الأحد، أكتوبر 28، 2007

عقيدة -5 الإيمان بالله - حول آية الكرسي (1)

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالله – آية الكرسيّ

و نؤمن بأنه (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: 255).

هذه الآية العظيمة بيان لقواعد التصور الإسلامي الذي يقوم عليه وجود الجماعة المسلمة، و هو بيان عن وحدانية الله، و حياته الكاملة، و قيامه على كل شيء و قيام كل شيء به، و ملكيته المطلقة لكل شيء، و علمه المحيط بكل شيء، و هيمنته الكاملة على كل شيء، و قدرته الكاملة و حفظه لكل شيء، لا شفاعة عنده إلا بإذنه، و لا علم إلا ما يهبه؛ و ذلك ليمضي المسلم في طريقه، واضح التصور لعقيدته، التي يقوم عليها منهجه كله...

تفسير الآية

الله لا إله إلا هو: و هو توحيد العبودية، هذه الوحدانية الحاسمة الناصعة هي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي، و التي ينبثق منها منهج الإسلام للحياة كلها؛ فعن هذا التصور ينشأ الاتجاه إلى الله وحده بالعبودية و العبادة، فلا يكون إنسان عبدا إلا لله، و لا يتجه بالعبادة إلا لله، و لا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله، و عن هذا التصور تنشأ قاعدة: الحاكمية لله وحده؛ فيكون الله وحده هو المشرع للعباد، و يجيء تشريع البشر مستمدا من شريعة الله، و عن هذا التصور تنشأ قاعدة استمداد القيم كلها من الله؛ فلا اعتبار لقيمة من قيم الحياة كلها إذا لم تقبل في ميزان الله، و لا شرعية لوضع أو تقليد أو تنظيم يخالف منهج الله . . و هكذا إلى آخر ما ينبثق عن معنى الوحدانية من مشاعر في الضمير أو مناهج لحياة الناس في الأرض على السواء.

الحي: يتضمن جميع الصفات الذاتية، و معناه ذو الحياة الكاملة: كاملة من حيث إنها لا يعتريها نقص (كالمرض و النوم و ..) و كاملة من حيث إنها لم تسبق بعدم و لا يلحقها فناء: فهو حي أزلا و أبدا.

القيوم: يتضمن جميع الصفات الفعلية، و معناه قائم بنفسه (كقوله تعالى: و هو الغني الحميد: غير محتاج لغيره)، و قائم على غيره (كقوله تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت: قام ﺑﻬا فأوجدها و أبقاها، وأمدها بكل ما تحتاج إليه في بقائها)، مستغن عن كل أحد و عن جميع المخلوقات و غيره مفتقر إليه

فإن هذين الاسمين الكريمين يدخل فيهما جميع الكمالات الذاتية و الفعلية.

لا تأخذه سنة و لا نوم: لا يغلبه نعاس و لا نوم لكمال حياته و كمال قيوميته (لأنه لو نام فمن يقوم على الخلق؟ و لأﻧﻬما يعرضان للمخلوق الذي يعتريه الضعف و العجز و الانحلال، و ينزه عنهما ذو العظمة و الكبرياء و الجلال).

و حقيقة القيام على هذا الوجود بكلياته و جزئياته في كل وقت و في كل حالة . . حقيقة هائلة حين يحاول الإنسان تصورها، و حين يسبح بخياله المحدود مع ما لا يحصيه عد من الذرات و الخلايا و الخلائق و الأشياء و الأحداث في هذا الكون الهائل، و يتصور - بقدر ما يملك - قيام الله سبحانه عليها، و تعلقها في قيامها بالله و تدبيره . . إنه أمر لا يتصوره الإدراك الإنساني، و ما يتصوره منه – و هو يسير – هائل يدير الرؤوس، و يحير العقول، و تطمئن به القلوب . .

له ما في السماوات و ما في الأرض: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر: أي أنها لله لا يشاركه فيها أحد، فأخبر أنه مالك لجميع ما في السماوات و ما في الأرض، فكلهم عبيده و مماليكه، لا يخرج أحد منهم عن هذا الوصف اللازم؛ فهو المالك لجميع الممالك فاتصف بصفات الملك الشامل، و هو الذي اتصف بصفات الملك الكامل، و التصرف التام النافذ، و السلطان و الكبرياء.

فإذا تمحضت الملكية الحقيقية لله، لم يكن للناس ملكية ابتداء لشيء؛ إنما كان لهم استخلاف من المالك الواحد الأصلي الذي يملك كل شيء، و من ثم وجب أن يخضعوا في خلافتهم لشروط المالك المستخلف في هذه الملكية، و شروط المالك المستخلف قد بينها لهم في شريعته، فليس لهم أن يخرجوا عنها، و إلا بطلت ملكيتهم الناشئة عن عهد الاستخلاف، و وقعت تصرفاتهم باطلة، و وجب رد هذه التصرفات من المؤمنين بالله في الأرض.

على أن مجرد استقرار هذه الحقيقة في الضمير . . مجرد شعور الإنسان بحقيقة المالك سبحانه لما في السماوات و ما في الأرض . . مجرد تصور الإنسان لخلو يده هو من ملكية أي شيء مما يقال إنه يملكه، و رد هذه الملكية لصاحبها الذي له ما في السماوات و ما في الأرض . . مجرد إحساسه بأن ما في يده عارية لأمد محدود، ثم يستردها صاحبها الذي أعارها له في الأجل المرسوم . . مجرد استحضار هذه الحقائق والمشاعر كفيل وحده بأن يطامن من حدة الشره و الطمع، و حدة الشح و الحرص، و حدة التكالب المسعور، و كفيل كذلك بأن يسكب في النفس القناعة و الرضى بما يحصل من الرزق، و السماحة و الجود بالموجود، و أن يفيض على القلب الطمأنينة و القرار في الوجدان و الحرمان سواء، فلا تذهب النفس حسرات على فائت أو ضائع، و لا يتحرق القلب سعارا على المرموق المطلوب!

من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟: الشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثال: شفاعة النبي في أهل الجنة ليدخلوا الجنة (جلب منفعة)، و شفاعته لأهل الموقف أن يريحهم الله منه (دفع مضرة)، و الآية فيها استفهام بمعنى النفي ... أي لا يشفع أحد لأحد عند الله إلا إذا أذن له الله؛ و ذلك لكمال ملكه؛ فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له، مماليك لا يقدمون على الشفاعة لأحد حتى يأذن لهم، و لا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، و لا يرضى إلا عمن قام بتوحيده و اتباع رسله، فمن لم يتصف ﺑﻬذا فليس له في الشفاعة نصيب.

إنه الإيحاء بالجلال و الرهبة في ظل الألوهية الجليلة العلية، يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الاستفهام الاستنكارية، التي توحي بأن هذا أمر لا يكون، و أنه مستنكر أن يكون، فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟! و في ظل هذه الحقيقة تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاءوا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية و حقيقة العبودية، فزعموا لله سبحانه خليطا يمازجه أو يشاركه بالبنوة أو بغيرها من الصور في أي شكل و في أي تصور، أو زعموا له سبحانه أندادا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما، أو زعموا له سبحانه من البشر خلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له . . في ظل هذه الحقيقة تبدو تلك التصورات كلها مستنكرة مستبعدة لا تخطر على الذهن، و لا تجول في الخاطر، ولا تلوح بظلها في خيال!

يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم: الضمير عائد على الخلائق.. و المعنى ما بين أيديهم أي الحاضر و المستقبل، و ما خلفهم أي الماضي؛ فعلمه متعلق بالماضي فلا ينساه، و متعلق بالمستقبل فلا يجهله، فعلمه واسع محيط، لا تخفى عليه خافية.

و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء: لما بيّن الله علمه بالماضي و الحاضر و المستقبل بين علم الناس، فهل علم الله الشامل كعلم الناس؟ لا، لذلك فإننا لا نعلم من الغيب إلا ما علمنا الله فالغيب مجهول لكل أحد.

من علمه: معناها من علم نفسه أي لا يحيطون بشيء عن الله (كقوله تعالى: و لا يحيطون به علما)، و معناها كذلك من معلوماته أي لايحيطون بشيء من معلوماته و ذلك لكمال علمه.

فالخلق لا يحيط أحد منهم بشيء من علم الله، و لا معلوماته إلا بما شاء منهما، و هو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية و القدرية، و هو جزء يسير جدا بالنسبة إلى علم الباري، تضمحل العلوم كلها في علم الباري و معلوماته، كما قال أعلم المخلوقات، و هم الرسل و الملائكة:(سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) {32} البقرة

و هذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه، و في تحديد مقامه هو من إلهه؛ فالله يعلم العلم الشامل الكامل المستقصي لكل ما حول الخلائق، فهو يشمل حاضرهم الذي بين أيديهم، و يشمل غيبهم الذي كان و مضى و الذي سيكون و هو عنهم محجوب، كذلك هو يشمل ما يعلمونه من الأمور و ما يجهلونه في كل وقت . . أما هم فلا يعلمون شيئا إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه . .

و شطر الحقيقة الأول . . علم الله الشامل بما بين أيديهم و ما خلفهم . . من شأنه أن يحدث في النفس رجة وهزة . النفس التي تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها الذي يعلم ما بين يديها وما خلفها، يعلم ما تضمر علمه بما تجهر، و يعلم ما تعلم علمه بما تجهل، و يعلم ما يحيط بها من ماض و آت مما لا تعلمه هي و لا تدريه . . شعور النفس بهذا خليق بأن يحدث فيها هزة الذي يقف عريانا بكل ما في سريرته أمام الديان، كما أنه خليق بأن يسكب في القلب الاستسلام لمن يعرف ظاهر كل شيء و خافيه .

و شطر الحقيقة الثاني . . أن الناس لا يعلمون إلا ما شاء الله لهم أن يعلموه . . جدير بأن يتدبره الناس طويلا، و بخاصة في هذه الأيام التي يفتنون فيها بالعلم في جانب من جوانب الكون و الحياة، فالله قد زوى عنهم أسرارا كثيرة . . زوى عنهم كل ما لا يتعلق بالخلافة في الأرض . . و الأرض هي تلك الذرة الصغيرة السابحة في الفضاء كالهباءة . . و مع ذلك يفتن الإنسان بذلك الطرف من العلم، الذي أحاط به بعد الإذن، يفتن فيحسب نفسه في الأرض إلها! و يكفر فينكر أن لهذا الكون إلها! و إن يكن هذا القرن العشرون قد بدأ يرد العلماء حقا إلى التواضع و التطامن، فقد بدأوا يعلمون أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا! وبقي الجهال المتعالمون الذين يحسبون أنهم قد علموا شيئا كثيرا!

وسع كرسيه السماوات و الأرض: أي أحاط السماوات و الأرض، و الكرسي أعلى المخلوقات و سقفها، و العرش فوق الكرسي، و الكرسي أصغر بكثير من العرش لحديث (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/223)، فهذا إخبار عن عظمته وجلاله؛ فإذا وسع كرسيه السماوات و الأرض فقد وسعهما سلطانه.

و لا يؤوده حفظهما: قد حفظهما بما فيهما من العوالم بالأسباب و النظامات التي جعلها الله في مخلوقاته مع ذلك فلا يؤوده أي: يثقله حفظهما، لكمال عظمته و قوة اقتداره و سعة علمه و حكمته في أحكامه.

و هو العلي: مأخوذ من العلوّ؛ علا بصفاته و علا بذاته على جميع مخلوقاته، فهو الرفيع الذي باين جميع مخلوقاته؛ و هو العلي بعظمة صفاته، الذي له كل صفة كمال، و من تلك الصفات أكملها و منتهاها، و هو العلي الذي قهر جميع المخلوقات، و دانت له كل الموجودات، و خضعت له الصعاب، و ذلت له الرقاب.

العظيم: أي ذو العظمة و هي تشمل القوة في كل شيء، فهو من الأسماء الدالة على جملة أوصاف عديدة فالعظيم اسم جامع لجميع صفات العظمة و الكبرياء و اﻟﻤﺠد، الذي تحبه القلوب، و تعظمه الأرواح، و يعرف العارفون أن عظمة كل موجود و إن جلت عن الصفة - فإﻧﻬا مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم، فتبارك الله ذو الجلال و الإكرام.

إنه المتفرد بالعلو، المتفرد بالعظمة، و ما يتطاول أحد من العبيد إلى هذا المقام إلا و يرده الله إلى الخفض و الهون، و إلى العذاب في الآخرة و الهوان، و هو يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا). . و يقول عن فرعون في معرض الهلاك: (إنه كان عاليا . .)

و يعلو الإنسان ما يعلو، و يعظم الإنسان ما يعظم، فلا يتجاوز مقام العبودية لله العلي العظيم، و عندما تستقر هذه الحقيقة في نفس الإنسان، فإنها تثوب به إلى مقام العبودية و تطامن من كبريائه و طغيانه، و ترده إلى مخافة الله و مهابته، و إلى الشعور بجلاله و عظمته، و إلى الأدب في حقه و التحرج من الاستكبار على عباده، فهي اعتقاد و تصور، و هي كذلك عمل و سلوك . .

فضل الآية

لما اشتملت عليه من الأسماء والحسنى والصفات العلى فقد اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها فآية احتوت على هذه المعاني الجليلة يحق أن تكون أعظم آية في كتاب الله (قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بن كعب: يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله و رسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم . قال: فضرب في صدري وقال: والله! ليهنك العلم أبا المنذر – رواه مسلم) و يحق لمن قرأها بتدبر وتفهم أن يمتلئ من اليقين والعرفان والإيمان وأن يكون محفوظًا بذلك من الشيطان كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وكلني رسول الله صلى الله عليه و سلم بحفظ زكاة رمضان" الحديث بطوله في الكواشف ص106.

*****

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم باقي تفصيل الإيمان بأسماء الله و صفاته

هناك تعليق واحد:

عصفور المدينة يقول...

جزاك الله خيرا
اللهم إنا نسألك أن تنفعنا بها وتعلمنا ما فيها من العلم واليقين