الخميس، أبريل 10، 2008

المحكوم فيه

بسم الله الرحمن الرحيم
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا انه من يهده الله فلا مضل له ؛ ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشداا ؛
نبتدىء اليوم بابا جديدا من أبواب أصول الفقه ؛ وفيه الحديث عن الحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه ؛
ويفترض بى البدء فى الحديث عن الحاكم الا أن كثرة خلافات الأصوليين وغيرهم فيه يجعلنى أؤجله لوقت قريب باذن الله ؛
وسأبدأ بالحديث عن المحكوم فيه :
والمحوم فيه هو : فعل الانسان المكلف الذى حكم فيه من قبل خطاب الله تعالى وتعاليمه وأوامره ونواهيه ؛
ويشمل فعل المكلف : كل مايصدر عنه من أقوال وأفعال وتصرفات على نحو صلاته وصومه وحجه وزكاته وبيعه وشرائه وكل أعمال المكلف التى قد صدرت فيه أحكام الشارع تعالى بالوجوب أو التحريم أو الاستحباب أو بالتخيير والاباحة .
وقت اتجاه التكليف بالفعل :
اتفق الأصوليون على أن التكليف لا يتجه بعد مباشرة الفعل لأنه عبث اذ هو طلب لتحصيل الحاصل .

والجمهور على أن المقصود بالتكليف بالفعل : المباشرة سواء كان قبل دخول الوقت أم بعده الا أن التكليف قبل دخول الوقت يكون على سبيل الاعلام فقط .
وقطعا ... امتثال الانسان لأمر الشارع وفعله للمأمور به على الوجه المطلوب شرعا مسقط للطلب ويقتضى الاجزاء وبراءة الذمة اذا خلصت النية .
شروط المحكوم فيه :
يشترط لصحة التكليف بالفعل شروط هى مايلى :
أولا : أن يكون الفعل معلوما للمكلف علما تاما .حتى يستطيع أداؤه على الوجه المطلوب .
والمراد بعلم المكلف امكان العلم ؛ وليس حصول العلم الحقيقى ؛ ولهذا قال لبفقهاء : العلم مفترض فيمن هو فى دار الاسلام ؛ ولذلك اشترط امكان العلم وليس العلم حتى لاتتسع دائرة الاعذار بالجهل؛ فمتى بلغ المكلف عاقلا قادرا على فهم الأحكام الشرعية اما بنفسه أو بسؤال أهل الذكر ، اعتبر عالما ولا يقبل الاعتذار بالجهل فى دار الاسلام .
ويتفرع على هذا الشرط : عدم صحة التكليف بأحكام النصوص المجملة قبل أن تبين
ثانيا : أن يكون معلوما أن التكليف به صادرا ممن له سلطان التكليف ؛ لأن المكلف بهذا العلم تتجه ارادته الى امتثاله لأنه يتصور فيه قصد الطاعة ، لذلك فأول بحث فى أى دليل شرعى هو حجيته على المكلفين .
ثالثا : أن يكون الفعل فى قدرة المكلف فعله أو الكف عنه لأن المقصود من التكليف الامتثال فان خرج الفعل عن قدرة المكلف وطاعته لم يتصور الامتثال فيكون التكليف عبثا منزه عنه الشارع الحكيم .
ويترتب على هذا الشرط مايلى :
1- لا يصح التكليف بالمحال:
سواء كان محالا لذاته أو لغيره ؛
فالمستحيل لذاته : هو مالايتصور العقل وجوده كالجمع بين الضدين أو النقيضين كالجمع بين النوم واليقظة فى وقت واحد .
والمستحيل لغيره هو مايتصور العقل وجوده ولكن العادة لا تجرى به كتصور الكتابة من غير يدين أو المشي من غير رجلين .
فالمستحيل بنوعيه لايصح التكليف به لتعذر الامتثال ولعدم وجود ثمرته و ( لايكلف الله نفسا الا وسعها )
2- لايصح شرعا تكليف المكلف بأن يفعل غيره فعل ما أو يكف عن فعل ما لأن فعل أو كف غيره ليس ممكنا له ؛ وانما كل مايكلف به الانسان تجاه غيره هو النصح والارشاد والتوجيه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
3- لايصح شرعا التكليف بالأمور الجبلية :
وهذه هى الأمور التى لادخل للانسان فيها كالحمرة عند الخجل والصفرة عند الخوف فهى ليست خاضعة للانسان وانما هى خارجة عن اردادته .
**** ماورد من النصوص التى يوهم ظاهرها التكليف بالأمور التى لاقدرة للانسان عليها ؛ فهى راجعة فى التحقيق الى مقدور الانسان لأنه قد يلحق هذا الفعل أو يسبقه .
مثــــــــلا : قول الله تعالى ( ولا تموتن الا وأنتم مسلمون )
فالأمر بأن يموت الانسان على الاسلام راجع الى قدرة الله تعالى لكن المطلوب من الانسان أن يفعل فى الدنيا مايعينه على تحقيق هذا الأمر حين يموت .
وكــــــذلك : قوله تعالى : ( لكيلا تأسوا على مافاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم )
فظاهر الآية التكليف بأن لايحزن الانسان على شىء فاته ولا يفرح بشىء أتاه وهذا غير مقدور لكن مانهى عنه هو الاسترسال فى الحزن أو الفرح .
وكـــــذلك : قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لاتغضب )
فالأمر بعدم الغضب غير مقدور للانسان لأن الغضب أمر باطني لكن عند التحقيق نجد أن المنهى عنه ممارسة الأسباب والدوافع التى تؤدى الى ظهور الغضب والمطلوب هو ضبط النفس عند الغضب فالمسلم العال مأمور بتجنب أسباب وطرق حصول الغضب .
وكـــــــذلك : قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تحابوا ولاتباغضوا ) :
فالحب والبغض ليس فى مقدور المكلف ولكن المأمور به : قيام أسباب المحبة والاخوة كالقاء السلام ورده ودوام المعروف وادخال السرور على قلوب المسلمين وتفريج كربهم .
وهكذا .... كل ماورد من أمثال هذه النصوص فهو مؤول بأن التكليف به اما ورد على مايلحق الأمر الطبيعى ويترتب عليه من آثار أو على مايسبقه من بواعث ودوافع وهذه اللواحق والسوابق أمور كسبية للانسان وفى مقدوره ....
فى الدرس القادم نتحدث بمشيئة الله عن التكليف بالشاق من الأعمال ..
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ماينفعنا انه ولى ذلك والقادر عليه ؛؛؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

ليست هناك تعليقات: