الأحد، مارس 23، 2008

عقيدة -22 الإيمان بالملائكة

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالملائكة

ونؤمـن بملائكـة الله تعالى وأنهم (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (سورة الأنبياء:من الآية 26،والآية27). خلقهم الله تعالى فقاموا بعبادته وانقادوا لطاعته (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (سورة الأنبياء: من الآية19، والآية2.).

الملائكة: عالـَم غيبي مخلوقون، خلقهم الله تعالى من نور، و ليس لهم من خصائص الربوبية و الألوهية شيء، و هم عابدون لله تعالى على الدوام و ليسوا بمكلـّفين، بل منحهم الله تعالى الانقياد التام لأمره، و القوة على تنفيذه؛ قال الله تعالى: (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (سورة الأنبياء: من الآية19، والآية2.)، وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى؛ (ثبت في الصحيحين في قصة المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودا إليه آخر ما عليهم)...

و الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بوجودهم.... و هو موضوع هذا الدرس.

الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، و من لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً. و هو موضوع هذا الدرس.

الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم... كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور، و قد يكون لبعضهم أعمال خاصة... كما سيأتي لاحقا إن شاء الله.

وجود الملائكة

دعونا نطرح بعض التساؤلات:

س: ما الدليل على وجود الملائكة؟ و ما الدليل على أهمية إيماننا بهم؟

ج: الإيمان بالملائكة جزء من الإيمان؛ فلا يتم إيمان المسلم إلا إذا آمن بوجودهم جملة، و بمن ورد ذكرهم فى القرآن و السنة على وجه التفصيل، و بأعمالهم التى كلفهم الله إياها.

و وجوب الإيمان بالملائكة و كونه جزءاً من الإيمان وارد فى نصوص كثيرة من القرآن و السنة، فمثلاً:

في القرآن:

قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (البقرة: 177).

و قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) (النساء: 136).

و قوله تعالى: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين * من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) (البقرة:97،98).

و في السنة:

…وجاء فى حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: ... (فأخبرنى عن الإيمان). قال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره). قال: (صدقت) ... إلى أن قال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) (رواه مسلم).

س: من هم الملائكة المذكورون بأسمائهم في القرآن أو السنة؟

ج:

- جبريل و هو السفير بين الله وأنبيائه ...

مذكور في القرآن و السنة كثيرا.

- ميكائيل و هو الموكل بالقطر والنبات ...

مذكور في القرآن و السنة كما تقدم و كما في الحديث التالي و غيره.

- إسرافيل و هو الموكل بالصور للنفخ للبعث يوم القيامة ...

جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول: (اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).

- الرعد و هو الموكل بالسحاب ...

جاء في سنن الترمذي من حديث ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو، قال: (ملك من الملائكة موكل بالسحاب...) صححه الألباني.

- مالك و هو خازن النار

مذكور في القرآن و السنة.

قال تعالى مخبرا عن عذاب أهل النار: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف: 77)

و جاء في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذات ليلة رؤيا كان فيها: (... والذي يوقِـد النار مالك خازن النار...).

- منكر و نكير و هما الملكان اللذان يسألان الميت في قبره ...

جاء في كتاب الروح لابن القيم حديث طويل ... جاء فيه: (...وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا وضع كافر في قبره أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له: من ربك ؟ فيقول: لا أدري ، فيقولان له: لا دريت، فيضربانه ضربة فيصير رمادا ثم يعاد فيجلس ، فيقال: ما قولك في هذا الرجل ؟ فيقول: أي رجل ؟ فيقولان: محمد صلى الله عليه وآله سلم، فيقول: قال الناس أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيضربانه ضربة فيصير رمادا...) و قال ابن القيم: هذه حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ ولا نعلم أحدا من أئمة الحديث طعن فيه بل رووه في كتبهم وتلقوه بالقبول.

== فائدة ==

عزرائيل – زعموا أنه ملك الموت، لكن لم يرد في ذلك الاسم أثر صحيح.

رضوان – زعموا أنه خازن الجنة، لكن لم يرد في ذلك الاسم أثر صحيح.

...!

== فائدة ==

و قد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساماً، و قالوا: "إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات"، و هذا تكذيب لكتاب الله تعالى، و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم و إجماع المسلمين.

قال الله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) (سورة فاطر: 1).

و قال: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوهم وأدبارهم) (سورة الأنفال: 5).

و قال: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم) (سورة الأنعام: 93).

و قال: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) (سورة سبأ: 23).

و قال في أهل الجنة: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) (سورة الرعد: 23-24).

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء،، إن الله يحب فلانأ فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض). (أخرجه البخاري).

و عنه أيضاً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم الجمعة على كل باب من أبواب المساجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر). (أخرجه البخاري ومسلم).

و هذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية - كما قال الزائغون -، و على مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.

== فائدة ==

و قد أنكروا أيضا كون الجن و الشياطين أجساماً، و قالوا: "إنهم عبارة عن قوى الشر الكامنة في المخلوقات"، و هذا تكذيب لكتاب الله تعالى، و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم و إجماع المسلمين.

فالجن صنف من مخلوقات الله ورد ذكرهم في القرآن و السنة و هم مكلفون: مؤمنهم في الجنة و كافرهم في النار، يقول الشيخ محمد رشيد رضا: (...والقاعدة العقلية أن عدم وجدان الشيء لا يقتضي عدم وجوده، فتكذيب جميع أصناف البشر في الاعتقاد بوجود عالم خفي لا تظهر آثاره إلا نادرًا لبعض الناس -بناءً على أن المكذب لم يدرك ذلك بحواسه- غير سديد...

و يعجبني قول الدكتور فانديك في كلامه على الحواس الخمس: "لو كانت لنا حواس أخرى فوق الخمس التي لنا لربما توصلنا بها إلى معرفة أشياء كثيرة لا نقدر على إدراكها بالحواس الخمس التي نملكها، ولو كانت حواسنا الموجودة أحدَّ مما هي لربما أفادتنا أكثر مما تفيدنا وهي على حالتها الحاضرة..". و مما ذكره من الأمثلة لهذا قوله: "..ولو كان سمعنا أحدَّ لربما سمعنا أصواتًا تأتينا من عالم غير العالم الذي نحن فيه...إلخ". و لم يقل هذا وحده بل قاله غيره، و يقوله كل عاقل، و قد أعجبنا منه أنه جعله في المسألة الأولى من الجزء الأول من كتابه (النقش في الحجر) الذي ألفه للمبتدئين...

فإن قيل: "نسلم أن العاقل لا ينكر وجود شيء لعدم علمه أو إحساسه به، و لكنه أيضًا لا يثبته بغير دليل، و ما يذكر من أخبار الجن عند جميع الأمم لم يقم عليه دليل، بل يجزم العقل في بعضه أنه كذب و زور"...

نقول: "هذا قول حق، و الدليل منه عقلي، و منه حسي، و منه الخبر الصادق الذي عرفنا به تاريخ الأولين و الآخرين، و ما في العالم من الأمور التي شاهدها غيرنا و أخبر فصدقنا، و إن علم أكثر الناس بالخبر أكثر من علمهم بالاختبار...

فإذا كان أكثر ما ينقل عن الناس من أخبار الجن ظاهر البطلان فإن بعضه ليس كذلك، و عندنا الخبر اليقين فيه، و هو خبر الوحي الذي دلت الآيات البينات على صدق من جاء به و هو لم يخبر بشيء محال في نظر العقل أو مجريات العلم و أعني بالوحي هنا القرآن، و أما أخبار الأناجيل في إخراج الشياطين من الناس فإنه ليس لها سند متصل و إنما وجدت بعد المسيح بزمن طويل، و هي منقطعة الإسناد إليه، و إن اشتهرت بعد ذلك. و كذلك الأحاديث النبوية عند من صحت عنده فصدق الرواية. و جملة ما في القرآن أن في الكون عالمًا عاقلاً خفيًّا يقال له الجن، و أن منه المؤمن و الكافر و الصالح و القاسط، و أنه يرى الناس و لا يرونه، و أن شياطين الجن مثارات للوساوس الضارة التي تسول للإنسان الشر و تزين له الشهوات القبيحة...") ا.هـ. من فتاوى المنار.

و النصوص الصريحة متوافرة و كثيرة في أن الجن و الشياطين أجسام لا قوى معنوية - كما قال الزائغون -، و على مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم الإيمان بصفات الملائكة.

ليست هناك تعليقات: