الأربعاء، ديسمبر 17، 2008

الصلاة - 28

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

سؤال اليوم: كم هي المسافة التي تقصر فيها الصلاة في السفر ؟ وما هي المدة الزمنية التي تقصر فيها الصلاة على قول جمهور العلماء ؟

صلاة الخوف


اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم


- الخوف من الأعذار التي تبيح التخفيف في الصلاة

- وسبق الحديث عن صلاة أهل الأعذار : أن الأعذار المرادة هي السفر والمرض والخوف

- والخوف له حالتان، الخوف الذي هو سبب في أداء الصلاة على هذه الهيئة أو على هذه الكيفية الخاصة وله حالتان :

الحالة الأولى: حالة يكون الخوف فيها شديداً وهي ما يعبر عنه الفقهاء -رحمهم الله تعالى- بحالة اشتداد الخوف ويمثلون لحال اشتداد الخوف بحال اشتداد المعركة , وحال الهروب من عدو , وحالة الهروب من سبع وحالة الهروب من سيل أو فيضان أو حريق أو ما أشبه ذلك من الحالات التي يشتد فيها الخوف بحيث لا يستطيع الإنسان أن يؤدي الصلاة بكيفيتها المعهودة المعروفة من شدة الخوف.

الحكم في هذه الحالة أن تؤدى الصلاة بقدر المستطاع سواءً كان الخائف راكباً على دابة أو على سيارة أو غير ذلك أو كان راجلا يمشي أو يركض أو ما أشبه ذلك، المقصود أنه إذا كان لا يستطيع أن يؤدي الصلاة على هيئتها المعهودة بسبب اشتداد الخوف ففي هذه الحالة يؤديها على الحالة التي يقدر عليها كما قال الله -تبارك وتعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ يعني أدوا الصلاة وأنتم تمشون أو راكبون بقدر المستطاع وفي هذه الحالة في حالة الخوف الشديد تجزئ هذه الصلاة, حتى ولو لم يكن المصلي متوجها إلى القبلة, حتى وإذا كان لا يستطيع الركوع أو السجود وإنما يومئ بركوعه وسجوده بقدر المستطاع، هذه هي الحالة الأولى، والمؤلف أشار إلى هذه الحالة في آخر الفصل.


الحالة الثانية: هي الكيفية المعهودة والتي يعنون لها الفقهاء كثيراً ويقصدون بها الكيفية التي تؤدى فيها صلاة الخوف وهي ما ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- بقوله (وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمختار منها أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس والأخرى تصلي معه ركعة, فإذا قام إلى الثانية نوت مفارقته وأتمت صلاتها وذهبت تحرس وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية , فإذا جلس للتشهد قامت فأتت بركعة أخرى وينتظرها حتى تتشهد ثم يسلم به) .

صلاة الخوف وردت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بصفات متعددة ومختلفة باختلاف موقف العدو هل هو بين المسلمين وبين القبلة أو في غير اتجاه القبلة؟ هل هو بين المسلمين وبين القبلة بحيث إذا وقف المسملون للصلاة يشاهدون العدو أمامهم, أم أنه في غير جهة القبلة بحيث إذا قاموا للصلاة واتجهوا إلى القبلة تكون وجوههم إلى جهة غير جهه العدو.

الصفة الأولى: أن يكون العدو في غير اتجاه القبلة وهي الحالة التي ذكر المؤلف صفةً لها: أن العدو في غير اتجاه القبلة، والصفة الواردة في القرآن الكريم تنطبق على هذه الصفة ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ إلى آخر الآية.

إذن إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة فكيف تصلى صلاة الخوف؟ قال تصلى صلاة الخوف على الصفة الواردة في القرآن الكريم ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾، وهي الواردة في حديث سهل ابن أبي حثمة أو صالح بن خوات عمن صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة ذات الرقاع، جاء في الحديث (أن طائفة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة, ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم) صلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما بعد ما قام للركعة الثانية وأتموا لأنفسهم يعني نووا مفارقة الإمام وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية ثم سلموا، (ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى) التي لم تصلي معهم في الركعة الأولى (فصفت معه فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسا وقاموا فأتموا لأنفسهم ولحقوه في التشهد ثم سلم بهم) والحديث [متفق عليه] وهذا لفظ مسلم.

الصفة باختصار يقسِّم الإمام الجيش أو من معه من المقاتلين إلى قسمين: قسم يحرس في اتجاه العدو؛ لأن القبلة في غير اتجاه العدو قسم يحرس, والقسم الثاني يصف معه فيصلي بهم الركعة الأولى، وإذا قام إلى الركعة الثانية ينوون المفارقة ويتمون لأنفسهم الركعة الثانية ثم يسلمون ثم ينصرفون إلى مكان القسم الثاني ويأتي القسم الثاني ويلحق الإمام ثم يصلي معه الركعة ولما يجلس الإمام للتشهد يقومون ويأتون بالركعة الثانية وينتظرهم الإمام ثم إذا لحقوه وتشهدوا سلم بهم.

فنلاحظ هنا أن الإمام صلى ركعتين والقسم الأول صلى معه ركعة وانفرد وأتى بالركعة الثانية فصلى ركعتين, ثم ذهب وجاءت الطائفة التي تحرس وصفت مع الإمام وصلت مع الإمام ركعة ثم أكملت لنفسها الركعة الباقية ولم تنو المفارقة؛ لأنها ستسلم مع الإمام, فأصبح الجيش أوالقسمان كل قسم صلى ركعة والإمام صلى ركعة معهم والركعة الثانية لوحده والإمام ركعتين، هذه الصفة المشهورة إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة وهي الواردة في هذه الحديث وهي الواردة في القرآن الكريم في سورة النساء.

وردت صلاة الخوف إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة بصفة أخرى أيضا في حديث صحيح كل الصفات الواردة وهي ست أو سبع صفات كلها واردة في أحاديث صحيحة وفي مواقع مختلفة؛ ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله تعالى-

«صلاة الخوف وردت بصفات كلها جائزة لثبوتها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة».

وقد سبق معنا أن العبادات الواردة على كيفيات متعددة يستحب الإتيان بهذه الكيفية تارة وبهذه أخرى جمعا بين السنن كلها.

الصفة الثانية:

هي الصفة الثابتة في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- وهو حديث متفق عليه قال: (غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل نجد فوازينا العدو وصاففناه فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى بنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع بمن معه ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلي فجاءوا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم وفي كل جهة من الطائفتين فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين ).

نلاحظ هنا أن الفرق بين الصفة الأولى والصفة الثانية أن كل طائفة من الطائفتين تتم الركعة الثانية لنفسها بحيث إذا صلت الطائفة الأولى معه ركعة تنصرف دون إتمام الصلاة بينما في الأولى تتم الركعة يعني الفرق أن في الصفة الأولى تنوي المفارقة وتتم الركعة, ثم تنهي صلاتها نهائيا وتنصرف إلى الحراسة.

بينما في هذه الصفة تصلي ركعة وتنصرف قبل إتمام الصلاة وتمسك بدل الطائفة التي تحرس ثم تأتي الطائفة التي تحرس وتصلي الركعة الثانية مع الإمام ثم بعد ما يسلم الإمام كل طائفة تتم لنفسها، هذه إحدى الصفات الواردة.

الصفة الثالثة:

من الصفات أيضا في حالة إذا كان العدو في غير اتجاه القبلة أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين كاملتين وتسلم قبله ولا يسلم, وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعتين أخريين ثم يسلم فتكون للإمام أربعاً ولهم ركعتين ركعتين, وقد جاءت هذه الصفة في حديث جابر -رضي الله تعالى عنه.

يعني الإمام يقسم الجيش إلى طائفتين: طائفة تصلي معه, وطائفة تحرس. يصلي بالطائفة التي معه ركعتين وإذا قام إلى الرابعة سلمت أو إذا جلس للتشهد الأول نوت المفارقة وتشهدت وسلمت ثم ذهبت وحرست وأتت الطائفة التي كانت تحرس فالتحقت بالإمام في الثالثة وصلت معه ركعتين ثم أكملت الصلاة معه فصلى وسلم بهم فيكون صلى الإمام أربعاً والمأمومون أو الطائفتان ركعتين ركعتين.

الصفة الرابعة:

من الصفات أيضا أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي فيكون الإمام يصلي ركعتين وكل طائفة تصلي ركعة واحدة فقط وهذا جاء أيضا في حديث حذيفة -رضي الله تعالى عنه- ولكن أشهر هذه الصفات وأرجحها وهي الموافقة للقرآن الكريم هي الصفة الأولى الموافقة للآية، هذا إذا كان العدو في غير جهة القبلة.

الصفة الخامسة:

إذا كان العدو في جهة القبلة يعني بين المسلمين وبين القبلة بحيث إذا صفوا في صلاتهم يواجهون العدو.

في ذلك حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: (شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف فصففنا صفين: صف خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والعدو بيننا وبين القبلة فكبَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- وكبرنا جميع) يعني يصف بهم جميعا صفين يقسمهم إلى صفين صف أمامي وصف مؤخر ويفتتح الصلاة بهم جميعاً؛ لأنهم يشاهدون العدو أمامهم ليس هناك حاجة إلى أن يقسمهم قسمين ويصف بقسم وقسم آخر يذهب إلى الحراسة, لا؛ لأن العدو مواجه يشاهدونه جميعا (فكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وكبرنا جميعاً ثم ركع وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميع).

وتقسم الصفوف الصف الأول والصف الثاني (ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر) انحدر للسجود هو والصف الذي يليه وبقي الصف الثاني واقفا يحرس من أجل لو كل الجيش انخفضوا للسجود ربما يفاجئهم العدو بهجمة (ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه...) إلى آخر الحديث.

وملخص هذه الصفة من مجموع روايات الحديث: أن يصف الإمام الناس صفين ويصلي بهم جميعا الركعة الأولى إلى أن يسجد وإذا سجد سجد معه الصف الأول ويبقى الصف الثاني قائما يحرس حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، وإذا قام سجد الصف الثاني -إذا قام إلى الثانية سجد الصف الثاني- ثم لحقوه في الركعة الثانية وهو قائم وفي الركعة الثانية يسجد معه الصف الثاني ويبقى الصف الأول قائماً يحرس -يعني يحصل تبادل يحصل العكس-, فإذا جلس الإمام للتشهد سجد الذين قاموا للحراسة وتشهد بالطائفتين وسلم بهم جميعا؛ لأن حين الجلوس يكون كلهم مواجهين للعدو، يلاحظ أن الحاجة إلى وقوف الصف المؤخر وفي الركعة الثانية الصف المقدم وجاء في بعض الروايات أن الصف في الركعة الثانية الصف المقدم يتأخر ويتقدم الصف المؤخر الحاجة إلى ذلك عند السجود ؛ ولهذا في الركعة الأولى يقفون جميعا وفي حال التشهد يجتمعون.


هذه هي أهم الصفات الواردة في صلاة الخوف عن رسول -صلى الله عليه وسلم- قال العلماء وكلها جائزة؛ لأنها جاءت ووردت في أحاديث صحيحة.

خلاصة الموضوع في أمور :

الأول: أن صلاة الخوف مشروع بالكتاب والسنة والإجماع وشرعيتها باقية إلى يوم القيامة لم تنسخ.

الثاني: أنها تجوز صلاة الخوف على جميع الصفات الواردة؛ لأنها وردت كلها في أحاديث صحيحة.

الثالث: أهمية الصلاة -التي هي الصلاة المفروضة التي هي ركن من أركان الإسلام-

وأهمية صلاة الجماعة لهؤلاء الصلوات المفروضات

حيث حرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أدائها جماعة في هذه الحال وعلى هذه الكيفية؛ ولهذا الذين يرون أن صلاة الجماعة واجبة للصلوات الخمس على الرجال يستدلون -من ضمن الأدلة التي يستدلون بها- على وجوب صلاة الجماعة بصلاة الخوف

فيقولون كون الرسول -صلى الله عليه وسلم- حرص على أداء الصلاة جماعة في حال الحرب وفي حال الخوف على هذه الهيئة وعلى هذه الكيفية التي تخالف الكيفية المعهودة ويترتب على ذلك حركة ويترتب على ذلك تقدم وتأخر ومجيء وذهاب وضياع كثير – أو بعض الأركان كل ذلك بسبب أهمية هذه الجماعة وأهمية الاجتماع وأهمية اتحاد الصف, وهذا لا شك فيه من الحكم والأسرار العظيمة ما فيه.


والحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ليست هناك تعليقات: