السبت، ديسمبر 08، 2007

عقيدة -11 الإيمان بالله - حول بعض آيات الصفات (3)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالله – حول بعض آيات الصفات (3)

ونؤمن بأن الله (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 34)

تفسير الآية

علم الساعة: الساعة: هي الساعة الكبرى التي يموت فيها الناس ثم يبعثون، و ينـزل الغيث: الغيث: المطر تزول به الشدة، و أما المطر إذا لم تزل به الشدة فليس بغيث، لقوله صلى الله عليه و سلم كما في صحيح مسلم: ليست السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا (و السنة هي الجدب)

و يعلم ما في الأرحام: الأرحام جمع رحم و هو وعاء الجنين في بطن أمه، و الآية شاملة كل ذات رحم من الآدميين و غيرهم، و علمه بما في الأرحام علم بنفس الجنين و علم بعمله و علم بمآله و أجله و غير ذلك من متعلقاته...

و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا: نفس: نكرة في سياق النفي من صيغ العموم، فتعم كل نفس، و إن كنا سنقدر أن شخصا قرر أنه سيفعل غدا كذا و كذا هل هو يدري أنه سيكسبه فعلا؟ فقد يحال بينه و بينه بتغيير الفكر و الإرادة أو بالعجز أو بصرف القهر كإنسان يمنعه من ذلك و غير ذلك... و قال: ماذا تكسب و لم يقل ماذا تعمل؛ لأن المدار كله على الكسب فالعمل قد يذهب هباء لا ينتفع به الإنسان و قد يكتسب به خيرا إما في الدين أو في الدنيا، فلا تعلم أي نفس ماذا تكسب من خير و شر، و من نفع و ضر، و من يسر و عسر، و من صحة و مرض، و من طاعة و معصية. فالكسب هو كل ما تصيبه النفس في الغداة. و هو غيب مغلق، عليه الأستار. و النفس الإنسانية تقف أمام سدف الغيب، لا تملك أن ترى شيئا مما وراء الستار.

و ما تدري نفس بأي أرض تموت:... فذلك أمر وراء الستر المسبل السميك الذي لا تنفذ منه الأسماع والأبصار!

== فائدة ==

قال صلى الله عليه و سلم: مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير – رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

فهذه الخمس هي مفاتح الغيب كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم . . .

عنده علم الساعة: مفتاح لعالم الآخرة، و الساعة هي التي يبعث بها الناس، و قد تشمل ما هو أعم و هي ساعة الإنسان؛ لأن الساعة نوعان: ساعة عامة لجميع الخلق و هي القيامة الكبرى و ساعة خاصة لكل إنسان بنفسه و هي القيامة الصغرى، و لهذا قيل من مات فقد قامت قيامته، و هو علم خاص بالله لا يعلمه حتى أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، و لكنها لها أشراط (علامات و أمارات) منها ما جاء و منها ما هو مُـنتـَـظـَـر.

و ينزل الغيث: مفتاح إحياء الأرض بعد موتها، و هو يشبه مفتاح إحياء الناس بعد موتها.

و يعلم ما في الأرحام: مفتاح لكل إنسان بحسبه لأن هذه نشأة الحياة تكون في الرحم.

و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا: مفتاح الزمان فالأعمال في المستقبل لا يعلمها إلا الله.

و ما تدري نفس بأي أرض تموت: مفتاح عالم الآخرة لكل إنسان بحسبه و وجه ذلك أن من لا يدري بأي أرض يموت لا يدري قطعا بأي زمن يموت، لأن خفاء الزمن أبلغ من خفاء المكان، و لأن الإنسان يتحكم في المكان أكثر من تحكمه في الزمان بل لا يتحكم في الزمان إطلاقا

إذ إن الإنسان قد يقدّر أنه لن يرتحل عن هذه الأرض و يقول: سيأتيني أجلي و أنا هنا، لكن مع ذلك إذ أراد الله له أن يموت في أرض جعل له حاجة فيها.

== فصل ==

إن الله عليم خبير: العلم يشمل العلم بالظواهر و البواطن، و الخبرة هي العلم ببواطن الأمور فيكون في هذه الآية إثبات:

- اسمين من أسماء الله و هما العليم و الخبير.

- صفتين من صفات الله و هما العلم و الخبرة.

== فصل ==

ما يستفاد من الآية

فائدة 1- لا أحد يعلم متى تكون الساعة، وجه ذلك الحصر في قوله تعالى (و عنده علم الساعة)، و الله سبحانه قد جعل الساعة غيبا لا يعلمه سواه، ليبقى الناس على حذر دائم، و توقع دائم، و محاولة دائمة أن يقدموا لها، و هم لا يعلمون متى تأتي، فقد تأتيهم (الساعة الكبرى أو الصغرى) بغتة في أية لحظة، و لا مجال للتأجيل في اتخاذ الزاد، و كنز الرصيد.

فائدة 2- لا أحد يعلم متى ينزل المطر الذي به الغيث - لقوله (و ينزل الغيث) - فإذا كان الله هو الذي ينزل الغيث فهو أعلم متى ينزل، و الله ينزل الغيث وفق حكمته، بالقدر الذي يريده؛ و قد يعرف الناس بالتجارب و المقاييس قرب نزوله؛ و لكنهم لا يقدرون على خلق الأسباب التي تنشئه، و النص يقرر أن الله هو الذي ينزل الغيث، لأنه سبحانه هو المنشىء للأسباب الكونية التي تكونه و التي تنظمه.

== فائدة ==

هنا قد تظهر هذه الإشكالية

س: أليست نشرة الأحوال الجوية تتنبأ بنزول أمطار أو هبوب رياح......؟!

ج: بلى، و لكن...

1- حتى لو علمنا أنه سينزل مطر غدا فلا نعلم أنه سيكون غيثا أم لا.

2- أنهم يتكلمون عن أمر محسوس (و هو تكيف الجو باستخدام أجهزة دقيقة يعرف بها أن الجو مهيأ أو غير مهيأ و الخطأ في هذا كثير) لا عن أمر غيبي.

3- أن هؤلاء لا يعلمون متى سينزل المطر بعد سنتين أو ثلاث، فعلمهم محصور في 24 أو 36 ساعة و ليس للزمن البعيد.

== فصل ==

فائدة 3- لا يعلم ما في الأرحام إلا الله عز و جل، في جميع متعلقات الحمل و الجنين: ماذا في الأرحام في كل لحظة و في كل طور، من فيض و غيض، و من حمل حتى حين لا يكون للحمل حجم و لا جرم، و نوع هذا الحمل ذكرا أم أنثى، حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئا في اللحظة الأولى لاتحاد الخلية و البويضة. و ملامح الجنين و خواصه و حالته و استعداداته.. فكل أولئك من ما يختص به علم الله تعالى.

== فائدة ==

هنا قد تظهر هذه الإشكالية

س: مع تطور العلم أمكن التعرف على جنس الجنين بدقة، مثل استخدام الأشعة التلفزيونية (و هي نوع من الأشعة التشخيصية يطلق عليها اسم السونار، باستخدام موجات فوق صوتية عالية التردد، ترتد بعد ارتطامها بالأنسجة محدثة صوتا و صدى: هذا الصوت يتحول إلى صورة مرئية)، كذلك معرفة إذا كان هناك أية تشوهات جسدية بالجنين (باستخدام السونار ثلاثي الأبعاد أو باستخدام الفحص الجيني للسائل المحيط بالجنين)، و كذلك علاج بعض أمراض الأجنة داخل الرحم... و غير ذلك... فما قولكم؟

ج: هذا لا ينافي الآية الكريمة لأن الله عز و جل يعلم كل متعلقات الجنين من رزقه و عمله و أجله و غير ذلك مما لا يستطيع البشر إدراكه مهما تطور العلم، كما أنهم لا يعلمون إذا كان ذكراًَ أو أنثى إلا بعد أن يخلق ... لا مقارنة هنالك بين علم الله و خبرته و قدرته و بين علم و خبرة و قدرة البشر!

== فصل ==

فائدة 3- أن الإنسان لا يعلم ماذا يكسب غداًَ، قال تعالى: (ولا تقولن لشيء: إني فاعل ذلك غدا)

فإذا قال أحد أنه سيزور فلاناًَ غداًَ فإنها تدل على نيته بالزيارة لأنه لا يدري هل يفعله أم لا...

و يتفرع من هذا أن من ادّعى علم الغيب في المستقبل فإنه كاذب و تكذيب القرآن كفر صراح..

== فصل ==

في ظلال الآية

إن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة، تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود، و عجزها الواضح، و يتساقط عنها غرور العلم و المعرفة المدعاة. و تعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلا؛ و أن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس. و لو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يدرون ماذا يكون غدا! بل ماذا يكون اللحظة التالية. و عندئذ تطامن النفس البشرية من كبريائها و تخشع لله.

و السياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة..

رقعة فسيحة في الزمان و المكان، و في الحاضر الواقع، و المستقبل المنظور، و الغيب السحيق. و في خواطر النفس، و وثبات الخيال: ما بين الساعة البعيدة المدى، و الغيث البعيد المصدر، و ما في الأرحام الخافي عن العيان. و الكسب في الغد: و هو قريب في الزمان ومغيب في المجهول.. و موضع الموت و الدفن، و هو مُبعِد في الظنون.

إنها رقعة فسيحة الآماد و الأرجاء. و لكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها، و تجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول؛ و نقف بها جميعا أمام كوة صغيرة مغلقة، لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد، و لانكشف القاصي منها و الداني .. و لكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان، لأنها فوق مقدور الإنسان، و وراء علم الإنسان، تبقى خالصة لله لا يعلمها غيره، إلا بإذن منه و إلا بمقدار، (إن الله عليم خبير) و ليس غيره بالعليم و لا بالخبير .. إلا بنسبة ذاتهم إلى ذاته سبحانه و تعالى!

و هكذا تنتهي سورة لقمان، كما لو كانت رحلة هائلة بعيدة الآماد و الآفاق و الأغوار و الأبعاد، و يؤوب القلب من هذه الرحلة المديدة البعيدة، الشاملة الشاسعة، وئيد الخطى لكثرة ما طوف، و لجسامة ما يحمل، و لطول ما تدبر و ما تفكر، في تلك العوالم و المشاهد و الحيوات!

و هي بعدُ سورة لا تتجاوز الأربع و الثلاثين آية! فتبارك الله خالق القلوب، و منزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور، و هدى و رحمة للمؤمنين..

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بأسماء الله و صفاته

هناك تعليق واحد:

محمد عبد المنعم يقول...

الأخت رفقة عمر
آسف جدا على تأخر ردي على سؤالك في الدرس قبل قبل الماضي
قد أجبت عليه
https://www.blogger.com/comment.g?blogID=7569836787591265460&postID=2580903905708223340
و جزاكم الله خيرا