم يفرق بين الدعاء وغير الدعاء

- أو بين ما أوصى به الميت قبل موته أو ما لم يوصِ.

والمسألة فيها تفصيل كبير ولعلها تكون في مدونة خاصة مستقلة فيما بعد والله المستعان

انتهى باب الجنائز

والحمد لله رب العالمين.


ليست هناك تعليقات: