الجمعة، أغسطس 22، 2008

الحكم الشرعي - الحاكــــــــــــــم

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ؛ انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ...
ذكرنا سابقا أن الأحكام الشرعية ( الواجب - المندوب - المباح - المكروه - الحرام ) ثابتة بخطاب الله تعالى ؛
ومعنى خطابه : القرآن الكريم والسنة والاجماع والاجتهاد الصحيح المبني على الأدلة والقواعد الشرعية .
ولذلك فورود هذه الأحكام يكون من الله سبحانه وتعالى الذى شرع تلك الأحكام وبينها بالتفصيل ؛
وبالتالى لم يختلف علماء المسلمون فى أن :
مصدر هذه الأحكام هو الله ؛ وأن لاحاكم سوى الله ؛ ولا تشريع الا من الله فقال تعالى : ( ان الحكم الا الله ) .
وقال : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الفاسقون ) .
ولكنهم اختلفوا فى معرفة أحكام الله وطريق ادراكها قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومدى قابلية
العقل لادراك الأحكام الشرعية من غير طريق النقل .
وهذا الخلاف فى مسألة الحسن والقبح العقليين قبل البعثة .
هل يستطيع العقل البشري أن يتوصل الى الحسن فبفعله والى القبيح فيجتنبه ؟!
ولذلك لابد أن نبين المراد من الحسن والقبح .ولهما معان ثلاث :
1- الحسن بمعنى موافقة الطبع والقبح بمعنى عدم موافقته .
2- الحسن بمعنى صفة الكمال والقبح بمعنى صفة النقص .
3- الحسن بمعنى استحقاق المدح والثواب والقبح بمعنى استحقاق الذم والعقاب .
ولا خلاف بين العلماء فى أن العقل يستقل بادراك القبح والحسن بالمعنيين الأولين والخلاف فى الأخير هل العقل يستقل بادراك الحسن والقبح بمعنى استحقاق الثواب والعقاب أم لا ؟
لذلك اختلفوا بما يعرف الحكم الشرعي ؟! هل يعرف عن طريق الرسل أو عن طريق العقل ؟
المذهب الأول : وهو مذهب الأشاعرة والجمهور :
ويقول : بأن العقل لا يستطيع أن يتعرف على حكم الله تعالى الا بواسطة الرسل المرسلين والكتب المنزلة .
واستدلوا بما يلى :
1- قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) :
وجه الدلالة : الآية واضحة الدلالة فى أن الأحكام الشرعية تعرف عن طريق الرسل لا عن طريق العقل ؛ لأنه لو كان الحكم يدركه العقل وحده لترتب على ذلك استحقاق العقاب ؛ وقد بينت الاية توقف العقاب على ارسال الرسل .
2- قوله تعالى : ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )
وجه الدلالة : لو كان العقل مستقل بادراك الحكم فى الفعل غير محتاج فى ذلك الى الشرع لترتب على ذلك قيام الحجة على الناس قبل بعثة الرسل ؛ وحيث ان الله نفى على الناس لبحجة قبل ارسال الرسل وأثبتها بعد ارسالهم ؛ دل على أن العقل وحده لايستقل بادراك الأحكام الشرعية .
3- اختلاف العقول فى الحكم على الأشياء الناتج فى أغلب الأحيان على الهوى والتشهي ؛ فالعقل قد يرى هذا الفعل حسنا وهو فى الحقيقة قبيحا أو العكس ؛ واذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن نقول أن العقل لايصلح أن يكون طريقا لمعرفة حكم الله .
المذهب الثاني : وهو مذهب المعتزلة :
ويقولون بأن العقل يستقل بادراك الحسن والقبح فى الأفعال.
واستدلوا بما يلي :
1- أن العقلاء جميعهم فى كل العصور - حتى من لم يكن منهم متدينا بدين متفقون على أن الصدق حسن والكذب قبيح ؛ فلو كان حسن الأفعال وقبحها متوقف على ورود الشرع لما أدرك غير المتدين بدين حسن الصدق أو قبح الكذب .
أجيب عن هذا الدليل بما يلي :
أن جميع العقلاء يدركون قبح الكذب بمعنى أنه صفة توجب اللوم والذم فى الدنيا وهذا قدر مشترك متفق عليه .
2- لو لم يكن العقل وحده مدركا لما فى الفعل من حسن أو قبح دون حاجة الى ورود الشرع بذلك لما ترجح الصدق عن الكذب عند حصول غرض المكلف بكل منها لاسيما من لم يعلم بشريعة من الشرائع لكن المكلف يرجح الصدق على الكذب عند تساويهما بالنسبة لغرضه فهذا يدل على أن العقل يدرك فى الفعل حسنا وقبحا .
أجيب عن هذا الدليل بما يلي :
يمتنع ترجيح الصدق على الكذب عند التساوي بينهما فى حصول الغرض ؛ فان المكلف لا يرجح واحدا منهما مع الآخر ولو سلمنا ترجيح الصدق على الكذب فليس ذلك لكون الصدق يثاب عليه فى الآخرة بل لأنه صفة كمال يمدح عليه فى الدنيا وهذا ليس محل نزاع .
المذهب الثالث : وهو للماتريدية :
يقولون : أن العقل قد يستقل بادراك الحسن والقبح فى بعض الأفعال كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ؛
لكنه لايلزم من ادراك حكم الله تعالى فيه ولا يلزم أن يأتي حكم الله تعالى موافقا لما أدركناه نحن من حسن وقبح .
وقد أثر عن أبي حنيفة أنه قال : ( لا عذر لأحد بالجهل بخالقه ) .
وهؤلاء استدلوا بما يأتي :
أن الحسن والقبح لو كانا شرعيين لكانت الصلاة والسرقة متساويين في نفس الأمر قبل بعثة الرسل فجعل أحدهما وهو الصلاة واجبا والآخر وهي السرقة محرما ليس أولى من العكس وهو ترجيح بلا مرجح وهذا مضاف لحكمة الله تعالى .
الرأي الراجح :
والراجح والله أعلم بالصواب:وهذا مايرجحه أساتذتى أيضا ؛ هو مذهب الماتريدية ؛
لأن مذهب الجمهور أهمل العقل وجعل الشرع هو كل شىء ؛ ومذهب المعتزلة غالى فى تقديره للعقل ولم يعتمد على الشرع فى شيء ، أما الماتريدية فجمعوا بين المذهبين ، أعطوا للعقل مكانا قبل ورود الشرع وعند وروده فان الشرع هو المعتبر .
ثمرة الخلاف :
ليس لهذا الخلاف ثمرة بالنسبة لمن بلغتهم الشريعة لاجماع العلماء على أن معيار الحسن والقبح بعد بلوغ الشريعة هو الشرع فما أباحه الشرع فهو حسن وما نهى عنه فهو قبيح .
وانما تظهر ثمرة الخلاف فيمن لم تبلغهم دعوة أي رسول من الرسل ويسمون بأهل الفترة فهم عند الأشاعرة ناجون وان عبدوا الأصنام .
وعند المعتزلة : هم يثابون على فعل المحاسن العقلية ويعاقبون على فعل القبائح العقلية .
وعند الماتريدية : ممدوحون بما فعلوا من حسن عقلي مذمومون بما فعلوا من قبح عقلي ؛ وان كانوا غير معاقبين أو مثابين فى الآخرة ، ذلك لعدم التلازم بين ادراك العقل وورود الشرع .
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولى ذلك والقادر عليه ؛؛؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

هناك تعليقان (2):

عصفور المدينة يقول...

هل يصح أن أقول إن لهذا الموضوع ثمرة فيمن كان لايعلم الحكم الشرعي ونزلت به نازلة لا يمكنه الاستفتاء فيها وخاصة إذا استنار هذا العقل بمعرفة مقاصد الشريعة؟؟

فتى الإسلام يقول...

بارك الله فيكم ولاكني اريد ان اعرف
اسامي اشخاص الى يديرون الموقع هل هم من علماء ام لا