الأحد، يناير 20، 2008

عقيدة -16 الإيمان بالله - حول بعض آيات الصفات (8)

تنويه: سنجرب في هذا الدرس طريقة الشرح عن طريق الأسئلة و الإجابات فقط... و نطالع آراء المشاركين...

الحمد لله و صلى الله و سلم و بارك على عبده و رسوله محمد و على آله و صحبه أجمعين

الإيمان بالله – حول بعض آيات الصفات (8)

ونؤمن بأنه سبحانه وتعالى يأتي يوم المعاد للفصل بين العباد لقوله تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) (الفجر: 21،23).

حول صفة المجيء و الإتيان في الآية

دعونا نطرح بعض التساؤلات:

س: ما الذي تفهمه من معنى قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة وقضي الأمر)، و قوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)، و قوله: (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا) ؟

ج: في هذه الآيات إثبات الإتيان و المجيء على ما يليق به سبحانه، و هذه من الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة و القدرة فـ يأتي يوم المعاد (يوم القيامة) للفصل بين العباد، (و مثله: أنه ينزل سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر – راجع الدرس السابق) و غير ذلك على ما وردت به النصوص و كما يشاء جل و علا، و أفعاله سبحانه قائمة به فيجب إثباتها له على الوجه اللائق بجلاله و عظمته...

و في الآيات دليل على صفات: العلوّ و المجيء و الإتيان بذاته سبحانه على ما يليق بجلاله و عظمته، كما هو المتبادر من النصوص.

س: بم يـُـرَدّ على المبتدِعة القائلين أن المراد بمجيء الله مجيء أمره و الإتيان إتيان أمره و النزول نزول أمره؟

ج: ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله - على قوله تعالى: (وجاء ربك) و قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله...) الآية، و نظائره... قال (بتصرف لغوي يسير):

((فإن قيل: <<هو من مجاز الحذف تقديره "وجاء أمر ربك">>، قلنا: إن هذا باطل من وجوه:

الأول: أنه إظهار ما لا يدل عليه اللفظ، و لو أننا ادعينا حذف ما لا يدل عليه شيء فإن هذا يرفع الثقة في الكلام (و هو في حالتنا هذه: كلام الله سبحانه!)، و يفتح الباب لكل صاحب نظرية باطلة فيدّعي إظهار ما يصحح باطله!

الثاني: أن صحة التركيب اللغويّ و استقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف؛ بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون حاجة إلى حذف (إضمار) ما هو مخالف لأصل النصّ، فلا يجوز.

الثالث: أنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تحديد المحذوف؛ كان تحديد المحذوف ساعتها قولاً على المتكلم بغير علم، و إخبارًا عنه بإرادة شيء - لم يقم به دليل على إرادته -، فنكون بذلك كذبنا على المتكلـِّم (و هو في حالتنا هذه: الله سبحانه!).

الرابع: كما أن في السياق ما يبطل هذا التقدير و هو قوله: (وجاء ربك و المـَلـَك) فعطف مجيء الملائكة على مجيئه سبحانه يدل على أن مجيء الرب سبحانه مغاير لمجيء الملائكة، و أن مجيئه سبحانه حقيقة كما أن مجيء الملائكة حقيقة، وكذلك فمجيء الرب سبحانه أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملائكة. و كذلك قوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)، ففرّق بين إتيان الملائكة و إتيان الرب و إتيان بعض آيات الرب، فقـسـّم و نـوّع، و مع هذا يمتنع أن يكون القسمان واحدًا فتأمله...)) ا.هـ

== فصل ==

ونؤمن بأنه تعالى (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج: الآية 16).

ونؤمن بأن إرادة الله تعالى نوعان: كونية: يقع بها مراده ولا يلزم أن يكون محبوباً له، وهي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (سورة البقرة: من الآية 253) (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ) (سورة هود: من الآية 34). وشرعية: لا يلزم بها وقوع المراد ولا يكون المراد فيها إلا محبوباً له، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (سورة النساء: من الآية 27).

ونؤمن بأن مراده الكوني والشرعي تابع لحكمته، فكل ما قضاه كوناً أو تعبد به خلقه شرعاً فإنه لحكمة وعلى وفق الحكمة، سواء علمنا منها ما نعلم أو تقاصرت عقولنا عن ذلك (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (سورة التين: الآية 8)، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (سورة المائدة: من الآية 50).

حول صفة الإرادة في الآيات

دعونا نطرح بعض التساؤلات:

س: هل كل ما يقع في هذا الكون هو بإرادة الله تعالى؟ و إذا كان كذلك فكيف تقع الأشياء التي لا يحبها الله في ملك الله و بإرادته؟

ج: بعض الناس قد ضل في باب القدر لأنهم ظنوا أن إرادة الله للفعل تقتضي محبته له، فجرهم ذلك إلى القول بأن أفعال الشر تقع بغير إرادة الله! فنسبوا إلى الله العجز و الضعف حيث أثبتوا أنه يقع في ملكه ما لا يريد، وبالتالي فقد يريد الشيء ولا يقع ـ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ـ، و الحق أنه لا تلازم بين ما يحبه الله و يريده شرعا، و بين ما يقضيه و يريده و يقدره كوناً و يتضح ذلك بالأسئلة التالية...

س: ما دليل الإرادة الدينية الشرعية و بأي شيء تتعلق؟

ج: قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) و قوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) و قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) ففي هذه الآيات إثبات لصفتي المشيئة و الإرادة الكونية القدرية المرادفة للمشيئة الشاملة، و هذه الإرادة تتعلق بالخـَـلـْـق: بأن يريد ما يفعله هو؛ و هذه الإرادة لا يخرج عنها شيء، فهي واقعة لا محالة: سواء أحبها سبحانه و رضيها أم لا، قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)، فالكافر و المسلم و الطاعات و المعاصي و الأرزاق و الآجال و جميع الحوادث كلها تحتها، و في الآية إثبات هداية التوفيق و الإلهام، و فيها كذلك إثبات الفعل لله حقيقة على ما يليق بجلاله و عظمته.

س: إذن فـما دليل الإرادة الدينية الشرعية و بأي شيء تتعلق؟

ج: قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، و قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولـكن يريد ليطهركم)، و قوله: (والله يريد أن يتوب عليكم)، و قوله: (يريد الله أن يخفف عنكم)، و قوله: (إن الله يحكم ما يريد)، ففي هذه الآيات إثبات لصفة الإرادة الدينية الشرعية، و هذه الإرادة تتعلق بالأمـْـر: بأن يريد من العبد فعل ما أمره به؛ و هي مختصة بما يحبه الله ويرضاه، فالله سبحانه يحبـّها: سواء وقعت أو لم تقع.

== فائدة ==

أعد قراءة السؤالين السابقين، تجد أن الآية الكريمة (ألا له الخلق والأمر) جمعت بين الإرادتين... فـإرادة الخلق هي إرادة الله الكونية، و إرادة الأمر هي إرادة الله الشرعية.

== فصل ==

س: باختصار و وضوح، ما الفرق بين الإرادتين؟

ج: بين الإرادة الكونية و الإرادة الشرعية فروق تميز كل واحدة منهما عن الأخرى، و من تلك الفروق ما يلي:

الإرادة الكونية: تتعلق بما يحبه الله و يرضاه، و بما لا يحبه و لا يرضاه، فهي مرادفة للمشيئة.

الإرادة الشرعية: لا تتعلق إلا بما يحبه الله و يرضاه، فهي مرادفة للمحبة.

**

الإرادة الكونية: قد تكون مقصودة لغيرها كخلق إبليس مثلاً، و سائر الشرور؛ لتحصل بسببها أمور كثيرة محبوبة لله تعالى كالتوبة، و المجاهدة، و الاستغفار.

الإرادة الشرعية: مقصودة لذاتها؛ فالله تعالى أراد الطاعة و أحبها، و شرعها و رضيها لذاتها.

**

الإرادة الكونية: لا بد من وقوعها؛ فالله إذا شاء شيئاً وقع و لا بد، كإحياء أحد أو إماتته، أو غير ذلك.

الإرادة الشرعية: ـ كإرادة الإيمان من كل الناس و الجنّ ـ ... لا يلزم وقوعها، فقد تقع و قد لا تقع، و لو كان لا بد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين.

**

الإرادة الكونية: متعلقة بربوبية الله و خلقه.

الإرادة الشرعية: متعلقة بألوهية الله و شرعه.

**

الإرادتان تجتمعان في حق المطيع، فالذي أدى الصلاة ـ مثلاً ـ جمع بينهما؛ و ذلك لأن الصلاة محبوبة لله، و قد أمر بها و رضيها و أحبها، فهي شرعية من هذا الوجه، و كونها وقعت دل على أن الله أرادها كوناً فهي كونية من هذا الوجه؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع.

و تنفرد الإرادة الكونية في مثل كفر الكافر، و معصية العاصي، فكونها وقعت فهذا يدل على أن الله شاءها؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، و كونها غير محبوبة و لا مرضية لله دليل على أنها كونية لا شرعية.

و تنفرد الإرادة الشرعية في مثل إيمان الكافر المأمور به، و طاعة العاصي المطلوبة منه بدل معصيته، فكونها محبوبة الله فهي شرعية، و كونها لم تقع ـ مع أمر الله بها و محبته لها ـ دليل على أنها شرعية فحسب؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع.

== فصل ==

عند أهل البدع ... أدى الخلط بين إرادة الله تعالى الكونية و إرادته الشرعية أو أنهم لم يقسموا الإرادة إلى قسمين أن ضلوا و أضلوا ...

الجبرية: لم يثبتوا إلا الإرادة الكونية... فزعموا مثلا أن الله هو الذي أعان الكافر على كفره و أنه لولا الله ما استطاع الكافر أن يكفر! حاشا لله.

المعتزلة: أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية، و لم يثبتوا الإرادة الكونية... فعندهم أصل من أصول مذهبهم يسمى (العدل) و هو برأيهم أن الله لا يخلق أفعال العباد، ولا يحب الفساد، بل إن العباد يفعلون ما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم وأنه لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه! حاشا لله.

أهل السنة و الجماعة: هداهم الله فأثبتوا الإرادتين عملاً بالنصوص، فكان مذهب أهل السنة و الجماعة هو الحق و وسط بين مذهبين باطلين...

== الخلاصة ==

أفعال الله كلها خير و حكمة و عدل:

فالله سبحانه و تعالى يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها هو، وقد يُعْلـِم العباد أو بعضهم من حكمته ما يطلعهم عليه، و قد يعجز العباد بعقولهم القاصرة عن إدراك كثير من الحكم الإلهية. و الأمور العامة التي يفعلها سبحانه تكون لحكمة عامة، و رحمة عامة، كإرساله محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)...

فهو سبحانه حكيم، لا يفعل شيئاً عبثاً و لا لغير معنى و مصلحة و حكمة، و هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فـَـعـَـل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فـَـعـَـل، و قد دل كلامه و كلام رسوله صلى الله عليه وسلم على هذا...

*****

و الله أعلم

سبحانك اللهم و بحمدك.. نشهد أن لا إله إلا أنت.. نستغفرك و نتوب إليك

يتبع إن شاء الله الدرس القادم تفصيل الإيمان بأسماء الله و صفاته

ليست هناك تعليقات: