الاثنين، أبريل 21، 2008

عقيدة -26 الإيمان بالكتب

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالكتب

ونؤمن بأن الله تعالى أنزل على رسله كتباً حجّة على العالمين ومحجة للعالمين يعلّمونهم بها الحكمة ويزكونهم.

ونؤمن بأن الله تعالى أنزل مع كل رسول كتاباً لقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (سورة الحديد: من الآية25).

الكتب: الكتب التي أنزلها تعالى على رسله؛ رحمة للخلق و هداية لهم ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا و الآخرة.

و الإيمان بالكتب: هو التصديق بالكتب التي أنزلها الله على رسله جميعها، و أنها كلامه، و أنها حق و نور و هدى ...

و الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً. و هو موضوع هذا الدرس.

الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه و أما مالم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً. كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

الثالث: تصديق ما صح من أخبارها كأخبار القرآن و أخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة. كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها و الرضا و التسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، و جميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إلََِيْكَ الكِتَابَ باِلحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (سورة المائدة:من الآية48) أي حاكماً عليه، و على هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها و أقره القرآن. كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

تنزيل الكتب

دعونا نطرح بعض التساؤلات:

س: ما الدليل على تنزيل الكتب السماوية؟ و ما الدليل على وجوب الإيمان بها؟

ج: ما دام المرء يؤمن بالله و صدق ما نزل من عنده من الوحي، و ما دام الله يخبره في كتابه الكريم أنه قد أنزل كتباً سابقة على الأنبياء و الرسل، فالواجب أن يؤمن بهذه الكتب المنزلة و يعتقد يقيناً أنها منزلة من عند الله.

و يجيء ذكر الإيمان بالكتب السماوية في القرآن في صيغة الأمر تارة، و صفة للمؤمنين تارة أخرى، كما يجيء عدم الإيمان بالكتب المنزلة أو الإيمان ببعضها دون البعض الآخر علامة على الكفر تارة ثالثة.

فمن أمثلة الأمر: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (البقرة:136).

و من أمثلة وصف المؤمنين بأنهم هم الذين يؤمنون بالكتب المنزلة كلها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) (البقرة:285).

و من أمثلة وصف الذين لا يؤمنون بالكتب كلها أو الذين يؤمنون ببعضها و يكفرون ببعض بأنهم كفار فيجيء في مثل قوله تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) (النساء:136).

و مفهوم هذه الآيات و أمثالها، سواء كانت أمراً مباشراً أو وصفاً للمؤمنين أو وصفاً للكافرين، هو أن الإيمان بالكتب السماوية كلها أمر واجب لا يتم إيمان المرء إلا به.

س: قال المؤلف: (ونؤمن بأن الله تعالى أنزل على رسله كتباً حجّة على العالمين ومحجة للعالمين يعلّمونهم بها الحكمة ويزكونهم) فما مقتضى هذه الحقيقة الشرعية؟

ج: الكتب السماوية مصدرها واحد (الم - الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام *) (آل عمران: 1-4) و الكتب السماوية كلها أنزلت لغاية واحدة و هدف واحد...

أولا: الكتب السماوية اتفقت فيما تحتويه من عقائد؛ فكل الكتب نزلت للتأكيد على الحقيقة العقدية الأولى و الكبرى، هي الأمر بعبادة الله وحده، فكانت القضية الأصلية في هذه الكتب كلها واحدة لم تتغير: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء: 25)، (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل:36)، (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (أي أقيموا الدين لله وحده و لا تعبدوا آلهة متفرقة) (الشورى:13).

كذلك نزلت الكتب كلها لتنذر الناس بيوم الحساب: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب *) (غافر: 15-17).

فهي بذلك حجّة على العالمين ومحجة للعالمين...

ثانيا: اختلفت هذه الكتب فيما تحتويه من شرائع، فالله يخبرنا أنه أنزل شرائع مختلفة للأقوام المختلفين: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم) (المائدة:48)، أنزلت لتكون منهج حياة للبشر الذين يعيشون في هذه الأرض، تقودهم بما فيها من تعاليم و توجيهات و هداية، أنزلت لتكون روحاً و نوراً تحيي نفوسهم و تنيرها، و تكشف ظلماتها و ظلمات الحياة.

فهي بذلك يعلّمونهم بها الحكمة ويزكونهم...

فالحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة و الشعائر و الشرائع من مصدر واحد يملك السلطان على الضمائر و السرائر، كما يملك السلطان على الحركة و السلوك، و يجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة.

ثالثا: و ما دام الأمر كذلك فالإيمان بالكتب كلها هو كالإيمان بالكتاب الواحد سواء...

س: قال المؤلف: (ونؤمن بأن الله تعالى أنزل مع كل رسول كتاباً لقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (سورة الحديد: من الآية25). فما مقتضى هذه الحقيقة الشرعية؟

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) هي الأدلة و الشواهد و العلامات الدالة على صدق ما جاءوا به و حقيته.

(وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) و هو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق و إرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم و دنياهم، (وَالْمِيزَانَ) و هو العدل في الأقوال و الأفعال، و الدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل و قسط في الأوامر و النواهي و في معاملات الخلق، و في الجنايات و القصاص و الحدود [والمواريث وغير ذلك]، و ذلك (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) قياما بدين الله، و تحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها و عدها، و هذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، و هو القيام بالقسط، و إن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة و الأحوال...

== فائدة ==

اختلاف الشرائع...

إذا كان الدين الذي جاءت به الرسل واحداً وهو الإسلام فإن شرائع الأنبياء مختلفة، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى في بعض الأمور، و شريعة محمد صلى الله عليه وسلم تخالف شريعة موسى و عيسى في أمور، قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة: 48) و الشرعة هي الشريعة و هي السنة، والمنهاج: الطريق و السبيل.

و ليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافاً كلياً، فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية و القيم و الأخلاق الفاضلة، بل إن الكثير من النصوص تتحدث عن تشريع الله للأمم السابقة الصلاة و الزكاة و الحج، و أخذ الطعام من حلّه و غير ذلك، و الاختلاف بينها إنّما يكون في بعض التفاصيل.

فأعداد الصلوات و شروطها و أركانها و مقادير الزكاة و مواضع النسك و نحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة، و قد يحلّ الله أمراً في شريعة لحكمة، و يحرمه في شريعة أخرى لحكمة.

و جاءت الشريعة الخاتمة لتكون القواعد النهائية في العقائد و العبادات و المعاملات حيث جمع الله فيها محاسن ما قبلها، و زادها من الكمالات ما ليس في غيرها، فلهذا جعلها شاهداً و أميناً و حاكماً عليها كلها.

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بالكتب.

ليست هناك تعليقات: