الجمعة، سبتمبر 07، 2007

مقدمات ومبادىء علم الأصول(3)

بسم الله ؛ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ واتبع هداه ؛ وبعد ...
هذه آخر دروس المقدمة لهذا العلم باذن الله ؛ وفيها :
تاريخ أصول الفقه :
الأصول مصاحبة للفقه ، وقد نشأت مع نشأته ، غير أنها كانت نشأة بدائية اكتملت ودونت عندما اشتدت حاجة العلماء الى وضه قانون عام ومعيار مضبوط للاستنباط ، وتعتبر الأطوار التى مر بها أصول الفقه كالآتى :
الأصول فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم :
لقد كان عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو أصل الأحكام ومصدرها بما يبلغه عن ربه سبحانه وتعالى من أحكام وتعليمات مؤيدة بالوحى المتلو وهو القرآن ، أو بالوحى المروى وهو السنة ، فقد كان عليه الصلاة والسلام هو الامام الأعظم والقاضى الأحكم والمفتى الأعلم ، فلم يحتج فى عصره الى الرجوع الى القواعد اللغوية أو المنطقية أو الشرعية لاستنباط حكم من الأحكام ،
كأن يقال: هذا النص عام وهذا خاص ؛ أو النهى يفيد التحريم أو الكراهة ، وان كانت أذهان الصحابة حاوية لتلك المعانى دون تلفظ أو تصريح بها .
الأصول فى عهد الصحابة والتابعين :
برزت الأصول عند الصحابة والتابعين بصورة مطلقة ومعلومات عامة ودون أن تحظى بالتجميع أو التدوين أو حتى بالتصريح أو التلميح بها أو الاشارة اليها ، فقد كانت مرتكزة فى عقولهم بتناسق ، ويعبرون عنها بما أثبتوه من أحكام مستنبطة من أدلتها التفصيلية وقد روعيت القواعد الاجمالية دون تنصيص أو تصريح بذلك ،
فقد كانت تجد المسألة فيعرضونها على القرآن ، فان لم يجدو فعلى السنة ، فان لم يجدوا نظروا فيها برأيهم ورجحوها بأحد المعطيات اللغوية أو المصلحية أو العرفية أو غير ذلك مما تأكد لديهم فى ظنهم أنه مراد الشرع أو قريب منه .
فقد كانوا يستعملون القياس ويقدمون الناسخ على المنسوخ والمتواتر على الآحاد ويعملون بالمصلحة والعرف ...
غير أن اجتهادهم ذلك لم يكن مدونا وفق منهج مكتوب أو دراسة مكتملة فى المنهج والمحتوى ترتيبا وتوبيبا ،
ولعل السبب فى عدم التدوين أن الحاجة لم تكن ملحة بما ورثوه فى فهم اللسان العربى لقربهم من عصر الرسالة زمانا ومكانا وبما علموا من الخطاب الشرعى وأسراره وأحكامه وخفاياه بموجب ملازمة الصحابة لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتتبع أقواله واستقصاء تصرفاته قولا وفعلا وتقريرا ومعايشتهم لظروف وملابسات نزول الوحى وورود السنة فلم يخش ضياع العلم ونسيانه لكى يدون أصلا .
الأصول فى عصر أئمة المذاهب :
أخذ علم الأصول يتطور تطورا ملحوظا لسد الحاجة الى منهج فى الاستنباط الفقهى يكون عونا على مواجهة التحديات المستجدة ومعالجة النوازل المتلاحقة بسبب اتساع الدولة الاسلامية واختلاط الثقافة العربية والاسلامية بغيرها وتزايد انتشار العلماء وطروء مشكلات شتى فى مجالات عدة لم يكن لها سابق تنصيص أو اجماع ، الأمر الذى ألزم المجتهدين وضع قانون فى الاستنباط يواجه تلك التحديات ويجيب على سائر التساؤلات ، ويكون اطارا جامعا وفيصلا قاطعا يجمع الخاصة والعامة على اتجاه واحد ويزيل بوادر النزاع والتصدع والانقسام.
ووضع منهج الاستنباط ( هو المصطلح عليه بتدوين علم أصول الفقه ) أو بنشأته باعتباره علما شرعيا مكتوبا وفنا علميا مفردا بالتأليف والتدوين على غرار الفنون الأخرى .
ومن ثم فليس المقصود بنشأة علم الأصول انطلاقها من الفراغ ؛ بل تدوين ماكان موروثا عن الصحابة والتابعين بهدف تجميعه وترتيبه واستثماره لبيان حقيقة منهج الاستنباط والاجتهاد .
وقد نسب تدوين علم أصول الفقه الى الامام الشافعى باعتبار أن ماقام به من جمع لمسائل هذا العلم وترتيبها فى كتابه الشهير ( الرسالة ) ولذلك اشتهر أن الامام الشافعى أول من ألف فى علم الأصول ؛ الا أنه من الطبيعى أن يكون قد سبق الامام الشافعى أئمة وأعلاما قاموا بدور ما فى عملية التمهيد لما قام به الامام الشافعى ؛
ثم تتابع العلماء بعد ذلك فى التأليف والشروح والتعليق مابين مسهب وموجز ؛
ولذلك اختلفت طرق التدوين فى أصول الفقه كالآتى :
1- طريقة المتكلمين / وهى تعتنى بتحرير المسائل ووضع القواعد المبدئية الاجمالية المؤيدة بالعقل والبرهان والمنطق دون أن ينظر فى مطابقتها للفروع الفقهية والجزئيات العملية التى يجب أن تخضع للمبادىء والقواعد ؛
وأشهر من كتب فيها الشافعية والمالكية .
ومن الكتب المؤلفة فيها :
المستصفى للغزالى ؛ والبرهان لامام الحرمين الجوينى ؛ والاحكام فى أصول الأحكام للآمدى ، والمنهاج للبيضاوى .
2- طريقة الحنفية أو الفقهاء :
وهى تعتنى بوضع القواعد وفقا للفروع والجزيئات الفقهية وليس على ضوء الدليل العقلى والمبادىء المنطقية كما فعل المتكلمون . ولذلك أكثروا من ذكر الفروع والشواهد الفقهية .
ومن تلك الكتب: أصول الجصاص ، وأصول أبى زيد الدبوسى ، وأصول السرخسى .
3-طريقة المتأخرين : وهى الطريقة الجامعة بين الطريقتين السابقتين فمزجت بين الدليل المنطقى والبرهان وبين التمثيل الفقهى الفرعى .
ومن الكتب المؤلفة على هذه الطريقة : التوضيح على التنقيح لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود الحنفى ، وجمع الجوامع لتاج الدين السبكى ، والتحرير فى علم الأصول للكمال بن الهمام الحنفى .
4- الطريقة الجامعة بين الأصول والمقاصد والقواعد :
ومن كتبها : قواعد الأحكام فى مصالح الأنام للعز بن عبد السلام ، والفروق للقرافى المالكى ، والموافقات للشاطبى .
فوائد علم أصول الفقه :
- تحديد منهج الاستنباط الذى به يقع بيان أحكام الشرع فى الأفعال للانسانية ، الأمر الذى يفضى الى تحقيق المقاصد الشرعية المتمثلة فى اقرار عبودية الله تعالى وجلب المصالح ودرء المفاسد ، والفوز بمرضاته سبحانه وتعالى والظفر بجناته .
- الاستفادة العلمية وتنمية التحصيل المعرفى على مستويات كثيرة على المباحث اللغوية والمنطقية والشرعية وغيرها .
- تدريب الملكة العقلية على التدليل والمناظرة والمقارنة وسرعة الاستنتاج وقوة الحجة وأدب الرد وغير ذلك من ضروب العمل العقلى التعليلى المنطقى المتأتى بسبب دراسة هذا العلم والتمرس بمسائله والاحاطة بخباياه .
- تأكيد حيوية الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان وابراز علومها المختلفة التى تجمع بين العقل والنقل وبين الأصالة والمعاصرة بين الثبات والتطور . اذ يعد علم الأصول من العلوم الفريدة المتميزة فى ذلك الصدد .
- حصول شرف التفقه فى الدين كما جاء فى كثير من النصوص الشرعية التى تحث على ذلك .
المرجع : كتاب تعليم علم الأصول ل د : نور الدين مختار الخادمى .
فى الدرس القادم بمشيئة الله نبدأ فى الحكم الشرعى وأحكامه .

هناك 5 تعليقات:

طال الليل يقول...

بارك الله فيكم
متابع بإذن الله

عصفور المدينة يقول...

بارك الله فيك

عصفور بلا أجنحة يقول...

ما شاء اللة ربنا يزيدك كمان و كمان و يابخت من تعلم العلم و علمة اشكرك يا عفور و جزاك اللة خيرا

فارس عبدالفتاح يقول...

جعلها الله فى ميزان حسناتك

لكن مع الاسف فانا لا استطيع ان افهم فهم جيد للنصوص الفقهية التشريعية من القراءة ..

لكني افهمها فهمنا جيداً وعميق حين يكون من معلم او استاذ يقوم بعملية التلقين والشرح والرد على الاسئلة بالاخص فى الامور الفقهية الشرعية ..

فلوا جلست اقراء كتب الاولين والاخرين فى الفقة واصول الدين والامور الدينية المتعلقة بالمذاهب والتشريعات فلا افهم شيئ على الاطلاق اني حين اقرأ تاتي على خاطري وعقلي بعض الاسئلة فلابد لها من اجابات فى حينه حتى اتيقن من الصحة والخطأ وكيفية الادراك والفهم والاستيعاب لدي انها سليمة وانها تسير على الطريق السليم .

لهذا لا تؤاخذني ان لم اشارك فى هذه المدونة ولكني سوف اتابع على قدماً وثاق .

ولك كل الشكر والتقدير

محمد عبد المنعم يقول...

لو ينغع تقولي لي رأيك يا إصرار
في كتاب أصول الفقه للخضري
يبقى جزاك الله خيرا
و نفع الله بك