الأحد، يناير 13، 2008

عقيدة -15 الإيمان بالله - حول بعض آيات و أحاديث الصفات (7)

آسف على انقطاع الأسبوع الماضي ... و المرة دي نعوّض ...

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالله – حول بعض آيات و أحاديث الصفات (7)

ونؤمن بأنه (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (يونس: الآية 3). واستـواؤه على العرش: علوه عليه بذاته علوَّاً خاصاً يليق بجلاله وعظمته لا يعلم كيفيتـه إلا هو.

حول صفة الاستواء في الآية

و هذا استكمال لما بدأناه في الدرس السابق عن صفة العلو... و نقول:

العلو العام من الصفات الذاتية التي لم يزل الله و لا يزال متصفاًَ بها، و العلو الخاص هو الاستواء على العرش و دليله قوله تعالى (هو الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر) و هذه الأيام أولها الأحد و آخرها الجمعة...

== فصل ==

هنا بعض التساؤلات:

س: ما هو الإيمان بالاستواء وما دليله من الكتاب؟

ج: هو الاعتقاد الجازم بأن الله مستوٍ على عرشه، عليٌ على خلقه، بائن منهم، و علمه محيط بكل شيء، والدليل قوله تعالى: (... ثم استوى على العرش ... ) في خمسة مواضع من القرآن، و في الموضع السادس قال: (الرحمن على العرش استوى).

س: كيف تكون هذه الأيام الأيام المعروفة و التي تترتب على الشمس؛ في حين أن الله لما خلق الأرض لم تكن الشمس قد خلقت؟

ج: بالتقدير؛ لأن الله قد خلق الأرض في يومين سابقين على خلق السماوات، و هذان اليومان ليس فيهما شمس.

س: ثم استوى على العرش: أي بعد خلق السماوات و الأرض استوى على العرش، فهل كان تعالى قبل ذلك مستويا على العرش؟

ج: إن قلنا: لا، أخطأنا، و إن قلنا: نعم، أخطأنا،... لأن الله أخبرنا أنه خلق السماوات و الأرض ثم استوى على العرش و سكت عن ما قبل ذلك فالواجب علينا السكوت و الله تعالى أعلم، لكن بعد خلقها استوى لأنه تعالى أخبر بذلك.

== فصل ==

و قوله استوى على العرش: أي علا عليه...

== فائدة ==

و السّواء تأتي في اللغة العربية على أربعة أوجه: الأول: تأتي مطلقة، و الثاني: مقيدة بعلى، و الثالث: مقيدة بإلى، و الرابع: مقرونة بالواو.

الأول: إذا جاءت مطلقة صار معناها الكمال ... و منه قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما)، أي كمل في خلقته و عقله.

الثاني: إذا جاءت مقيدة بعلى تكون بمعنى العلو و منه قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله ..)، أي علوت عليه، و قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه...)، أي علوتم عليه.

الثالث: إذا جاءت مقيدة بإلى تكون بمعنى القصد، و منه قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان

فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين).

الرابع: إذا جاءت مقرونة بالواو تكون بمعنى التساوي، كقولهم: استوى الماء و الخشب: أي تساوى الماء و الخشب.

== فصل ==

و لم تأت السواء مقترنة بعلى بمعنى غير العلوّ... لكن ورد عن السلف أن بعضهم عبّـر بقوله: استوى على العرش أي ارتفع و هي أيضا بمعنى العلو، و بعضهم قال: استوى على العرش بمعنى صعد عليه و صعد أيضا بمعنى علا... فهذه ثلاث كلمات بمعنى واحد.

قال المؤلف: واستـواؤه على العرش: علوه عليه بذاته علوَّاً خاصاً يليق بجلاله وعظمته لا يعلم كيفيتـه إلا هو.

علوا خاصا.. لأن لدينا علوّين: عاما و خاصا، فالعام علوّ الله على كافة المخلوقات من السماوات و الأرض و الجبال والآدميين و الملائكة و الجن و سائر الدواب و ... إلخ، كما دلت على ذلك آيات العلو.

و الخاص علوّ الله على العرش و هو استواؤه عليه، و لذلك فلفظ الاستواء مقيّـد بالعرش دون سائر المخلوقات، ثم هل نحن نعرف كيفيته؟ الجواب: لا، لأن هذا من أمور الغيب، و قد أخبرنا الله عز و جل عنه و لم يخبرنا عن كيفيته، فيجب علينا الوقوف على ما ورد ولا نتعداه.

و إذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة و مالك و غيرهما رضي الله عنهما للسائل: يا هذا... الاستواء غير مجهول، و الكيف غير معقول، و الإيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة، لأنه سؤال عما لا يعلمه و لا يمكن أن يعقله البشر و لا يمكنهم الإجابة عنه.

و كل الصفات نقول فيها مثل ذلك.

== فصل ==

أهل البدع يقولون في استوى: استولى، و ملك، و قهر، و أن هذه صفة معنوية و ليست صفة حسية، و لا شك أن قولهم باطل و وجه بطلانه:

1. أن هذا خلاف ظاهر اللفظ، و العدول عن ظاهر اللفظ لا يجوز إلا بدليل .. لا سيما في الأمور الغيبية المحضة، فالأمور العقلية قد يصرف المرء فيها اللفظ عن ظاهره لدلالة عقلية.

2. أن هذا خلاف إجماع السلف (كما سبق).

3. أن هذا التأويل يلزم عليه لوازم باطلة: اللزوم الباطل الأول: أن العرش كان ملكاًَ لغير الله ثم مَـلـَـكـَـه بالمُـغالبة و يدل على هذا حرف (ثم) الدال على الترتيب: ثم استوى، فلو قلنا ثم استوى بمعنى ثم استولى.. فسيكون معناه: أنه بعد خلقه السماوات و الأرض ... غالـَبَ مالـِك العرش الأول حتى غلبه و استولى على العرش منه ..! اللزوم الباطل الثاني: أنه لو قلنا: استوى بمعنى استولى فإنه بذلك جاز لنا أن نقول كذلك أن الله استوى على الأرض لأنه مستول ٍعليها، و لا يوجد في علماء الأمة من يقول بأن الله استوى على الأرض!

4. أن هذا خلاف ما عليه اللغة العربية، فلم تأت استوى في اللغة العربية بمعنى استولى أبداًَ.. و ارجع إلى كل المراجع و القواميس و المعاجم.

== الخلاصة ==

أن مسائل الغيب في عقيدتنا لابد و أن تـُحمَـل على ظاهر اللفظ، مع التأكيد على عدم مماثلة الله للخلق في ما يتعلق بصفاته، و إن كان لفظها يطلق على ما يخصّهم ... فهو سبحانه (ليس كمثله شيء).

س: أليس الله تعالى قال: (جُعتُ فلم تطعمني، مرضتُ فلم تعدني...)؟!! كما جاء في الحديث القدسيّ الصحيح..

ج: بلى، قالها .. و لكن هل سكت الله بعدها؟ كلا، بل بيـّن فقال في باقي الحديث: (ألم تعلم أن عبدي فلان جاع فلم تطعمه؟)، بيـّن الله ما أراده، فإذا أراد الله خلافَ الظاهر بيـّن ذلك أو رسولـُه، فإذا لم يبيـّن ذلك؛ عـُـلـِم أنّ الظاهر هو المقصود.

== فصل ==

قول المؤلف: ونؤمن بأنه تعالى مع خلقه وهو على عرشه، يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبِّر أمورهم، يرزق الفقير ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم علـى عرشه حقيقة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية11) .

حول صفة المعيّـة

المعية في اللغة العربية كلمة تقتضي المصاحبة و هذه المصاحبة تختلف باختلاف مواردها، فتفسر في كل موضع بحسبها، فمثلا:

قولنا: خلطت الماء مع اللبن؛ فهذه معية امتزاج، فيختلط حتى لا يتميز واحد عن الثاني...

و إذا قلت: الزوجة مع زوجها؛ فهذه معية مصاحبة و مقارنة، فهنا لا يلزم الالتصاق و الحلول في مكان واحد...

و يقال: القائد مع الجند؛ مع أنه في غرفة العمليات: يوجّـه، و الجند في ميدان القتال، فبينهم مسافة...

و أبلغ من ذلك أن العرب يقولون: ما زلنا نسير و القمر معنا؛ فنسير في الأرض و القمر في السماء و مع ذلك يقولون أن القمر معنا...

لذلك نقول أن المعية لا تستلزم الاختلاط و الحلول في المكان، و إنما تفسّر بحسب ما يقتضيه السياق و القرائن...

فنحن نؤمن أن الله تعالى معنا، معنا حقيقة، لكن أين هو؟ الجواب: على عرشه في السماء، و لا يلزم أن يكون الله تعالى معنا في الحقيقة أن يكون مشاركا لنا في المكان أبدا، و إن كانت المعية بين المخلوقات لا تقتضي الزمان و المكان فالمعية مع الله من باب أولى، و الدليل على ذلك قوله تعالى: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير)، كل هذه الضمائر في الآية تعود إلى الله تعالى نفسه، فإذا علمت أن الله معك و مراقبك و شاهد على أعمالك فإن ذلك يقوي إيمانك و يتم لك مراقبة الله عز و جل، فالله تعالى مع خلقه حقيقة و ليس مجازا، و هو على عرشه، لأن ذلك جاز في حق المخلوق فهو في حق الخالق من باب أولى، و لأنه على فرض أنه لا يجوز في حق المخلوق أن يكون الشيء عاليا شاهقا و هو معك، فهو جائز في حق الله لأن الله تعالى لا يقاس في خلقه.

يعلم أحوالهم هذه من مقتضيات المعية و مستلزماتها، يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبِّر أمورهم، ... ثم قال:

ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم علـى عرشه حقيقة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية11).

و لا مانع و لا تناقض و لا يوجد فيه ما لا يليق وصف الله به، الذي لا يليق بالله أن نفهم من المعية الاختلاط و الحلول في المكان، كما قالت الجهمية...

و لهذا لما ظهر هذا القول المبتدع الضال صار السلف يقولون: هو معنا "بعلمه"... ففسروا المعية بلازمها و هو العلم، على أن لازم المعية ليس العلم فقط، فهو معنا بربوبيته و سمعه و بصره و سلطانه و قدرته...، و لكن تفسيرهم من نوع التفسير ببعض اللوازم و ليس باللوازم كلها، القصد منه: الرد على الجهمية الحلولية...

كما أن بعض السلف قال: هو مستو على العرش "بذاته"؛ مع أن "بذاته" غير واردة في النصوص الشرعية، لكن ذكرت ردا على من قال: أن الاستواء معنوي لا ذاتي...

كما عبر بعضهم و قال: ينزل إلى السماء الدنيا "بذاته"، ردا على قول من يقول: إن الذي ينزل هو أمره أو رحمته أو ملك من ملائكته...

فيجب أن نعرف أن السلف قد يفسرون الشيء بالمعنى (بشيء من لوازمه) حذرا من معنى باطل، اتخذه الناس في ذلك الوقت.

ولا نقول كما تقول الحلولية من الجهمية وغيرهم: إنه مع خلقه في الأرض. ونرى أن من قال ذلك فهو كافر أو ضال، لأنه وصف الله بما لا يليق به من النقائص.

كافر: إن بلغته الحجة و أن هذا مستحيل في حق الله، و أنه نقص في حقه ... فإن أصرّ كان كافرا.

ضالّ: إن لم يكن بلغته الحجة، فهو ضال لأنه وصف الله بما لا يليق به من النقائص.

== فصل ==

مقتضى المعية عامّ و خاصّ..:

1. فإذا كان المقصود بذلك بيان إحاطة الله تعالى بالخلق: فهي معية عامة كقوله: (وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير)، و قوله: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا).

1. و قد تكون معية للتهديد كقوله: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول).

2. و قد يكون المراد بها النصر و التأييد، مقيّدة بوصف كما في قوله: (إن الله مع الصابرين) (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

3. و قد يكون المراد بها النصر و التأييد، مقيّدة بشخص كقوله: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)، (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى).

و كلها لا تنافي علوّ الله عز و جل.

== فصل ==

ونؤمن بما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: {من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟}.

حول صفة النزول في الحديث

النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر أصحابه أن الله ينزل إلى السماء الدنيا لم يحتج أن يخبرهم أنه ينزل بذاته لأنهم فهموا أن الله هو الذي ينزل، أما عندما جاء من يقول أن الله ينزل نزولاًَ معنوياًَ احتجنا أن نقول أن الله تعالى ينزل بذاته دفعاًَ لهذا القول الجائر، و هذا لا ينافي علو الله تعالى لأن الله ليس كمثله شيء.

كيف ينزل؟ الجواب: الله أعلم، و السؤال عن ذلك بدعة؛ لأن الرسول أخبرنا أنه ينزل و لم يخبرنا كيف ينزل، و لو كان ذلك خيرا لنا لأخبرنا.

الليل: يبتدئ من غروب الشمس و ينتهي بطلوع الفجر (شرعيا) أو بطلوع الشمس (فلكيا)، و الذي يحمل عليه كلام الرسول صلى الله عليه و سلم هو الليل الشرعي.

السماء الدنيا: هي أقرب السماوات إلى الأرض...

ينزل: نزولا يليق به سبحانه و تعالى و لا ينافي كماله، لو حاول الإنسان أن يتصور كيفية ذلك لأنكرها، فلا تحاول أن تتصور الكيفية، و الصحابة لما سمعوا ذلك من الرسول صلى الله عليه و سلم و لم يسألوا عن الكيفية لم يكونوا أغبياء، بل منعهم الأدب مع الله و الرسول أن يسألوا كيف ينزل، يؤمنون بأن الله ينزل فيكون أقرب للعباد...

و بلا سفسطة نؤمن ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة فيقول من يسألني فأعطيه من يدعوني فأستجيب له من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر...، فإذا طلع الفجر فإن النزول غير حاصل ... دون الدخول في تفاصيل استمرار الليل على وجه الأرض، فالحديث المراد منه إخبار بالغيب الذي نحن مأمورون بالإيمان به، و الحديث المراد منه العطاء و النعمة و الفضل ... من يدعوني فأستجيب له؟.

و كان في الثلث الأخير من الليل لأنه ألذ ما يكون من النوم، فيهجر المرء فراشه و يقوم إلى ربه يتعرض إلى فضله و كرمه، و لهذا كان هذا الجزاء... يستجيب الله له إذا دعاه و يغفر له إذا استغفره و يعطيه إذا سأله...

== فصل ==

و سبب انحراف من انحرف في فهم هذه الصفة فقالوا معناها: (إن الذي ينزل هو أمره أو رحمته أو ملك من ملائكته)، هو أنهم ظنوا أن نزول الرب كنزول المخلوق؛ فقالوا: (إذا نزل لزم أن لا يكون عاليا و لزم أن السماء تقله و أن السماء الثانية و ما فوقها تظله و هذا مستحيل على الله...)!

لكن لو قالوا: (إننا لا يمكن أن ندرك كيفية صفات ربنا عز و جل و لا كنهها و نقول كما قال الرسول صلى الله عليه و سلم و الصحابة سمعنا و آمنا و صدقنا و لا نتجاوز هذا) لكان أولى لأنه الحق ...

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بأسماء الله و صفاته

ليست هناك تعليقات: