الأحد، نوفمبر 18، 2007

عقيدة-8 الإيمان بالله - حول آيات سورة الحشر (2)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالله – آيات سورة الحشر

ونؤمن بأنه (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحشر: 22 - 24).

تفسير الآيات (تابع)

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ لجميع المخلوقات، و الخالق هو من اتصف بالخلق: و هو الإيجاد بعد العدم، و هو من خصائصه عز وجل...

== فائدة ==

س: كيف يقال إن الخلق من خصائص الله عز و جل، و قد ثبت أن غير الله موصوف بأنه يخلق... في مثل قوله تعالى: (فتبارك الله أحسن الخالقين) و قوله عليه الصلاة و السلام (الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة. يقال لهم: أحيوا ما خلقتم..)؟

ج: الخلق المضاف للمخلوق ليس المقصود به الإيجاد بعد العدم و إنما هو تغيير و تحويل، و ليس تبديلا، كالصانع يحوّل صفائح الحديد إلى قدور و أواني فيقال خلقها قدراًَ أو خلقها آنية...

== فصل ==

الْبَارِئُ: الخالق بحكمته و لطفه لجميع البريات على غير مثال سبق.

الْمُصَوِّرُ: بحسن خلقه لجميع الموجودات، أعطى كل شيء خلقه و جعله على صورة معينة يتميز بها، ثم هدى كل مخلوق و كل عضو لما خُلق له و هُيئ له.

فالله تعالى قد تفرد ﺑﻬذه الأوصاف المتعلقة بخلقه، لم يشاركه في ذلك مشارك، و هذا من براهين توحيده، و أن من تفرد بالخلق و البرء والتصوير فهو المستحق للعبودية و ﻧﻬاية الحب و غاية الخضوع.

لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى و قد ورد في الحديث الصحيح: إن لله تسعة و تسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة... يعني: أحصى ألفاظها و حفظها و عقلها و تعبد لله ﺑﻬا، فهو تعالى الذي له كل اسم حسن، و كل صفة جلال و كمال، فيستحق من عباده كل إجلال و تعظيم و حب و خضوع...

و أسماؤه سبحانه حسنى في ذاتها؛ بلا حاجة إلى استحسان من الخلق و لا توقف على استحسانهم.

و الحسنى التي توحي بالحسن للقلوب و تفيضه عليها... و هي الأسماء التي يتدبرها المؤمن ليصوغ نفسه وفق إيحائها و اتجاهها، إذ يعلم أن الله يحب له أن يتعبد بها و أن يتدرج في مراقيه و هو يتطلع إليها.

== فائدة ==

المقصود بالتعبد بأسماء الله تعالى و صفاته:

1- تحقيق العلم بها ابتداءً، و فقه معاني هذه الأسماء و الصفات.

2- العمل بها:

- فيتصف بالصفات التي يحبها الله تعالى: كالعلم، و العدل، و الصبر، و الرحمة.. و نحو ذلك، و ينتهي عن الصفات التي يكرهها الله تعالى من عبيده مما ينافي عبوديتهم له سبحانه، كالصفات التي لا يصح للمخلوق أن يتصف بها كالكبر و العظمة و الجبروت... فيجب على العبد إزاءها الإقرار بها و الخضوع لها.

- و يدعو الله تعالى بها؛ كما قال سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) الأعراف.

- و يجتهد في تعظيمها و إجلالها، و تحقيق ما تقتضيه من فِعْل المأمورات و ترك المحظورات.
يقول ابن تيمية: (إن من أسماء الله
تعالى و صفاته ما يُحمد العبد على الاتصاف به كالعلم و الرحمة والحكمة وغير ذلك، و منها ما يذم العبد على الاتصاف به كالإلهية و التجبر و التكبر، و للعبد من الصفات التي يُحمد عليها و يؤمر بها ما يمنع اتصاف الربّ به كالعبودية و الافتقار و الحاجة و الذل و السؤال و نحو ذلك.. ).

== فصل ==

و خاتمة هذه التسبيحة المديدة بهذه الأسماء الحسنى، و السبحة البعيدة مع مدلولاتها الموحية و في فيوضها العجيبة، هي مشهد التسبيح لله يشيع في جنبات الوجود، و ينبعث من كل موجود:

يسبح له ما في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم..

و هو مشهد يتوقعه القلب بعد ذكر تلك الأسماء، و يشارك فيه مع الأشياء و الأحياء.. كما يتلاقى فيه مطلع السورة و ختامها... في تناسق و التئام.

يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يعني: من المكلـّـفين (إنسا و جنا) و الملائكة و الحيوانات و الأشجار و الجمادات (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولـكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا {44} الإسراءو التسبيح تنزيه الله عن النقص و العيب، و ذلك يتضمن كمال صفاته.

== فصل ==

س: هل معنى هذه الآية مطابق للواقع؟

ج: لا، لكن يقال: التسبيح نوعان:

تسبيح بلسان الحال، و تسبيح بلسان المقال.

فكل شيء يسبح الله تسبيحاً حقيقياً بلسان الحال و المقال إلا الكافر؛ فإن تسبيحه بلسان الحال فقط؛ لأنه يصف الله بلسانه بما لا يليق بالله عز وجل.

== فصل ==

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: في خلقه و شرعه...

الحكيم: حَـكَـم: من الحُـكم، و حَـكَـم من الإحكام الذي هو الإتقان.

و حُـكم الله عز وجل يكون كونياًَ و يكون شرعياًَ:

- كونياًَ: من مثل قوله تعالى (أو يحكمَ الله لي....)

- شرعياًَ: من مثل قوله تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون؟) و قوله (ذلكم حكم الله)

- كونياً و شرعياً: من مثل قوله تعالى (أليس الله بأحكم الحاكمين؟)

و حِكمة الله عز وجل تكون كونية و تكون شرعية...

و قد تكون في كون الشيء على هذا الوجه المعين (صورية)

و قد تكون في الغاية من هذا الشيء (غائية)

فحكمة خلق الإنسان تتمثل مثلا في خلق أعضائه بهذه الكيفية لأداء وظيفتها كأحسن ما يكون

و حكمة التشريع تتمثل مثلا في جلب النفع و دفع الضر عن الإنسان في دينه و نفسه و عقله و عرضه و ماله ...

فله الحكمة البالغة، لكن أحياناًَ نعلمها و أحياناًَ تقصر عقولنا عنها لأننا قاصرون، ثم إن الحكمة أحياناًَ تكون واضحة و أحياناًَ تكون خفية لا يعلمها إلا الراسخون في العلم.

فحكمة الله ثلاثة أقسام من حيث الظهور و الخفاء:

- واضحة لكل أحد.

- خفية على كل أحد.

- واضحة لأهل العلم الراسخين فيه خفية على من دونهم.

الخلاصة:

الحكم: كوني و شرعي.

الحكمة: غائية و صورية.

العزيز: الذي له العزة جميعا: عزة القدر و الشرف و السيادة، و عزة القهر و الغلبة لكل مخلوق؛ فكلهم نواصيهم بيده، و ليس لهم من الأمر شيء، و عزة الامتناع... ممتنع في حقه كل نقص، و لا يُعارَض و لا يُمانَع، و ليس له ندّ و لا ضدّ.

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بأسماء الله و صفاته

هناك 4 تعليقات:

اصرار أمل يقول...

بارك الله فيكم ....

كرم مسلم يقول...

السلام عليكم

جزاك الله خيرا يامحمد
وبارك فيك
فى انتظار تفاصيل الايمان بأسماء الله وصفاته

رفقة عمر يقول...

ماشاء الله لقوة الا بالله
جزاك الله خيرا
بس انا مش فهمت جزئيه احسن لخالقين ممكن توضيح اكتر من فضلك

محمد عبد المنعم يقول...

أشكرك إصرا أمل
==
و جزاك أخي كرم ... و التفاصيل قادمة
==
أخت رفقة.. آسف جدا أني لم أر سؤالك هذا إلا متأخرا جدا
الإجابة: كان السائل الافتراضي يستشهد بالآية التي ذكرتيها : فتبارك الله أحسن الخالقين ... يستشهد بها على أن الله قد أثبت أن هناك خالقين غيره .. و الله سبحانه هو أحسنهم
فهذا دليل على هناك خالقين غير الله
و الإجابة هي كما في الدرس أن الخلق المضاف لغير الله ليس المقصود به الإيجاد بعد العدم و إنما هو تغيير و تحويل، و ليس تبديلا، فمجرد تسميتهم خالقين ل يعني أن خلقهم يشبه خلق الله .. إنما هو تشابه في الاسم لا يستلزم تشابها في المسمى
و الله أعلم
و آسف على تأخير الإجابة لظروف طارئة