الأربعاء، يناير 07، 2009

الجنائز - 1

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين

لا إله إلا الله العظيم الحليم
لا إله إلا الله رب العرش العظيم
لا إله إلا الله رب السموات والأرض
لا إله إلا الله رب العرش الكريم

اللهم اغفر لشهدائنا , اللهم اجعلهم يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس.

حسبنا الله ونعم الوكيل
حسبنا الله ونعم الوكيل
حسبنا الله ونعم الوكيل

كتاب الجنائز

تذكر الموت والاستعداد لما بعد الموت :

ومن الاستعداد للموت المبادرة بالتوبة النصوح من جميع الذنوب والمعاصي والإكثار من الأعمال الصالحة وقد جاءت النصوص عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأمر بالإكثار من ذكر الموت ولهذا جاء في الحديث الصحيح (أكثروا من ذكر الموت هادم اللذات) والحديث صحيح

وليست المسألة مسألة موت , إنما المسألة ما بعد الموت وهذا ما ينبغي أن يجعله كل مسلم في ذهنه وفي فكره وعقله وبين عينيه , ما بعد الموت، سئل ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أي الناس أكيس أي: وأعقل وأفهم؟ قال (أكثرهم للموت ذكراً وأحسنهم لما بعده استعداداً أولئك الأكياس).

حكم تمني الموت: يقول العلماء -رحمهم الله تعالى-: يكره تمني الموت لضرٍّ نزل به, مصيبة أو أذى أو ضرر أو مرض أو سوء حال أو فقر أو ما أشبه ذلك, يكره أن يتمنى الموت لضرٍّ نزل به لأن تمني الموت ينافي الصبر والمسلم مأمور بالصبر لما يصيبه من الأضرار والأمراض والبؤس والفقر والشدة وهو مثاب على صبره وتمني الموت عند حصول مثل هذه الأمور من الجزع, والجزع منهي عنه بل لا يجوز وقد جاء في ذلك حديث متفق عليه عن أنس -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍّ نزل به فإن كان لابد متمنياً أو فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي ) وهذا إرشاد نبوي وتوجيه من الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما ينبغي أن يقوله المسلم عندما تمر به المصائب أو الأضرار أو يحس بالشدة والبؤس.

إلا أن بعض أهل العلم استثنى من هذه الكراهية- كراهية تمني الموت- قال: تمني الموت خشية الفتنة في الدين فقال: إذا كان يخشى الفتنة في دينه فلا بأس من تمني الموت واستدلوا على هذا بما جاء في كتاب الله الكريم عن مريم- عليها السلام-: ﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّ﴾[مريم: 23]، هي تمنت الموت لا خوفاً من ألم الولادة وإنما خوفاً من الفضيحة وقد جاء في حديث رواه الترمذي وصححه (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون)

حكم الانتحار: والانتحار من أعظم المحرمات فقد جاء الوعيد الشديد على هذه الجريمة, جريمة قتل النفس الله- تبارك وتعالى- يقول: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً﴾[النساء:29]، ويقول: ﴿ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾[البقرة: 195]، وجاءت أحاديث أيضا في النهي عن قتل النفس (من قتل نفسه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة ) والحديث متفق عليه من حديث ثابت بن الضحاك (قال -صلى الله عليه وسلم- في الرجل الذي آلمته جراحه فقتل نفسه لما سئل عنه قال: هو في النار) ثم إن المنتحر الذي يريد أن يقتل نفسه تخلصاً من شدة أو من بلاء أو من ضيق حالٍ أو ما أشبه ذلك يفر من الضرر الذي نزل به ويقع فيما هو أشد منه وأضر. الضرر الذي نزل به في الدنيا أمده محدود واحتمال الفرج من الله قريب إذا صبر واحتسب ولجأ إلى الله- عز وجل- ثم هو مثاب ومأجور على ما يصيبه من أذى, أما إذا انتحر وقتل نفسه فالمآل أليم وهو العذاب في النار- نسأل الله السلامة- ولو أنه صبر واحتسب فلربما فرج الله كربته قريباً أو رفع له ما ناله أثابه بسبب ما ناله في هذه الدنيا الأجور العظيمة والمنزلة العالية الرفيعة في الجنة.


يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وإذا تيقن موته غمضت عيناه وشد لحياه وجعل على بطنه مرآة أو غيرها كحديدة فإذا أخذ في غسله ستر عورته ثم يعصر بطنه رفيقاً ثم يلف على يده خرقة ثم ينجيه ثم يوضأه ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر ثم شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يغسله كذلك مرة ثانية وثالثة يُمِرُّ في كل مرة يده فإن خرج منه شيء غسله وسده بقطن فإن لم يستمسك فبطين حر ويعيد وضوءه وإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع ثم ينشفه بثوب ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده وإن طيبه كله كان حسناً ويجمر أكفانه وإن كان شاربه أو أظفاره طويلة أخذ منه ولا يسرح شعره والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها ) .


تلقين المحتضر الشهادة:

قال المؤلف: (وإذا تيقن موته) مما يستحب حال الاحتضار أن يلقَّنَ المحتضرُ كلمةَ: لا إله إلا الله. ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما حضرت عمه الوفاةُ قال له: ( قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) و(لما زار -صلى الله عليه وسلم- ابن اليهودي أمره أيضاً بهذه الكلمة ولما توقف ونظر إلى أبيه قال له: أطع أبا القاسم فقالها فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عنده وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) وعلى هذا قالوا: يستحب تلقين الميت الشهادة هذه الكلمة؛ لأنه جاء في الحديث: ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإن من قالها أو كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة) إلا أن الفقهاء -رحمهم الله تعالى- قالوا: ينبغي للملقِّن أن يراعي حال المريض يعني: إذا كان يحس أو يرى أنه ربما يضجر وربما امتنع عن النطق بهذه الكلمة فلا يلقنه تلقيناً مباشراً وإنما يذكر الله عنده لعله يتذكر فيقول هذه الكلمة, ويعيد التذكير بهذه الشهادة أو بهذه الكلمة بين الفينة والأخرى أو بين فترات.

ومن سعادة المرء أن يرزق النطق بالشهادة عند الموت, فاللهم ثبتنا عند الموت وارزقنا الشهادة في سبيلك

ومن السنة أيضاً أن يوجه إلى القبلة

ثم قال رحمه الله تعالى (إذا تيقن موته غمضت عيناه وشد لحياه) مما ينبغي للحاضرين عند الميت أو من يتولى شأن الميت ألا يبادروا بتغسيله إلا إذا تأكدوا من وفاته,

وإذا كان المريض سيعرض على طبيب, فالأطباء عندهم الوسائل والآلات والخبرة والمعرفة التي يتوصلون من خلالها إلى معرفة الموت الحقيقي لهذا الشخص وأما إذا لم يوجد أطباء مختصون أو لم يكن المريض بالمستشفى فينبغي لأهل الميت أن يتمهلوا حتى يتأكدوا من وفاته, ومن العلامات التي يذكرها الفقهاء -رحمهم الله تعالى- لتحقق الوفاة قالوا: التصاق الصدغين وميلان الأنف وارتخاء الأطراف (اليدين والرجلين ) - وما أشبه ذلك.

فحينئذ - إذا تأكدنا من الوفاة- هناك أمور تسن: منها تغميض العينين وفي ذلك حديث وهو حديث شداد بن أوس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح من المسلم ) والحديث حسن.

قال (وشد لحياه) أي فكيه لئلا ينفتح فمه ويشد بخرقة أو ما أشبه ذلك وهذا في بداية الوفاة يعني, لأنه لو ترك على حاله غير ممدد وترك فترة ييبس ويشتد ويصبح من الصعوبة بمكان أن يلين.

قال (وجعل على بطنه مرآة أو غيرها كحديدة ) المقصود أن يجعل شيء ثقيل على بطنه من أجل ألا ينتفخ قالوا: لأنه لو ترك فترة انتفخ ولكن بعض أهل العلم نبه على هذا وقال: هذا غير مستحب ولا دليل على هذا الفعل فالصحيح أنه لا ينبغي أن يفعل.

تغسيل الميت:

قال (فإذا أخذ في غسله)

يذكر لنا المؤلف كيفية تغسيل الميت

فقال (إذا أخذ في غسله ستر عورته) وستر عورة الميت أثناء التغسيل واجب ولهذا نقول: سَتَرَ عورته وجوباً لأنه لا يجوز كشف عورة إنسان حياً ومن باب أولى إذا كان ميتاً، (ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً ) قالوا: الفائدة من هذا أنه إذا كان في بطنه شيء متهيء للخروج يخرج بهذا وبعضهم قال أيضاً: يسنده أو يرفع رأسه وظهره قليلاً ثم يعصر بطنه من أجل أن يخرج ما يمكن أنه سيخرج لأنه لو ترك يمكن أن يخرج بعد التكفين وهذا يؤثر على الكفن وبالتالي يتنجس.

(ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً ثم يلف على يده خرقة) يعني: الغاسل أو المغسِّل يلف على يده خرقة ويمكن الآن أن يلبس قفازاً, القفاز هذا ينوب مناب الخرقة (ثم ينجيه) يعني: يغسل الخارج من السبيلين إذا خرج شيء بسبب العصر أو أثناء عصر بطنه أو احتمال أن قد خرج منه شيء ولم ينج قبل موته (ثم ينجيه ثم يوضئه) الوضوء على سبيل الاستحباب كما يسن الوضوء للغسل من الجنابة فكذلك يسن الوضوء لغسل الميت والرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر من غسل ابنته أن يبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ولهذا جاء في حديث أم عطية وكانت ممن غسل ابنة رسول الله ( ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) والحديث متفق عليه قالوا: ومما ينبغي أن ينتبه له أنه لا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه أثناء المضمضة والاستنشاق وإنما يبلل أصبعه الملفوف بالخرقة، يبلل الخرقة ويمسح داخل أنفه ويمسح داخل فمه بخرقة مبللة ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر

وقالوا: يسن أن يغسل الرأس واللحية برغوة السدر يعني: يخفق السدر بالماء حتى تظهر الرغوة ثم يغسل الرأس واللحية بالرغوة لئلا تبقى بقايا السدر في رأسه وفي لحيته وجاء في حديث الرجل الذي مات محرِماً قال -صلى الله عليه وسلم-: (اغسلوه بماء وسدر) والسدر: منظف مطهر ولهذا بعض أهل العلم يرى أنه ينوب مناب السدر منظفات الشعر المعاصرة مثل الشامبو وما أشبهها والسدر شيء طيب ويوافق السنة وهو منظف

قال (ثم شقه الأيمن) يعني: ثم يبدأ بميامنه, يبدأ بعد الانتهاء من الوضوء وبعد غسل رأسه ولحيته يبدأ بغسل ( شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يكرر مرة ثانية وثالثة يمر في كل مرة يده على بطنه فإن خرج منه شيء غسله ونجاه وسده بقطن لئلا يسترسل في الخروج, بعد ذلك( فإن لم يستمسك) يعني: استمر الخارج قال: (فيسده بطين حر) والطين الحر هو الخالص الذي لم يخالطه رمل أو ما أشبهه وقالوا: مناسبة اختيار الطين لأن أصل الإنسان من طين والطين هو أقرب شيء لمادة البدن.

والذي يدل على البدء بالميامن حديث الحث على البدء باليمين مثل حديث ( يعجبه التيامن في تنعله وطهوره) والحديث الخاص وهو حديث تغسيل ابنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما قال:( ابدأن بميامنه)

قال:( فإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع) وهذا جاء في حديث أم عطية: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك) يعني: المسألة راجعة إلى الحاجة يعني: إذا رأيتن أن الحاجة تستدعي إعادة الغسل لأنه لم ينظف جسمه وقد يكون بعض الأجسام يصعب تنظيفها فيما إذا كان الإنسان يعمل دهاناً مثلاً أو يشتغل بالطين أو بالعجين أو من عادته أنه ليس حريصاً على النظافة وكذا فربما يحتاج الجسم إلى غسل مرة ومرتين وثلاثة وربما أكثر من ذلك حتى ينظف قال:(ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده) لأن المغابن مواضع تجمع الأوساخ وأماكن السجود هي أشرف الأعضاء في الإنسان فيحرص على تطييبها.

قال: (وإن طيبه كله كان حسن) لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:( واجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور) والكافور: نوع من الطيب.

(وإن كان شاربه أو أظفاره طويلة أخذ منها ) عندنا من خصال الفطرة التي هي قص الشارب وحلق العانة ونتف الإبط ونحو ذلك

هل يطلب من الغاسل أن يطبقها على الميت حال وفاته بعد وفاته أثناء التغسيل أو لا ؟

الفقهاء -رحمهم الله تعالى- فرقوا بين هذه الأشياء يعني قالوا بالنسبة لحلق العانة: لا يحلق عانته لما في ذلك من كشف العورة. أما قضية الشارب والأظفار هي في الأصل سنة ومطلوبة فيأخذ منها لأنه لا يترتب عليها كشف عورة.

قال (ولا يسرح شعره ) لأنه قد يؤدي تسريح الشعر إلى تقطيع الشعر أو نتف شيء منه أو ما أشبه ذلك (والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائه) كما فعلت أم عطية وصاحباتها بابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: (وضفرن شعرها ثلاثة قرون وأرخينه من خلفها ).

ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه لا ينبغي أن يحضر تغسيل الميت من لا حاجة إلى حضوره يعني: يكتفى بالقدر الكافي للتغسيل يعني: مغسل ومعاون إلا إذا احتاج الأمر إلى معاونين , لأنه يجب ستر الميت كما يجب ستر الحي ولذلك أيضاً يجب ستره وعدم كشف عورته وإذا رأى الغاسل ومن معه من المعاونين أن في هذا الشخص عيباً داخلياً يرغب في ستره فيجب عليهم ستره ولا يجوز عليهم كشف ذلك ولا الكلام عنه ولذلك يتأكد اختيار الأمناء في تغسيل الأموات.

وإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا مايرضي ربنا
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
, والحمد لله على كل حال


ليست هناك تعليقات: