الأحد، نوفمبر 30، 2008

عقيدة -44 الإيمان باليوم الآخر

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان باليوم الآخر

ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة الذي لا يوم بعده، حين يبعث الناس أحياء للبقاء إمّا في دار النعيم وإمّا في دار العذاب الأليم.

اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب و الجزاء، و سمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم و أهل النار في منازلهم.

والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:

الأول: الإيمان بالبعث و هو إحياء الموتى... و هو موضوع هذا الدرس.

الثاني: الإيمان بالحساب و الجزاء، فيحاسب العبد على عمله و يجازى عليه... كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

الثالث: الإيمان بالجنة و النار و أنهما المآل الأبدي للخلق... كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

الــبــعــث

فنؤمن بالبعث وهو إحياء الله تعالى الموتى حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر:68). فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، حفاة بلا نعال، عراة بلا ثياب، غرلاً بلا ختان (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: الآية104).

البعث لغة: الإثارة والتحريك، و اصطلاحا: إخراج الموتى من قبورهم أحياء يوم القيامة؛ لفصل القضاء بينهم، فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرًا يره، و مَن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرًّا يره.

و يجب الإيمان بالبعث على الصفة التي بيَّنها الله في كتابه، وهو أنه جمعُ ما تحلَّل من أجزاء الأجساد التي كانت في الدنيا، و إنشاؤها خلقًا جديدًا، و إعادةُ الحياة إليها.

و البعث حق ثابت دل عليه الكتاب و السنة و إجماع المسلمين:

قال الله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون)، و قال النبي صلى الله عليه وسلم (يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلا) متفق عليه، و أجمع المسلمون على ثبوته على مرّ العصور.

و قد ورد في الكتاب و السنة الصحيحة ما يكمل الصورة و الحدث الرهيب ... و ذلك أن الله عز وجل إذا أذن بانقضاء هذه الدنيا؛ أمر إسرافيل عليه السلام أن ينفخ في الصور النفخة الأولى، فيَصْعَقُ كل من في السموات و من في الأرض إلا مَن شاء الله، و تصبح الأرض صعيدًا جُرُزًا، و الجبال كثيبًا مهيلاً، و يحدث كل ما أخبر الله به في كتابه، لا سيما في سورتي التكوير و الانفطار، و هذا هو آخر أيام الدنيا.

ثم يأمر الله السماء، فتمطر مطرًا ينبت منه الناس في قبورهم من عَجْبِ أذنابهم، وكل ابن آدم يبلى إلاَّ عجب الذنب (هو العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، و هو رأس العصعص).

حتى إذا تمَّ خلقُهُم وتركيبُهم؛ أمر الله إسرافيل بأن ينفخ في الصور النفخة الثانية (و ما بين النفختين أربعون)، فيقوم الناس من الأجداث أحياء، فيقول الكفّار والمنافقون حينئذ: (يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)؟، و يقول المؤمنون: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ).

ثم تحشرهم الملائكة إلى الموقف حفاةً غير مُنْتَعلين، عُراةً غير مكتسين، غُرلاً غير مختتنين...

س: ما فائدة البعث بعد الموت؟

ج: إن الحكمة تقتضي البعث بعد الموت لتجازى كل نفس بما كسبت، و لولا ذلك لكان خلق الناس عبثاً لا قيمة له، و لا حكمة منه، و لم يكن بين الإنسان و بين البهائم فرق في هذه الحياة. قال الله تعالى: )أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) )سورة المؤمنون، الآيتين: 155-116)، و قال الله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى)
(سورة طه، الآية: 15)، و قال تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين * إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (سورة النحل، الآيات : 38-40).

==فصل==

و قد أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن... و لقد قال الملحدون الجدد مثل قولهم، و هذا الزعم باطل دلّ على بطلانه الشرع و الحس و العقل.

أما دلالة الشرع على إمكان البعث فقد قال الله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) و قد اتفقت جميع الكتب السماوية عليه.

وأما دلالة الحس على إمكان البعث فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، و في سورة البقرة خمسة أمثلة على ذلك و هي:

المثال الأول: قوم موسى حين قالوا له لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم وفي ذلك يقول الله تعالى مخاطباً بني إسرائيل: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون).

المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ليخبرهم بمن قتله، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون).

المثال الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت وهم ألوف فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم وفي ذلك يقول الله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون).

المثال الرابع: في قصة الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله تعالى فأماته الله تعالى مائة سنة ثم أحياه وفي ذلك يقول الله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير).

المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل حين سأل الله تعالى أن يريه كيف يحي الموتى فأمره الله تعالى أن يذبح أربعة من الطير و يفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله ثم يناديهن فتلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض و يأتين إلى إبراهيم سعياً و في ذلك يقول الله تعالى: (وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم).

فهذه أمثلة حسية واقعة تدل على إمكان إحياء الموتى. وقد سبق الإشارة إلى ما جعله الله تعالى من آيات عيسى بن مريم في إحياء الموتى و إخراجهم من قبورهم بإذن الله تعالى.

وأما دلالة العقل على إمكان البعث فمن وجهين:

أحدهما: أن الله تعالى فاطر السماوات والأرض و ما فيهما خالقهما ابتداء (كما أثبتنا عقليا في دروس الإيمان بالله تعالى)، و القادر على ابتداء الخلق لا يعجزه عن إعادته، قال الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) وقال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) و قال آمراً بالرد على من أنكر إحياء العظام و هي رميم: (قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).

الثاني: أن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، و القادر على إحيائها بعد موتها قادر على إحياء الأموات، قال الله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير) و قال تعالى: (ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج).

*****

و الله أعلم.

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان باليوم الآخر.

كتب : محمد عبد المنعم

ليست هناك تعليقات: