السبت، أبريل 25، 2009

عقيدة -56 خاتمة دروس الإيمان بالقدر

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

خاتمة دروس الإيمان بالقدر

إن عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام مبرأة عن التخاذل و الكسل و الخمول الذي أصاب قطاعاً كبيراً من الأمة الإسلامية عبر العصور باسم الإيمان بالقدر، و المسؤول عن ذلك هو انحراف المسلمين في باب القدر حيث لم يفقهوه على وجهه .

و من تأمل في عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام وجد لها ثماراً كبيرة طيبة، كانت و لا زالت سبباً في صلاح الفرد و الأمة، فللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:

الأولى: الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.

الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده لأن حصوله نعمة من الله تعالى بما قدره من أسباب الخير و النجاح و إعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.

الثالثة: الطمأنينة و الراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب أو حصول مكروه لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السماوات و الأرض و هو كائن لا محالة؛ و في ذلك يقول الله تعالى: )ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور(، و يقول النبي صلى الله عليه وسلم: )عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له( رواه مسلم.

فالإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء: لا تبطره النعمة، و لا تيئسه المصيبة، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم و حسنات من الله، لا بذكائه و حسن تدبيره (وما بكم من نعمة فمن الله)، فإذا أصابه الضراء و البلاء علم أن هذا بتقدير الله ابتلاء منه، فلا يجزع و لا ييأس، بل يحتسب و يصبر، فيكسب هذا الإيمان في قلب العبد المؤمن الرضا و الطمأنينة ...

و كذلك إذا آمن العبد بأنَّ كل ما يصيبه مكتوب، و آمن أن الأرزاق و الآجال بيد الله، فإنه يقتحم الصعاب و الأهوال بقلب ثابت و هامة مرفوعة، و قد كان هذا الإيمان من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال... و كان هذا الإيمان من أعظم ما ثُبَّت قلوب الصالحين في مواجهة الظلمة والطغاة، و لا يخافون في الله لومة لائم...

الرابعة: الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك: فقد زعم كثير من الفلاسفة أن الخير من الله، و الشر من صنع آلهة من دونه، و إنما قالوا هذا القول فراراً من نسبة الشر إلى الله تعالى، و المجوس زعموا أن النور خالق الخير، و الظلمة خالقة الشر، و الذين زعموا من هذه الأمة أن الله لم يخلق أفعال العباد، أو لم يخلق الضال منها: أثبتوا خالقين من دون الله!

و لا يتم توحيد الله إلا لمن أقرَّ أن الله وحده الخالق لكل شيء في الكون، و أن إرادته ماضية في خلقه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن، فكل المكذبين بالقدر لم يوحدوا ربهم، و لم يعرفوه حق معرفته...

الخامسة: المؤمن بالقدر دائماً على حذر: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) فقلوب العباد دائمة التقلب و التغير، و (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، و الفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة، و المؤمن يحذر دائماً أن يأتيه ما يضله كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة، و هذا لا يدفعه إلى التكاسل و الخمول، بل يدفعه إلى المجاهدة الدائبة للاستقامة، و الإكثار من الصالحات، و مجانبة المعاصي و الموبقات.

كما يبقى قلب العبد معلقاً بخالقه، يدعوه و يرجوه و يستعينه، و يسأله الثبات على الحق، كما يسأله الرشد و السداد.

*****

و الله أعلم.

سبحان الله و بحمده، سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم خاتمة كتاب "عقيدة أهل السنة والجماعة" تأليف فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله...

 

ليست هناك تعليقات: