السبت، ديسمبر 29، 2007

عقيدة -14 الإيمان بالله - حول بعض آيات الصفات (6)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالله – حول بعض آيات الصفات (6)

ونؤمن بأن الله عز وجل عليّ على خلقه بذاته وصفاته لقوله تعالـى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (سورة البقرة من الآية: 255) ، ...

حول صفة العلوّ في الآيات

أما علوّه بصفاته فقد اتفقت عليه الأمة سُـنـّـيـّـها و غيرهم ما عدا المُـمَـثــِّـلة (التمثيل هو التشبيه؛ و التشبيه ينقسم إلى قسمين: الأول تشبيه المخلوق بالخالق: كتشبيه النصارى المسيح ابن مريم بالله و كتشبيه المشركين أصنامهم بالله، الثاني تشبيه الخالق بالمخلوق: و ذلك كتشبيه الذين يقولون له وجه كوجه المخلوق و يد كيد المخلوق و سمع كسمع المخلوق و نحو ذلك) ...

و لا يمكن لأحد أن يماثله في صفاته...

أما علوّه بذاته فهذا محل النزاع و الجدال بين طوائف الأمة:

فأهل السنة يقولون: بأنه عليّ بذاته كما هو عليّ بصفاته.

و أما أهل البدع فانقسموا في ذلك إلى قسمين: قسم قال: إنه في كل مكان بذاته، و قسم آخر على العكس من ذلك؛ فيصفون الله بأنه لا فوق و لا تحت و لا داخل العالم و لا خارج العالم و لا متصل بالعالم و لا منفصل عن العالم ... و هذا - و العياذ بالله - صفة العدم؛ فإنك إذا أردت أن تصف العدم فإنك لن تصفه بأكثر من ذلك!

(إن الله عليّ بذاته) و قد دلّ على ذلك القرآن و السنة والإجماع و العقل و الفطرة...

فمن الكتاب: فما أكثر ما يصف الله تعالى نفسه بالعلوّ، مثل قوله: (سبح اسم ربك الأعلى) – (و هو العلي العظيم) – (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) – (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) ...

و من السنة: فقد اشتملت أنواع الدلالة على علوّ الله في السنة الفعلية و القولية و الإقرارية، مثل قوله: (سبحان ربي الأعلى)– (...الماء فوق ذلك و الله فوق العرش)، و مثل فعله: في يوم عرفة لما كان يشير بيديه إلى السماء أن هل بلغت؟ اللهم فاشهد، و مثل إقراره: لما سأل الجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: إنها مؤمنة فأعتقها.

و من الإجماع: فما أحد من الصحابة و التابعين و من بعدهم فـسّـر هذه النصوص و أوَّلها عن ظاهرها، و هذا دليل على أن الله عليّ بذاته، و طريقة إثبات الإجماع من هذا الوجه تعتبر من أحسن ما يكون: فإذا قال قائل: أرونا حرفا واحدا مما قاله الصحابة و التابعون في أن الله عليّ بذاته! نقول لهم: لا حاجة لهم لذلك؛ فهم يقرؤون القرآن و يسمعون السنة و لم يقل أحد منهم أن الله ليس فوق سماواته؛ فكل آثار السلف ليس فيها أثر واحد يقول أن الله ليس في السماء و عند ذلك يكونون مجمعين على مقتضى هذه الأدلة و هو أن الله بذاته في السماء.

و من العقل: فهل العلوّ صفة نقص أم صفة كمال؟ صفة كمال، و هل السُـفل صفة نقص أم صفة كمال؟ صفة نقص؛ و العقل يثبت لإله الكون و ربّه كل صفات الكمال و ينفي عنه كل صفات النقص.

و من الفطرة: فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء (أي في جهة العلوّ) حتى الكفار .. بدليل أنه يدعوه بداهة و يرتفع قلبه نحو السماء، بل إن العجوز التي لم تدرس العقيدة تقول عند الدعاء ياااااا رب، و ترفع يدها و رأسها إلى السماء!، و ما من عابد يقول يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة لطلب العلوّ.

== فصل ==

هنا تظهر الإشكال الذي يرد به أهل البدع على أهل السنة:

س: إنكم – يا أهل السنة – إذا قرّرتم ذلك فقد خالفتم القرآن؛ لقوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا...)، و قوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم)، و قوله: (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون)، إن هذه الآيات كلها تدل على عدم العلوّ الذاتيّ! ففي الآية الأولى مثلا: (في) هنا ظرفية فقد حصرت الله في السماء لأن الظرف أكبر من المظروف، فتكون السماء قد أحاطت بالله، و أنتم – يا أهل السنة – تقولون أن السماء لا تحيط به، فإما أن تقولوا أنه في السماء و هي محيطة به، أو تنفوا أن الله في السماء فتخالفون الآية...

ج: تفسير الآية الأولى أحد وجهين:

الأول: إما أن يكون قوله (في السماء) أي على السماء، فـ (في) تأتي في القرآن أحيانا بمعنى (على)؛ لقوله تعالى: (قل سيروا في الأرض...) أي على الأرض، و قوله: (ولأصلبنكم في جذوع النخل...) يعني عليها، فإذا جعلت (في) بمعنى (على) زال الإشكال، فيكون الله عز و جل فوق السماء.

الثاني: أن المراد بالسماء (العلو) لأن السماء في اللغة العربية كل ما علا، فيقول (من في السماء) أي في العلو، فـ (السماء) تأتي في القرآن أحيانا بمعنى (العلوّ)؛ لقوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة...) و الماء ينزل من السحاب و السحاب ليس هو السماء بل هو مسخر بين السماء و الأرض بنص القرآن في قوله: (والسحاب المسخر بين السماء والأرض...)، فجاءت هنا بمعنى العلوّ.

فالله في العلو المطلق الذي لا يكون معه أحد فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء.

و أما التفسير في الآية الثانية: فمن المعلوم أن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد و لكن معناها هو كقولك: فلان أمير في مكة و أمير المدينة: يعني أن إمرته في هذا و في هذا، أما مكانه ففي واحدة منهما، و هذه الآية كذلك: فهو إله مَن في السماء و إله مَن في الأرض و هذا واضح، و لهذا قال: (في السماء و في الأرض) و لم يقل في السماء فقط أو في الأرض فقط.

و التفسير في الآية الثالثة، رد عليهم من وجهين:

الأول: كما في قوله في الآية السابقة (و هو الذي في السماء ...)، أي أنه مألوه (معبود) في السماوات و الأرض و بهذا يكون الجار و المجرور و المعطوف متعلقا بلفظ الجلالة.

الثاني: أو نقول (في السماوات)... و نقف ... (و في الأرض يعلم سركم و جهركم) ... فيكون جلال المعنى في هذه الآية: أنه مع كونه في السماء يعلم سركم و جهركم.. فليس علوّه في السماء بمانع أن يعرف سركم و جهركم.

و بهذا يبقى العلو الذاتي ثابتا.

== الخلاصة ==

خالف في العلوّ الذاتي طائفتان:

طائفة قالوا: إنه في كل مكان بذاته و العياذ بالله: في المسجد في السوق في البر و البحر حتى في الأماكن القذرة ... في كل مكان، و هذا يدل على أنه إما أن يكون متجزءا أو متعددا و هذه مقدمة للقول بأنه حالّ في كل شيء، و لهذا قال ابن القيم في هذا القول: أنه أخبث من قول النصارى؛ فالنصارى خصّوا الحلول بعيسى بن مريم فلم يجعلوا الله في كل مكان و خصّوه بمكان طاهر، أما هؤلاء فقالوا أنه موجود في كل مكان، و لذلك فهم أخبث لأنهم لم ينزهوه عن أي شيء.

و طائفة اخرى قالوا: لا يجوز أن تصف الله بأنه في مكان إطلاقا: لا تقل في السماء أو في الأرض و لا متصل بالعالم و لا منفصل عنه، فبهذا جعلوا الله تعالى عدماً.

أما أهل السنة و الجماعة فنؤمن بأن:

الله تعالى فوقنا معنًى و ذاتاً...

الله تعالى له العلو المطلق: علوّ القدر و علوّ القهر و علوّ الذات ... سبحانه.

== فصل ==

وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 18)

القاهر: الغالب.

فوق عباده: ذاتياًَ و معنوياًَ.

الحكيم: ذو الحُـكم و الحِـكمة ؛ فذو الحكم: أي أن الله له الحكم كما في قوله: (له الحكم و إليه ترجعون)، و حكم الله نوعان: الأول كوني و مثاله قول الله تعالى عن أخي يوسف: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي) أي يقدّم لي ذلك، و الثاني شرعي و مثاله قوله تعالى في سورة الممتحنة: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم و هو العليم الحكيم)، و قوله: (أليس الله بأحكم الحاكمين) حكم كوني و شرعي. أما الحكمة: فهي وضع الشيء موضعه اللائق به بحيث لا يقول العقل ليته لم يضعه هنا، و حكمة الله نوعان: الأولى صورة الشيء و الثانية الغاية من هذا الشيء، مثال: الصلاة في صورتها على هذا الوجه من قيام و ركوع و سجود حكمة، و الغاية منها تكفير الخطايا، مثال آخر: المطر يروي الأرض فكونه ينزل من فوق و يكون على شكل رذاذ فهذا لحكمة لأنه لو كان يجري على الأرض لم يستفد أعلى الجبال منه و لو كان يصب صباًَ كأفواه القرب لتأذى الناس منه و تهدم البناء، و الغاية منه عظيمة و هي: الشرب و إنبات الأرض و إزالة الغبرة... إلى غير ذلك من الفوائد الكبيرة.

الخبير: أي العليم و لكنها أخص لأنها تتعلق ببواطن الأمور و خفاياها.

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بأسماء الله و صفاته

ليست هناك تعليقات: