الأحد، أغسطس 10، 2008

عقيدة -37 الإيمان بمهام و صفات و أخبار الرسل (3)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بمهام و صفات و أخبار الرسل (3)

ونؤمن بأن جميع الرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء، قال الله تعالى عن نوح وهو أولهم: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) (سورة هود:من الآية31). وأمر الله تعالى محمداً وهو آخرهم أن يقول: (َلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (سورة الأنعام: من الآية50). وأن يقول: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (سورة الأعراف:من الآية188). وأن يقول: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً * قُلْ إِنّىِ لَن يُجِيرَنيٍ مِنَ اللَّه أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً) (سورة الجـن: من الآية 21 والآية 2)).

ونؤمن بأنهم عبيد من عباد الله أكرمهم الله تعالى بالرسالة، ووصفهم بالعبودية في أعلى مقاماتهم وفي سياق الثناء عليهم، فقال في أولهم نوح (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) (الإسراء:3). وقال في آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان:1). وقال في رسل آخرين (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) (ص:45). (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)(ص: الآية17). (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:30). وقال في عيسى ابن مريم: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ) (الزخرف:59).

ذكرنا أن الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:

الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم (و مهامهم و صفاتهم).... 

إذن دعونا نطرح تساؤلات:

س: ما أخبار الرسل التي يجب أن نؤمن بها؟

ج: يمكننا أن نقسم هذه الأخبار إلى أقسام، كلها تعتبر دلائل على صدقهم:

·        الأول: الآيات و المعجزات التي يجريها الله تصديقاً لرسله:

-         ما يجريه الله على أيدي رسله وأنبيائه من أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها، فتكون هذه الآية الخارقة للسنة الكونية المعتادة دليلاً غير قابل للنقض و الإبطال، يدلُّ على صدقهم فيما جاؤوا به، و هي أنواع:

الإعجاز العلمي الإخباري: كإخبار عيسى قومه بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، وإخبار رسولنا صلى الله عليه وسلم بأخبار الأمم السابقة، وإخباره بالفتن وأشراط الساعة التي ستأتي في المستقبل...

و الإعجاز المتعلق بالقدرات الخارقة للسنن: كتحويل العصا أفعى، و إبراء الأكمه و الأبرص، و إحياء الموتى، و شقّ القمر و ما أشبه هذا...

و الإعجاز المتعلق بالاستغناء عن بعض متطلبات الحياة: كعصمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من الناس، و حمايته له ممن أراد به سوءاً، و مواصلته للصيام مع عدم تأثير ذلك على حيويته و نشاطه...

-         و الرسل ينالون من هذه الثلاثة المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس بقدر ما يعطيهم الله تعالى؛ فيعلمون من الله ما علمهم إيّاه، و يقدرون على ما أقدرهم عليه، و يستغنون بما أغناهم به.

·        الثاني: بشارة الأنبياء السابقين بالأنبياء اللاحقين:

-         فكل رسول أو نبي مأمور بأن يبشر بمن يلحقه، بل إن الله تعالى يخبر أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته.

·        الثالث: النظر في أحوال الأنبياء:

-         والأنبياء والرسل كانوا يخالطون أقوامهم، ويجالسونهم ويعاشرونهم، ويعاملونهم في أمور شتى، وبذلك يتسنى للناس أن يدرسوهم عن كثب، ويتعرفوا إليهم عن قرب، فلا يحتاج عقلاؤهم إلى برهان و دليل ليستدلوا بذلك على صدق الرسول، لأنّ شخصه و حياته و سيرته هي أعظم دليل: كمال في أخلاقهم و رقي في سلوكهم و زهد في المتاع الدنيوي فلا يسألون الناس الذين يدعونهم أجراً و لا مالاً، فهم يبذلون لهم الخير لا ينتظرون منهم جزاءً ولا شكوراً...

·        الرابع: النظر في دعوة الرسل:

-         فقد جاءت الرسل بمنهج متكامل لإصلاح الإنسان، ولإصلاح المجتمع الإنساني، ودين كهذا يقول الذين جاؤوا به إنّه منزل من عند الله لا بدّ أن يكون في غاية الكمال، خالياً من النقائص والعيوب، لا يتعارض مع فطرة الإنسان، وسنن الكون.

-         فكونه وحدة متكاملة يصدق بعضه بعضاً، لا تناقض فيه ولا اختلاف - دليل واضح على صدق الذي جاء به.

-         والنظر في المقاصد التي تدعو إليها الرسل، والفضائل والقيم التي يُنادون بها كلُّ ذلك من أعظم الأدلة على صدقهم.

·        الخامس: نصر الله و تأييده لهم:

-         فإنّه يستحيل على الله تعالى أن يتقول عليه متقول، فيدعي أنّه مرسل من عند الله وهو كاذب في دعواه، ثمّ بعد ذلك يؤيده الله وينصره، ويرسل الملائكة لتثبيته وحمايته، لو فعل هذا ملك من ملوك الأرض، فادعى مدع أنّه مرسل من قبله كذباً وزوراً، وعلم بذلك الملك المفترى عليه، فإنّه سيلاحقه، وإذا ظفر به فسيوقع به أشدَّ العذاب، فكيف يليق بخالق الكون العليم الحكيم أن يرى ويسمع رجلاً يكذب عليه، ويزعم أنّه رسوله، ويحلل باسمه ويحرم، ويشرع الشرائع، ويضرب الرقاب، ويزعم أنه يفعل ذلك بأمر الله وبرضاه ومشيئته، ثم يؤيده الله وينصره، ولا يوقع به عقابه وعذابه؟ هذا لا يكون أبداً...

-         وهذا الدليل ذو تأثير كبير على نفوس الناس، فإن العرب لمّا رأت انتصار الإسلام صدقت وآمنت ودخلت في دين الله أفواجاً.

==فائدة==

س: هناك شبهة تقول: لماذا تمّ النصر لفرعون و نمرود و جنكيزخان و غيرهم من الملوك الكفرة في القديم و الحديث؟

ج: تلك الانتصارت كانت دنيوية بحتة، موكولة بالكامل إلى الأسباب الدنيوية من حسن إعداد و تخطيط و تنفيذ... و السنة الكونية لا تتغير و لا تتبدل: فالنجاح للمثابر الأكثر أخذا بالأسباب...

كما أن هؤلاء لم يدّع أحد منهم النبوة و أن الله أمره أن يدعو إلى عبادته وطاعته، و أن من أطاعه دخل الجنة، و من عصاه دخل النار...

بخلاف من ادّعى أن الله أرسله، ثمّ يؤيده الله وينصره، وينصر أتباعه ويجعل العاقبة لهم فإنّه لا يكون إلاّ رسولاً صادقاً، فلو كان كاذباً فلا بدّ أن ينتقم الله منه، ويقطع دابره، واعتبر في هذا بحال مسيلمة والأسود العنسي وسجاح، واعتبر هذا بحال المسيح الدجال، فإنّه يفتري على الله الكذب ويدعي الألوهية، فيكشف الله ستره، ويظهر أمره لمن كان عنده بصيرة، فهو رجل أعور، مكتوب بين عينيه كافر، وإنّما يلتبس أمره على من لم يرزق نور الإيمان...

*****

و الله أعلم.

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك.

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بالرسل.

 

ليست هناك تعليقات: