بسم الله الرحمن الرحيم
تابع أحكام المفطرين وما يفسد الصوم
يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: ( ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غيره وإن فرَّط أطعمَ مع القضاء لكلِّ يوم مسكيناً وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه وإن كان لغير عذرٍ أُطعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ إلا أن يكون الصوم منذوراً فإنه يصام عنه وكذلك كل نذر طاعة.)
قال -رحمه الله تعالى-: ( ومن أخرَّ القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غير القضاء)
الواجب على من أفطر في نهار رمضان؛ لعذر؛ لسفر أو مرض أو غيره أن يبادر إلى القضاء وهذا هو المستحب في حقه ويتأكد ذلك إذا ضاق الوقت بحيث قرب وقت رمضان الآخر
ولكن لو قدِّر أن هذا الذي أفطر أياماً من رمضان لعذر أنه لم يبادر حتى أدركه رمضان آخر فهذا فيه تفصيل.
قال المؤلف: ( إن كان هذا لعذر فليس عليه غير القضاء ) يعني:: إن كان هذا التأخير إنما حصل لعذر فليس عليه إلا القضاء كأن يفطر لمرض ثم يستمر معه المرض، ثم بعد ذلك يدركه رمضان من العام الذي يليه ثم يشفى بعد وهنا لا يلزمه إلا القضاء فقط, أي أنه لا يلزمه مع القضاء الإطعام.
قال: ( وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً ) يعني: إن كان التأخير ليس لعذر وإنما من باب التفريط والتساهل والإهمال والتسويف, كل يوم يقول: أصوم غداً حتى أدركه رمضان من العام الذي يليه
فيقول المؤلف: ( إنه يلزمه مع القضاء أن يطعم عن كل يوم مسكيناً ) فإذا كانت الأيام التي أفطرها خمسة أيام قضى خمسة أيام وأطعم خمسة مساكين, عشرة أيام قضى عشرة أيام وأطعم عشرة مساكين
أما القضاء فالدليل عليه ظاهر: ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾.
وأما الإطعام فلم يثبت دليل من السنة يدل على ذلك ولكنه روي في حديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين) ولكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا قال الترمذي: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر فيكون هذا من كلام ابن عمر.
وقال بعض أهل العلم: إن الله - عز وجل-إنما أوجب القضاء فقط في قوله – سبحانه-: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾[البقرة: 184]
وأطلق - جل وعلا- وإيجاب الإطعام مع القضاء يحتاج إلى دليل ظاهر لأن إيجاب مثل هذا الأمر على عباد الله – تعالى- يحتاج إلى دليل صحيح صريح ولم يرد في السنة دليل صحيح صريح يدل على وجوب الإطعام.
فالأظهر أنه لا يجب، وإنما يستحب له ذلك أخذاً بما روي عن بعض الصحابة في هذا من آثار وخروجاً من الخلاف وهذا هو القول الأظهر في هذه المسألة - والله تعالى أعلم-.
قال: ( وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه )
هذا إنسان أفطر لعذر, ثم إن هذا العذر استمر معه فلم يتمكن من القضاء فهذا لا شيء عليه، لكن هذا إذا كان الواجب عليه القضاء أما إذا كان الواجب عليه الإطعام ابتداء فإنه لابد أن يُخرَج عنه من تركته
مثلاً: المريض إذا كان مرضه لا يرجى برؤه فإنه تعين ابتداء الإطعام، فيطعم عنه ولذلك لو مات مثلاً بعد رمضان مباشرة فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً لكن لو كان مرضه يرجى برؤه ولكنه لم يتمكن من القضاء لكون المرض استمر معه مع كونه مرجو البرء استمر معه هذا المرض ثم تفاقم معه حتى مات فهنا لا شيء عليه هذا معنى قول المؤلف: (إنه لا شيء عليه).
قال: (وإن كان لغير عذر أُطعِمَ عنه لكل يوم مسكينٌ ) يعني: إن كان التأخير لغير عذر كأن يكون مريضاً مرضاً يرجى برؤه وأخر القضاء وفرط ثم مات فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين.
قال: ( إلا أن يكون الصوم منذوراً فإنه يصام عنه ) أفادنا المؤلف أن من مات وعليه صوم نذر فإنه يصام عنه والذي يصوم عنه وليه يعني: قريبه الوارث
والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- (أن امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأقضيه عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك)
وأيضاً ما جاء في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (من مات وعليه صوم صام عنه وليه )
ولكن المؤلف حمل هذا على صوم النذر خاصة استدلالاً بقصة هذه المرأة التي استفتت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقد ورد في رواية (إن أمي ماتت وعليها صوم نذر)
قال: (وإن كان لغير عذر أطعم عنه عن كل يوم مسكين) فنقول: إن ترك صوماً بغير عذر فإنه يصام عنه, مثلاً شخص عليه خمسة أيام من رمضان مات ولم يصمها بغير عذر فيستحب لوليه أن يصوم عنه والمراد بالولي هنا: القريب الوارث لقوله -عليه الصلاة و السلام-: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ).
فيستحب لأقاربه أن يصوموا عنه ولا مانع من أن يصوم عنه أكثر من واحد يعني: لو كان الصوم الذي عليه خمسة أيام وله خمسة إخوة, قالوا: نتقاسم هذه الأيام الخمسة. لا بأس, حتى ولو صام هؤلاء الخمسة في يوم واحد لا بأس بهذا إلا ما يشترط فيه التتابع فلا بد من أن يكون من شخص واحد كأن يكون عليه مثلاً كفارة ظهار أو كفارة قتل أو كفارة الجماع في نهار رمضان وفرَّط وترك الصوم الواجب لم يجد رقبة وكان عليه صيام شهرين متتابعين لكنه فرط حتى مات فهنا لابد أن يكون هذا الصوم من شخص واحد لأنه لا يتحقق التتابع إذا كان الصوم من أكثر من واحد.
مسألة : أراد أن يصوم عنه شخص من غير أقاربه كصديق له, إنسان صديق لآخر ثم توفي صديقه وهو يعلم أن عليه أياماً فقال من باب الوفاء: أنا أريد أن أصوم عن صديقي فلان. فهل يشترط أن يكون الصوم من أقاربه أم أنه يصح أن يكون الصوم من غير أقاربه؟
الجواب: يصح أن يكون الصوم من غير أقاربه، لكن أقاربه أولى بأن يصوموا عن قريبهم.
خلاصة القول في هذه المسألة: أن من مات وعليه صوم إن كان تأخيره القضاء لعذر كأن يكون مريضاً واستمر به المرض وهذا المرض مما يرجى برؤه لكنه استمر به حتى مات فإنه لا شيء عليه.
أما إن أخر القضاء لغير عذر فمات فإنه يستحب لوليه أن يصوم عنه من باب الاستحباب وليس من باب الوجوب فإن لم يتيسر الصيام عنه فإنه يُطعَم عنه عن كل يوم مسكينٌ إن كان صوم نذر.
قال: ( وكذلك كل نذرِ طاعةٍ )
أفادنا المؤلف بهذا أن المنذورات تقضى عن الميت يعني: أن هذا لا يختص بالصوم بل يشمل كذلك الحج، يشمل الصدقة، بل حتى يشمل الصلاة أيضاً قد روي ذلك عن بعض الصحابة فكما في البخاري وغيره.
والنذر عقده مكروه يكره عقد النذر.
وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه كما في الصحيحين وقال: (إنه لا يأتي بخير إنما يستخرج من البخيل),
ولكن هذا النهي محمول عند أهل العلم على الكراهة وليس على التحريم
لأن الله- تعالى- أثنى على الموفين بالنذر ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرً﴿7﴾﴾[الإنسان: 7] ولو كان عقد النذر محرماً لما أثنى الله- تعالى- على الموفين بالنذر فدل ذلك على أن عقد النذر ابتداءً أنه مكروه وليس محرماً.
فإن كان نذر طاعة يجب عليه أن يفي به, إذا كان النذر نذر طاعة فإنه هو الذي أوجب على نفسه شيئاً لم يوجبه الله - عز وجل- عليه ومن نذر نذر طاعة ولم يفِ بهذا النذر فإنه على خطر عظيم
كما قال الله - عز وجل-: ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴿75﴾فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ﴿76﴾ ﴾[التوبة: 75، 76 ]
ما هي العقوبة؟ انتبه العقوبة عقوبة شديدة, عقوبة معنوية لكنها عقوبة شديدة
﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴿77﴾﴾ [التوبة: 77]
إذن: عقوبة من عاهد الله- تعالى- ولم يفِ بهذا العهد من نذر طاعة هي هذه العقوبة الشديدة هو أن يجعل في قلبه النفاق إلى الممات- والعياذ بالله-: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴿77﴾﴾.
فمن نذر مثلاً أن يصوم ولم يصم, نذر أن يتصدق ولم يتصدق, نذر نذر طاعة ولم يفعله هو على خطر من أن تحل به هذه العقوبة العظيمة وهو أن يجعل النفاق في قلبه إلى أن يموت وهذا أشد ما يكون من العقوبة وربما تكون هذه العقوبة أشد من العقوبة الحسية لأن هذه العقوبة ربما تحل بالإنسان من حيث لا يشعر فيكون في قبله النفاق إلى أن يموت فلا يوفق لتوبة ولا لإنابة ولهذا فالإنسان في سعة من أمره, لماذا يوجب على نفسه شيئاً لم يوجبه الله عليه؟
هو يضيق على نفسه ويدخل نفسه في الحرج ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا قال: (إنه لا يأتي بخير )
وبهذا ينتهي باب أحكام المفطرين وما يفسد الصوم
والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الأربعاء، يونيو ٠٣، ٢٠٠٩
الصيام - 4
كُتب بواسطة أبوعمر في الساعة ١٠:٤٧ ص 4 تعليقاتكم
التصنيفات الفقه
الأربعاء، مايو ٢٠، ٢٠٠٩
الصيام - 3
الصيام - 3
أحكام المفطرين
الحمد لله رب العالمين والعاقية للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
في الدرس السابق تكلمنا عن شروط وجوب الصوم وعن الطرق التي يثبت بها دخول شهر رمضان وأنه يجب إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً أو برؤية هلاله، وعن حكم العمل بالحساب الفلكي في إثبات الشهور
وسنتكلم عن أحكام المفطرين :-
يقول ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: ( ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به, والمسافر الذي له القصر فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء وإن صاماً أجزأهما.
الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان وإن صامتا لم يجزئهما.
الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً وإن صامتا أجزأهما.
الرابع: العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكيناً وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير )
قال -رحمه الله تعالى-: ( باب أحكام المفطرين في نهار رمضان )
أوجب الله- - عز وجل- صيام شهر رمضان على كل مسلم مكلف وذكرنا شروط وجوب الصوم في الدرس السابق وذكرنا أن فرض شهر رمضان مر بعدة مراحل:
أول ما فرض: صيام يوم عاشوراء.
ثم بعد ذلك فرض صيام شهر رمضان على التخيير بينه وبين الإطعام ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾[البقرة: 184] يعني: خير من الإطعام.
ثم المرحلة الثالثة التي استقر عليها الأمر هي فرض صيام شهر رمضان على وجه التعيين بقول الله - عز وجل-: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾[البقرة: 185] ولكن من رحمة الله - عز وجل- بعباده أن خفف عن بعض من تلحقهم مشقة في الصوم فأباح لهم الفطر في نهار رمضان، وقد ذكر الله- تعالى- من هؤلاء: المريض والمسافر في قوله- سبحانه-: ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾[البقرة: 184] ذكر الله- تعالى- هذا في موضعين.
وأيضاً جاءت السنة بإباحة الفطر كذلك للحائض والنفساء, بل بوجوب الفطر على الحائض والنفساء- كما سيأتي- كذلك أيضاً العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه يباح له الفطر وهو في حكم المريض ونتكلم بعد ذلك عن هذه الأقسام الأربعة بالتفصيل.
قال -رحمه الله تعالى-: ( يباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام )
وبدأ بالقسم الأول قال: (أحدها: المريض) وهذا منصوص عليه في الآية الكريمة, فالمريض يجوز له الفطر في نهار رمضان ولكن ما الضابط للمرض الذي يباح بسببه الفطر في نهار رمضان؟
قال المؤلف: (الذي يتضرر به)
فأفادنا المؤلف أن الضابط: هو حصول الضرر لهذا المريض
والمؤلف ذكر فقط المرض الذي يتضرر به المريض، ولكن أحياناً المريض قد لا يتضرر بالفطر لكن يشق عليه الصوم بسبب المرض فهذا المريض الذي يشق عليه الصوم يباح له الفطر أيضاً فنستطيع إذن بعبارة جامعة شاملة أن نقول:
ضابط في المرض : الذي يباح بسببه المرض هو الذي يشق بسببه الصوم أو يتضرر به المريض, بعبارة مختصرة جامعة هي الذي يتضرر به المريض أو يشق عليه مشقة كبيرة.
أما إذا كان المرض يسيراً كزكام أو صداع أو نحو ذلك فإن هذا المرض لا يبيح الفطر في نهار رمضان.
والذي يحدد مدى تضرر المريض بهذا المرض هو الطبيب الثقة إذا قال الطبيب الثقة العدل لهذا المريض: إنك لو لم تفطر في نهار رمضان فإنه يحصل لك ضرر إما بزيادة المرض أو بتأخر البرء فإنه يباح له بسببه الفطر أو أنه بسبب هذا المرض يحصل له مشقة واضحة ظاهرة فهنا يباح له بسببه الفطر.
قال: (والمسافر الذي له القصر) وهذا منصوص عليه في الآية الكريمة ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ وقيد المؤلف المسافر بمن له القصر يعني: من يحل له الترخص برخص السفر، وهذا قد مضى معنا في باب الصلاة
المسافر بالنسبة للفطر له ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة فالصحيح أنه يكره أو يحرم عليه الصوم يعني: الحكم دائر بين الكراهة وبين التحريم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لما كان ذات مرة في سفر وأمر بالإفطار وبلغه أن أناساً لم يفطروا فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة) والعصيان لا يكون إلا على ارتكاب معصية، ولهذا فإن الصوم في هذه الحال يحرم أو أنه يكره يعني: دائر بين الكراهة وبين التحريم.
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة فيكره الصوم في حقه وذلك لما فيه من العدول عن رخصة الله- تعالى- فإن الله تعالى رخص للمسافر أن يفطر في نهار رمضان ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ وفي صحيح مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: ( قلت: يا رسول الله إني أجد في قوة على الصيام في السفر قال -عليه الصلاة والسلام-: هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه والله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه).
ولهذا فإن الأفضل في حقه الفطر ويكره في حقه الصوم إذا كان يشق عليه مشقة غير شديدة، ولهذا نقول مثلاً لمن ذهب إلى مكة معتمراً وشق عليه الصوم نقول: الأفضل أن تفطر وبعض الناس يشق عليه الصوم ويجهده الصوم, لكنه يصر على عدم الإفطار وهذا مكروه في الحقيقة فالأفضل في حقه أن يفطر وأن يأخذ برخصة الله - عز وجل-.
الحالة الثالثة: أن لا يشق عليه الصيام، وحينئذ يفعل ما هو الأيسر في حقه لقول الله - عز وجل-: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾[البقرة: 185]
فإن تساويا يعني: بعض الناس يقول: ليس علي مشقة في الصوم في السفر, يكون مثلاً في طائرة يكون في سيارة مكيفة ما عليه أدنى مشقة نقول: افعل ما هو الأيسر في حقك قال: الصوم والفطر متساويان في حقي فإن تساويا الصوم والفطر في حقه فإن الأفضل في هذه الحال الصوم وذلك لأنه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال: (خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم شديد الحر وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة) وما كان -عليه الصلاة والسلام- يختار إلا ما هو الأفضل.
قال -رحمه الله تعالى-:( فالفطر لهم) يعني: للمريض والمسافر (أفضل) لكن على التفصيل الذي ذكرناه (وعليهما القضاء) وهذا بالنص والإجماع ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾.
(وإن صاما أجزأهم) بل حتى ولو صام المريض أو المسافر وإن كان يشق عليه مشقة شديدة فإنه يجزئه ذلك الصوم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه )
هذا فيما يخص القسم الأول المسافر والمريض
القسم الثاني: قال: ( الحائض والنفساء تفطران وتقضيان وإن صامتا لم يجزئهم)
الحيض: هو دم طبيعة وجبلة يخرج من الأنثى من الرحم وفي أوقات معلومة والغالب أنه يخرج من الأنثى كل أربعة أسابيع وقد كتبه الله - عز وجل- على بنات آدم ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لما دخل على عائشة في حجة الوداع وهي تبكي قال: ما يبكيك؟ لعلك نفست؟) يعني: لعلك حضت (قالت: نعم. قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) وإذا نزل دم الحيض من المرأة فإنها لا تصوم ولا تصلي بل يحرم عليها أن تصوم وأن تصلي ويجب عليها الفطر وبناء على ذلك لو أن امرأة حاضت وخجلت من أهلها وصامت وهي حائض فإنها تأثم لهذا الصوم فيجب عليها الإفطار.
وهكذا أيضاً (النفساء) ودم النفاس: هو دم يرخيه الرحم بسبب الولادة ويكون بعد الولادة أو قبلها بيوم أو يومين وأيضاً النفساء حكمها حكم الحائض بالنسبة للصوم والصلاة إلا أن الحائض والنفساء لا تقضي الصلاة وتقضي الصيام بإجماع العلماء.
ولكن متى يكون الدم دم نفاس؟ قال الفقهاء: إن الدم إنما يكون دم نفاس إذا حصل التخليق في الجنين والتخليق إنما يكون بعد مرور ثمانين يوماً فأكثر ما بين الثمانين إلى التسعين في هذه المدة يكون التخليق للجنين لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم علقة مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ) قد قال الله- تعالى- في المضغة: ﴿ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾[الحج: 5]
أما إذا كان بعد مرحلة التخليق وقلنا: التخليق يكون ما بين ثمانين إلى تسعين يوماً وذلك بأن يظهر في الجنين أي مظهر من مظاهر التخليق كأن يبدو رجله أو يده أو أي عضو من أعضائه وهذا لا يكون إلا في هذه الفترة ما بين الثمانين إلى التسعين يوماً فإنه يعتبر دم نفاس.
قال المؤلف: ( تفطران وتقضيان ) قلنا: الفطر في حقهما متعين والقضاء واجب (وإن صامتا لم يجزئهم) لنفترض أن هذه المرأة الحائض أو النفساء صامت كما نقول إما خجلا أو لغير ذلك من الأسباب فإن هذا الصوم لا يجزئها وتأثم بذلك وهذا باتفاق العلماء هذا هو القسم الثاني من أحوال المفطرين في نهار رمضان.
القسم الثالث: قال:( الحامل والمرضع) فالحامل والمرضع يجوز لهما الفطر في نهار رمضان وذلك لأن المرأة الحمل قد تحتاج إلى الفطر لأجل تغذية الحمل وكذلك المرأة المرضع تحتاج للفطر لأجل إرضاع طفلها ولكن الحامل والمرضع بالنسبة للإفطار والقضاء على تفصيل ذكره المؤلف.
قال: ( إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً )
المؤلف -رحمه الله تعالى- فصَّل في مسألة الحامل والمرضع لكن إذا خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما في نفس الوقت فتلحق بالحالة الأولى أفطرتا وقضتا فيكون إذن على المذهب عند الحنابلة حمل المرضع إذا خافتا على أنفسهما أو خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما أفطرتا وقضتا أما إذا خافتا على ولديهما فقط أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً فتكون أحوال الحامل والمرضع على ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: خافتا على أنفسهما فقط فتفطران وتقضيان.
الحالة الثانية: خافتا على أنفسهما وعلى ولديهما في الوقت نفسه وهنا تفطران وتقضيان أيضاً.
الحالة الثالثة: خافتا على ولديهما فقط فتفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكيناً.
أما فطر الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على أنفسهما وولديهما قالوا: قياساً على المريض والمريض إنما يجب عليه القضاء فقط.
أما إذا خافتا على ولديهما فقالوا: هنا تفطران وتقضيان وتطعمان عن كل يوم مسكيناً واستدلوا على ذلك بقول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: (والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمت) [أخرجه أبو داود بسند جيد] ولكن إذا تأملنا هذا الأثر المروي عن ابن عباس نجد أن ابن عباس قال:( أفطرتا وأطعمت) هل ذكر ابن عباس القضاء؟ ما ذكر القضاء لكن أصحاب هذا القول قالوا: إن ابن عباس لم يذكر القضاء لكونه معلوماً للناس.
ولكن بعض أهل العلم أخذ بظاهر هذا الأثر المروي عن ابن عباس وقال: إن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان فقط بدون قضاء، (أفطرتا وأطعمت) بدون قضاء وهذا قال به بعض أهل العلم.
والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة هو أن الحامل والمرضع تفطران وتقضيان مطلقاً ولا يلزمهما الإطعام في جميع الأحوال .
خلاصة الكلام في هذه المسألة أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا بسبب الحمل والرضاعة فعلى المذهب أن لهما ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما فعليهما القضاء فقط.
الحالة الثاتية: إذا أفطرتا خوفاً على أنفسهما وولديهما فعليهما القضاء فقط.
الحالة الثانية: إذا أفطرتا خوفاً على ولديهما فقط قولان:
القول الأول: عليهما القضاء والإطعام عن كل يوم مسكيناً.
القول الثاني: ليس عليهما إلا الإطعام ولا يجب عليهما القضاء.
القول الثالث: عليهما القضاء فقط وقلنا: إن هذا هو القول الراجح في المسألة وهو الأقرب لظاهر الآية الكريمة ﴿ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾
القسم الرابع: العاجر عن الصيام لكبر أو المريض الذي لا يرجى برؤه قال: (فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكين)
و(العاجز عن الصيام لكبر) بعض الناس إذا تقدمت به السن يشق عليه الصوم فلا يستطيع أن يصوم وهذا الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إذا شق عليهما الصيام جاز لهما الفطر ويطعمان عن كل يوم مسكيناً ويدل على ذلك قول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قول الله - عز وجل-: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين) فكانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام يعني: لا يستطيعان الصيام فيفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً، هذا مروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وأن الآية ليست منسوخة في حق الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة وإنما منسوخة في حق غيرهما.
وكذلك أيضاً (المريض مرضاً لا يرجى برؤه) فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً وتقدير المرض الذي لا يرجى برؤه يرجع للأطباء إذا قال الأطباء إن هذا المرض لا يرجى برؤه في علم البشر فيطعم عن كل يوم مسكيناً.
قال: ( وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير) يعني: كل من أفطر فعليه القضاء إلا من أفطر بجماع فسيأتي الكلام عنه حتى ولو كان متعمداً فإنه يجب عليه القضاء وأما ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يجزه صيام الدهر كله وإن صامه ) هو حديث ضعيف
ولكن الفطر في نهار رمضان كبيرة من كبائر الذنوب ومن وقع في هذا فعليه التوبة إلى الله - عز وجل- أولاً وعليه قضاء ذلك اليوم إلا أن يكون الفطر بجماع فسيأتي الكلام عنه -إن شاء الله تعالى-.
والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كُتب بواسطة أبوعمر في الساعة ٤:١٧ م 0 تعليقاتكم
التصنيفات الفقه
الأربعاء، مايو ٠٦، ٢٠٠٩
الصيام - 2
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
الصيام - 2
وقفنا عند مسألة ثبوت دخول الشهر وخروجه وقلنا أن المعول عليه هو الرؤية ولا يشترط أن تكون الرؤية بالعين المجردة بل تقبل الرؤية عن طريق المراصد وعن طريق المكبر وهي معتبرة شرعاً قد صدر
وأما الحساب الفلكي فلا شك أن الحسابات الفلكية تقدمت في الوقت الحاضر تقدماً عظيماً ولا شك في دقتها ولكن الشريعة أناطت الحكم بالرؤية ولم تجعل المناط في ذلك الحساب وإنما المناط الرؤية (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فنقول: حتى وإن كانت هذه الحسابات دقيقة إلا أنه لا يعتمد عليها شرعاً وإنما المعتمد عليه هو الرؤية.
ولهذا لو أن الحسابات الفلكية تدل على أنه سوف يمكن رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين بوضوح ولكن في ذلك اليوم كان هناك سحاب أو قتر فلم يمكن الرؤية فإنه لا يعتمد على تلك الحسابات وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك ولكن هناك من قال بالاعتماد على الحساب من المتقدمين
لكنهم قلة كابن سريج من الشافعية وبعض الفلكيين في الوقت الحاضر وأخذ بهذا بعض العلماء المعاصرين
مسألة: وهي إذا رأي الهلال في بلد هل يلزم جميع المسلمين الصوم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة والمشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا رُئيَ الهلال في بلد لزم الصوم لجميع أقطار المسلمين لعموم حديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وقال بعضهم: إن لكل أهل بلد رؤيتهم
ولا شك أن المطالع تختلف فقد يغرب القمر قبل الشمس مثلاً في الشرق
في البلاد العربية يغرب القمر قبل الشمس مثلاً بدقيقتين لكن في أقصى الغرب في أمريكا مثلاً يغرب القمر بعد الشمس بدقائق ويمكن رؤيته فإذن: مطالع الهلال تختلف؛ ولهذا القول الصحيح: أن لكل أهل بلد رؤيتهم.
وقد بحث المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مسألة توحيد الأهلة بحثها في عام ألف وأربعمائة وواحد للهجرة وأصدر فيها قراراً مضمونه:
«درس مجمع الفقه الإسلامي مسألة اختلاف المطالع فرأى أن الإسلام بني على دين يسر.. إلى أن قرر في آخر قرار قال: إن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير من العلماء وقد روى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان ورأى المجمع الفقهي أن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة وأنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين بتوحيد الأهلة والأعياد وإن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في جميع شؤونهم والله ولي التوفيق».
هذا صدر عام ألف وأربعمائة وواحد فرأوا أن يترك الأمر للعلماء في كل بلد ليختار علماء كل بلد ما يرونه في هذه المسألة.
و(الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس) ولهذا يجب على كل أهل بلد أن يجتمعوا وألا يتفرقوا وأن يأخذوا برأي علمائهم في هذه المسألة، فمثلاً إذا رأى علماء أهل البلد مثلاً في مصر أن الشهر قد دخل أو أن الشهر لم يدخل ينبغي أن يكون الإنسان مع الجماعة هكذا رأى علماء أهل البلد في قطر من الأقطار أن شهر رمضان قد دخل أو لم يدخل فينبغي أن يكون الإنسان مع الجماعة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس) وهذا دليل على أنه ينبغي الحرص على الاجتماع في الصوم وفي الفطر لأهل البلد الواحد.
ولكن توحيد الأمة الإسلامية في دخول شهر رمضان أو في العيد نقول: هل هذا أمر مقصود شرعاً؟
لا يظهر في الواقع أن هذا- والله أعلم- أنه أمر مقصود وليس هذا هو الذي يكفل وحدة الأمة الإسلامية كما ذكر في القرار إنما الذي يكفل وحدتها هو العمل بالكتاب والسنة ولذلك لا ضير في أن يختلف المسلمون في دخول شهر رمضان أو في العيد كما أنهم مختلفون في أوقات الصلوات نحن مثلاً نصلي الآن الظهر ومَنْ في الغرب يصلون الظهر بعدنا بساعات ومن في الشرق قد صلوا الظهر قبلنا فالمسلمون يختلفون في أوقات الصلوات هكذا أيضاً في وقت الصيام ولذلك نقول: الأمر في هذا فيه سعة.
ثم قال المؤلف -رحمه الله تعالى- (وإذا رأى الهلال وحده صام ) يعني: هذا شخص رأى هلال رمضان وذهب عند القاضي وشهد ولكنه ردت شهادته يرى المؤلف أنه يلزمه الصوم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صوموا لرؤيته) وهذا قد رأى الهلال.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يصوم في هذه الحال وإنما يفطر مع الجماعة لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس) وهذا هو القول الراجح في المسألة- والله تعالى أعلم- وهو اختيار سيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والمحققين من المعاصرين- أنه لا يصوم وإنما يكون مع الناس (الصوم يوم يصوم الناس).
ولأن الهلال مأخوذ من الاستهلال والشهر من الاشتهار فلابد أن يستهل يعني: يعلن الهلال ويشتهر الشهر حتى يكون هلالاً شرعياً ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إن الهلال إذا طلع في الأفق ولم يره الناس فإنه لا يكون هلالاً شرعاً حتى وإن كان قد هَلَّ في واقع الأمر ولو أنه أخطأ الناس في رؤيته فأُهِلَّ وأُعلِنَ عن رؤية الهلال واشتهر ذلك فإنه يكون هلالاً شرعاً حتى وإن لم يكن قد هلَّ في واقع الأمر.
فإذن: المناط هو الاستهلال والإعلان واشتهار إعلان ورؤية الهلال هذا هو المناط في هذه المسألة ولهذا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إجماع العلماء على أن الناس لو وقفوا خطأً بعرفة فإن حجهم صحيح بإجماع المسلمين وهذه مسألة مهمة لأن بعض الناس خاصة عندما يُرى الهلال كبيراً مثلاً يبدأ يشكك الناس لعله قد هَلَّ الهلال ولم يره الناس لعله كذا فنقول: الهلال من الاستهلال إذا لم يعلن ولم يشتهر فليس بهلال شرعاً وإن كان قد هلَّ في واقع الأمر والأمر ميسور- ولله الحمد- في شريعة الإسلام فلا ينبغي التنازع في هذه المسألة وإثارتها وتشكيك الناس وربما أحدثوا شيئاً من البلبلة بسبب رؤية الهلال بل الأمر يسير (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) إذا رأى الناس الهلال صاموا وإذا لم يروه فإنهم يكونون مفطرين للثلاثين من شعبان- والحمد لله-.
إذن: المعول عليه هو الإعلان والاستهلال والاشتهار لرؤية الهلال ولهذا فإن القول الصحيح في هذه المسألة: إنه من رأى الهلال وحده فإنه يكون مع الناس ولا يصوم. هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
قال: (فإن كان عدلاً صام الناس بقوله ) أفادنا المؤلف -رحمه الله تعالى- أن شهر رمضان يثبت برؤية شاهد واحد فقط ويدل لذلك حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) وهذا الحديث [أخرجه أبوا داود وهو حديث صحيح] وأما حديث ابن عباس (جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني رأيت الهلال قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم قال: يا بلال قم فأذن في الناس أن يصوموا غد) فهذا الحديث [أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة] لكن سنده ضعيف ضعفه كثير من أهل العلم لكن يغني عنه حديث ابن عمر.
ولذلك نقول: إن شهر رمضان يثبت دخوله برؤية شاهد واحد فقط وأما شهر شوال فلابد من شاهدين فأكثر ولهذا قال المؤلف: (ولا يفطر إلا بشاهدة عدلين) لابد من رؤية شاهدين وذلك لحديث عبد الرحمن بن زيد الخطابي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطرو) [أخرجه النسائي بسند حسن].
فدل ذلك على أنه في هلال شهر شوال لابد من شهادة شاهدين عدلين لأن ذلك أحوط وفي دخول شهر رمضان يكتفى بشهادة شاهد واحد فقط لأن ذلك أيضاً أحوط للصوم ففي دخول شهر رمضان نكتفي بشهادة شاهد واحد لأنه أحوط لصوم رمضان في خروج شهر رمضان أيضاً نحتاط لصيام رمضان فنقول: إنه لابد من شهادة شاهدين فأكثر وهكذا بقية الشهود لابد من شهادة شاهدين عدلين.
قال: (ولا يفطر إذا رآه وحده ) وذلك لأنه لا يثبت دخول شهر شوال إلا بشهادة عدلين وحينئذ لا يثبت دخول شهر شوال بشهادة واحد فقط ولهذا فإنه إذا رآه وحده فإنه لا يفطر ولهذا نقول: من رأى الهلال وحده سواءً في دخول شهر رمضان أو في خروجه فإنه لا يعتد برؤيته وإنما يكون صومه يوم يصوم الناس وفطره يوم يفطر الناس.
قال: ( وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطرو) (وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوم) يعني: من رمضان (أفطرو) بإكمال رمضان ثلاثين يوماً ( وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة ) يعني: إذا كان دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد فقط أو أنه على رأي المؤلف أنه يجب صيام الثلاثين من شعبان إذا كان هناك غيم أو قتر وقلنا: إن هذا قول مرجوح, لكن على المسألة الثانية وهو أنه إذا ثبت دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد فقط فلابد من رؤية هلال شوال.
ومعنى كلام المؤلف: ولو صام الناس ثلاثين يوماً بشهادة شاهد واحد فقط, أي: كان شهر رمضان قد دخل بشهادة شاهد واحد فقط ثم صاموا ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال فيصوموا أيضاً اليوم الذي بعده, معنى ذلك: أنهم صاموا واحداً وثلاثين يوماً هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ولكن القول الصحيح في هذه المسألة أنهم إذا صاموا ثلاثين يوماً فإنهم يفطرون بعد ذلك ولو كان دخول شهر رمضان بشهادة شاهد واحد فقط لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ).
ولأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوماً ولو كان دخوله بشهادة شاهد واحد فقط لأن دخوله إنما كان بطريق شرعي ولهذا إذا صام الناس ثلاثين يوماً فإنهم يفطرون اليوم الذي بعده فيكون الصواب هو خلاف ما ذهب إليه المؤلف -رحمه الله تعالى-.
آخر مسألة معنا في هذا الباب قال: ( وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزئه ) الأسير إذا كان إنسان أسيراً عند كفار ولم يستطع معرفة دخول الشهر فإنه يجتهد في ذلك ويتحرى ثم بعد ذلك إن تبين له أنه وافق الشهر فالحمد لله وإن تبين أنه صام أياماً بعد شهر رمضان فإن ذلك يقع مجزئاً لأنه يكون قضاءً أما إن تبين أنه صام أياماً قبل دخول شهر رمضان فإن ذلك لا يجزئه لأن العبادة لا تصح قبل دخول وقتها وهو أشبه ما لو صلى الصلاة قبل وقتها.
وبهذا نكون قد انتهينا من أحكام ومسائل هذا الباب.
والحمد لله أولا وآخرا
كُتب بواسطة أبوعمر في الساعة ١:٢٢ م 0 تعليقاتكم
التصنيفات الفقه
الأربعاء، أبريل ٢٢، ٢٠٠٩
الصيام - 1
اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا
انتهينا من كتاب الزكاة ونبدأ اليوم بعون الله تعالى في كتاب الصيام
كتاب الصيام
يقول المصنف ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: (ويجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم ويؤمر به الصبي إذا أطاقه ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان ورؤية هلال رمضان ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه وإذا رأى الهلال وحده صام فإن كان عدلاً صام الناس بقوله ولا يفطر إذا رآه وحده ولا يفطر إلا بشهادة اثنين وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق ما قبله لم يجزئه ).
قال -رحمه الله تعالى-: (كتاب الصيام)
الصيام معناه في اللغة: الإمساك ومنه قول الله- تعالى- عن مريم: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾[مريم: 26]،
ومعنى صوماً أي: إمساكاً عن الكلام
وتعريف الصوم اصطلاحاً:إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين لشخص معين.
متى فرض الصيام؟
فرض الصيام في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة والنبي -صلى الله عليه وسلم- توفي في السنة الحادية عشرة، معنى ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صام كم رمضان؟ تسعة رمضانات -صلى الله عليه وسلم-، وكان فرض صيام شهر رمضان على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: فرض صيام عاشوراء فإنه كان في أول الأمر كان صوم عاشوراء واجباً.
المرحلة الثانية: فرض صيام رمضان, لكن على التخيير بينه وبين الإطعام كما في آية البقرة ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾[البقرة: 184]، يعني: أن الصيام خير من الإطعام فكان في المرحلة الثانية من شاء صام ومن شاء لم يصم وأطعم عن كل يوم مسكيناً.
المرحلة الثالثة: فرض صيام شهر رمضان على التعيين من غير تخيير بينه وبين الإطعام وإنما على التعيين وذلك لقول الله- تعالى-: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾[البقرة: 185].
فإذن: مر فرض الصيام بهذه المراحل الثلاث والحكمة في ذلك- والله أعلم- هو التيسير على المكلفين لأنه لو فرض صيام شهر رمضان مرة واحدة لربما كان في ذلك حرج ومشقة والنفس تقبل الشيء الشاق إذا أتاها بالتدريج ولكن إذا أتاها دفعة واحدة قد لا تتقبل النفوس مثل هذا الأمر الشاق وهذا له نظائر مثلاً تحريم الخمر لما كان الناس في ذلك الوقت قد أدمنوا شرب الخمر لم يأتِ تحريمه دفعة واحدة أو مرة واحدة وإنما أتى على مراحل, أتى بالتدريج كما هو معلوم, كان أول ما نزل قول الله- تعالى-: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾[النحل: 67] ثم نزلت ﴿ لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾[النساء: 43]، ثم نزلت ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾[المائدة: 90].
فإذن: نجد أن الشيء الشاق على النفوس تأتي فرضيته إذا كان واجباً أو منعه إذا كان محرماً بالتدرج وليس دفعة واحدة وهذا من مراعاة أحوال النفوس، وقد فرض الله- تعالى- الصيام على جميع الأمم قيل: إنه من زمن نوح والصيام مفروض على الأنبياء وعلى أممهم كما في قول الله- - عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾[البقرة: 183] "كُتب" معناه: فُرض فهو مفروض على الأمم التي قبلنا لكن مع اختلاف في بعض الأمور وفي الكيفية.
وقد ذكر أهل التربية أن أي عادة ذميمة يستطيع الإنسان أن يتخلص منها إذا تركها ثلاثة أسابيع على الأقل, ما بين ثلاثة أسابيع إلى شهر, وأية عادة حميدة يستطيع أن يرسخها إذا مارسها ثلاثة أسابيع إلى ثلاثين يوماً.
ونجد أن هذا متحقق في شهر الصيام, فالإنسان يتربى في شهر رمضان على البذل وعلى الإنفاق وعلى كثرة النوافل وعلى تلاوة القرآن وعلى كثير من أمور الطاعة, كذلك يتربى على الإمساك عن كثير من المعاصي, يحفظ بصره وسمعه وجوارحه عن المعاصي, فيتخرج من مدرسة الصوم في شهر رمضان وقد تهذبت كثير من أخلاقه، ولهذا فإن الذي تصوم جوارحه مع صيامه عن المفطرات الحسية ينتفع ويستفيد كثيراً من مدرسة الصيام.
مسألة : من أكثر من المعاصي وقلنا: إنه لا يؤجر ولا يثاب على هذا الصوم- هل تبرأ ذمته بهذا الصوم أم لا تبرأ؟
شخص مثلاً وقع في معاصٍ وأكثر منها,
أكثر مثلاً من الغيبة, أكثر من السباب, أكثر من النظر المحرم
وقلنا له: إنك على خطر ألا يقبل منك هذا الصوم وألا تؤجر ولا تثاب على هذا الصوم
لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )
لكن هل تبرأ ذمته بهذا الصوم أم أنه يصبح كأنه لم يَصُمْ؟
الجواب: تبرأ ذمته, لكن ليس له أجر، هو يأثم على فعل المعصية لكونها معصية, لكن ذمته تبرأ بهذا الصوم، لأنه قد تحققت شروط الصيام وأركانه ولم يقع في مفطر من المفطرات الحسية, لم يأكل, ولم يشرب ونحو ذلك.
فالقاعدة في هذه المسائل: أن من أتى بالعبادة بصورتها الصحيحة مكتملة الأركان والشروط والواجبات فتقع بها براءة الذمة، ومسألة القبول والأجر والثواب مسألة أخرى.
قال: ( يجب صيام رمضان ) وهذا بإجماع العلماء ومن جحد وجوب صيام رمضان فإنه يكون كافراً بإجماع المسلمين.
(على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم) أفادنا المؤلف بهذه العبارة
شروط صحة الصوم:
1- الإسلام أخذناه من قوله:( على كل مسلم).
2- البلوغ البلوغ أخذناه من قوله:( بالغ).
3- العقل أخذناه من قوله:( بالغ عاقل).
4- القدرة على الصوم أخذناه من قوله:( قادر على الصوم).
والشرط الثاني: البلوغ وذلك أن البلوغ هو مناط التكليف فالإنسان قبل بلوغه غير مكلف, بل مرفوع عنه القلم كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم (عن الصبي حتى يبلغ) وهو حديث صحيح.
فالصبي إذن مرفوع عنه القلم فلا يحاسب على ترك الصلاة ولا ترك الصوم وذلك لأنه -كما ذكرنا- لم يبلغ فهو مرفوع عنه القلم.
لكن الصبي يصح منه الصوم ويصح منه كذلك الصلاة إذا كان مميزاً ويؤجر على ذلك ويثاب
والدليل على ذلك قصة (المرأة التي أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- ورفعت صبياً وقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) فدل ذلك على أن الصبي إذا كان مميزاً فإنه يؤجر ويثاب على الطاعات ولكنه لا يعاقب على ترك الفرائض بل حتى لا يعاقب على فعل المعاصي.
فينبغي تعويده على الصوم وأمره بالصلاة ولكنه لو لم يصلِّ أو لم يصم فإنه لا شيء عليه لكونه مرفوعاً عنه القلم إذ لا معنى لكون القلم مرفوعاً عنه إلا أنه لا يحاسب.
فإن قال قائل: كيف لا يحاسب على ترك الصلاة والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (واضربوهم عليها لعشر) وهل يكون الضرب إلا على معصية؟ فكيف نجيب عن هذا؟ يقول: الضرب لا يكون إلا على معصية ونحن نقول: إنه ما دام أنه لم يبلغ فإنه لا يحاسب على ترك الصلاة فكيف نجيب عن هذا الإيراد؟
فالجواب : لا يلزم من الضرب أن يكون عن معصية وإنما ضربه هنا على سبيل التعويد والتربية والتأديب لأن الصبي أن يؤمر ثلاث سنوات من السن السابعة إلى سن العاشرة ومع ذلك لم يتعود على الصلاة ولم يصلِّ فإنه بحاجة إلى شيء من الحزم لأن بعض النفوس لا يمكن أن تستقيم إلا إذا استخدم معها شيء من القسوة ومن الحزم فهذا ضرب من ضروب التربية والتأديب لكن ليس معنى ذلك أنه مكلف هو لم يبلغ سن التكليف لأنه لا يبلغ سن التكليف إلا إذا بلغ (عن الصبي حتى يبلغ) والبلوغ يتحقق بإحدى علامات ثلاث:
العلامة الأولى: إنزال المني يقظة أو مناماً.
العلامة الثانية: بلوغ تمام خمسة عشر سنة.
العلامة الثالثة: نبات الشعر الخشن حول الفرج وتزيد الأنثى علامة رابعة وهي الحيض.
(قادر على الصوم ) هذا هو الشرط الرابع القدرة على الصوم أما إن كان عاجزاً عن الصوم فإنه لا يجب عليه أن يصوم, لكن يجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً ما دام عقله معه كأن يكون مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه كمرض السرطان مثلاً ونحوه من الأمراض التي لا يرجى برؤها في علم البشر وإلا فالله على كل شيء قدير.
فنقول: حينئذ لا يجب عليه أن يصوم ولكن يجب عليه أن يأتي بالبدل وهو أن يطعم عن كل يوم مسكيناً. هذه هي شروط وجوب الصوم.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (ويؤمر به الصبي إذا أطاقه) المقصود بالصبي الصبي المميز فإنه ينبغي أمره بالصوم وإن لم يكن الصوم واجباً عليه ولكنه يؤمر من باب التعويد حتى يتعود على الصوم كما أنه يؤمر بالصلاة حتى يتعود عليها، وقد كان السلف يأمرون صبيانهم بالصوم كان الصبي إذا بكى يجعلون له العهن أي العب من الصوف يلعب به ويتسلى حتى يمضي عليه النهار.
ثم قال -رحمه الله تعالى- (ويجب) يعني: صيام رمضان (بأحد ثلاث أشياء)
الأول: قال:( كمال شعبان) يعني: ثلاثين يوماً وذلك أنه إذا تحري الهلال لرمضان بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شهر شعبان ولم يرَ الهلال فإن الواجب حينئذ إكمال شعبان ثلاثين يوماً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوم).
الأمر الثاني: قال: (ورؤية هلال رمضان) إذا رؤي هلال رمضان فيجب الصوم بالإجماع فمثلاً إذا تحرى الناس الهلال مساء التاسع والعشرين من شهر شعبان فرؤي الهلال فإنه يجب صوم رمضان.
الأمر الثالث: قال: (ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه) يعني: أنه يجب الصوم عند وجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين وذلك من باب الاحتياط لرمضان
وهذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد أنه يجب الصيام إذا حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر قالوا: إنه يجب الصوم في هذه الحالة واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ) قالوا: معنى (فاقدروا له) أي ضيقوا عليه وذلك بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، كما في قول الله - عز وجل-: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾[الطلاق: 7]، يعني ضيق عليه رزقه، قالوا: فمعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (فاقدروا له) يعني ضيقوا عليه وذلك بأن يجعل شعبان ثلاثين يوماً.
ولكن المحققين من أهل العلم قالوا: إن الصحيح من مذهب الحنابلة في هذه المسألة أنه لا يجب الصوم في هذه الحالة، لا يجب الصوم في الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى
- أما إذا كان الجو ليلة الثلاثين من شعبان صحواً تراءى الناس الهلال فلم يروه فهذا يوم شك
و قد اختلف العلماء في حكم صيام يوم الشك على أقوال فعلى مذهب المؤلف أنه يجب صوم يوم الشك.
والقول الثاني: يحرم صيام يوم الشك, يعني: عكسه تماماً قول بأنه يجب والقول الثاني بأنه يحرم.
وقال بعضهم: إنه يكره.
وقال بعضهم: إنه يجوز صومه ويجوز إفطاره, وهو منقول عن بعض السلف.
ولكن إذا تأملنا في النصوص الواردة نجد أن عمار بن ياسر -رضي الله تعالى عنه - قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- ) فذلك يدل على تحريم صيام يوم الشك , لأن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم.
بل قد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن تقدم صيام رمضان بيوم أو يومين احتياطاً لرمضان كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين (لا تقدموا رمضان بالصوم يوماً ولا يومين إلا رجلاً كان يصوم صومه فليصمه) [أخرجه البخاري ومسلم].
مسألة الرؤية: - المعول عليه هو الرؤية ولا يشترط أن تكون الرؤية بالعين المجردة بل تقبل الرؤية عن طريق المراصد وعن طريق المكبر , فتقبل الرؤية بذلك وهي معتبرة شرعاً.
ومسألة الرؤية والحساب الفلكي فيها بحث طويل وفيه تفصيل كبير , نتناوله في الأسبوع القادم بمشيئة الله تعالى
والحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كُتب بواسطة أبوعمر في الساعة ٦:٠٣ م 3 تعليقاتكم
التصنيفات الفقه
الأربعاء، أبريل ٠٨، ٢٠٠٩
الزكاة - 7
يقول المؤلف رحمه الله : (وهم ثمانية أصناف: الفقراء وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره.
والثاني: المساكين وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية.
الثالث: العاملون عليها وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها.
والرابع: المؤلفة قلوبهم وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم إسلامهم أو دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو معونتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها.
الخامس: الرقاب وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق.
السادس: الغارمون وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين.
السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.
الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده فهؤلاء أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم.)
الصنف الأول: الفقراء والصنف الثاني: المساكين
الإسلام والإيمان إذا أطلق الإسلام شمل الإيمان وإذا أطلق الإيمان شمل الإسلام, لكن عند اجتماعهما المراد بالإسلام شعائر الإسلام الظاهرة, والمراد بالإيمان شعائر الإسلام الباطنة، هكذا أيضاً الفقير والمسكين إذا أطلق الفقير شمل المسكين وإذا أطلق المسكين شمل الفقير ولكن عند اجتماعهما كما في هذه الآية يختلف معنى الفقير عن معنى المسكين.
هذا هو الفرق, أحسن ما قيل في الفرق بين الفقير والمسكين أن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً أو يجد دون نصف الكفاية والمسكين هو الذي يجد نصف الكفاية أو أكثرها.
فوصفهم الله - عز وجل- أنهم مساكين وأنهم يعملون، فهم مساكين مع كونهم يعملون في البحر فليس كل من يعمل يكون غنياً قد يكون الإنسان يعمل لكنه مسكين وقد يعمل أيضاً ويكون فقيراً لكن على كل حال كما ذكرنا بالضابط الذي ذكرناه في الفقير وفي المسكين.
السنة أن الإمام يبعث عاملين لجباية الأموال الظاهرة من أربابها
إذا كان لهم راتب من الدولة- فليس لهم أن يأخذوا من الزكاة إلا بإذن الإمام فلو أذن لهم الإمام في أخذ شيء من الزكاة جاز ذلك لأن لهم حق فيها, أما إذا لم يأذن لهم ولهم رواتب ومكافآت فإنه ليس لهم الأخذ من الزكاة, لكن يجوز للإمام أن يعطيهم من الزكوات التي يطلبونها من أربابها حتى قال العلماء: حتى ولو كانوا أغنياء والحكمة في ذلك هو أن نفوساً قد تعلقت بهذه الأموال فكانت الحكمة تقتضي أن يعطوا شيئاً منها خاصة إذا كان هؤلاء العاملين فقراء.
القسم الرابع: المؤلفة قلوبهم. وفصل المؤلف هذا القسم بقوله:( وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنعون عن دفعه) هم السادة المطاعون في عشائرهم: أفادنا المصنف -رحمه الله تعالى- أن المؤلفة قلوبهم يشترط أن يكونوا سادة بأن يكونوا مثلاً رؤساء قبائل أو رؤساء عشائر ونحو ذلك.
أما إذا كانوا من الأفراد أفراد الناس العاديين فعلى كلام المؤلف أنهم لا يعطون من الزكاة، لكن لو كان إنسان سيداً في قومه فهذا يعطى من الزكاة إذا كان يرجى بذلك إسلامه أو دفع شره أو حتى لو كان مسلماً (ويرجى بذلك تقوية إيمانه أو حتى دفع شره عن المسلمين) ولهذا حتى ولو كان كافراً ويرجى بإعطائه الزكاة دفع شره عن المسلمين فإنه يعطى من الزكاة وهذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز أن يعطى فيها الكافر من الزكاة وهي إذا كان كافراً ويرجى بإعطائه الزكاة دفع شره عن المسلمين.
قال: (أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعه) كأن يكونوا أقوياء وإذا أعطاهم من الزكاة أعانوا المسلمين على أخذ الزكاة ممن امتنع من دفعها.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان يقصد بإعطائهم الزكاة دفع شرهم فلابد أن يكونوا سادة لأن الواحد لا يضر المسلمين في الغالب إنما الذي يضر المسلمين هو السيد الذي يكون له أتباع أما إذا كان المقصود من دفع الزكاة تقوية إسلامهم أو كان المقصود من دفع الزكاة هو أنه يرجى إسلامهم فالصحيح أنهم يعطون من الزكاة وإن لم يكونوا سادة، وهذا قول جيد ومتجه وذلك لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن، إذا كنا نعطي هذا الفقير والمسكين لحفظ بدنه فلأن نعطي هذا الإنسان الذي يرجى بعطيته إسلامه أو تقوية إسلامه هذا من باب أولى لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من إحياء البدن وحفظ الصحة، ولعل هذا القول هو الراجح- والله تعالى أعلم.
القسم الخامس: الرقاب : وفسر المؤلف الرقاب بقوله: (وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق)
قاس العلماء على ذلك فَكُّ الأسير المسلم فيجوز أن تدفع الزكاة لفكِّ الأسير المسلم وذلك لأنه إذا جاز دفع الزكاة لفك عبدٍ من رقِّ العبودية ففك بدن الأسير المسلم من باب أولى لأن هذا الأسير معرض للقتل ولذلك يجوز أن تدفع الزكاة لفك أسرى المسلمين ويكون هذا داخلاً في قول الله- تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾.
القسم الأول: (المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح) يعني: المدينون لحظ أنفسهم هذا هو المقصود, مثل من دخل في التجارة ثم لحقته ديون كثيرة لكن لابد أن يكون هذا في مباح لا يكون قد دخل في أمور محرمة
لكن انتبه لهذا الشرط لابد أن يكون هذا الغارم عاجزاً عن سداد الدين أما إذا لم يكن عاجزاً فلا يعطى من الزكاة فلو كان مثلاً مرتبه عشرة آلاف وعليه ديون لكن يستطيع أن يقسط هذا الدين على مرتبه فإنه لا يعطى من الزكاة لأنه ليس عاجزاً عن سداد هذا الدين.
لكن لو أنه حل عليه الدين: نفترض مثلاً أن عليه ثلاثمائة ألف, ل وراتبه حتى وإن كان راتبه خمسة آلاف أو ستة آلاف أو سبعة آلاف هو مطالب الآن بسداد هذا الدين فإما أن يسدد وإما أن يحبس فهنا يصبح من الغارمين، فإذن: الغارمون المدينون العاجزون عن سداد الدين هذا إذا كان ذلك لحظ أنفسهم.
القسم الثاني من الغارمين: قال: (أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين) يعني: الغارمون لإصلاح طائفتين من المسلمين كمن تحمل حمالة وديوناً لإصلاح بين طائفتين غالب المنازعات والخصومات تكون لأجل الدنيا فإذا حصل بين طائفتين خلاف على شئ من الدنيا, أتى أحد المحسنين وقال: إن هذا الذي اختلفتم عليه أتحمله في ذمتي, أصبح ديناً في ذمته فهذا يعتبر من الغارمين قال أهل العلم: يعطى من الزكاة ولو كان غنياً هذا الغارم للإصلاح بين طائفتين يعطى من الزكاة ولو كان غنياً تشجيعاً له على هذا العمل النبيل.
القسم السابع: في سبيل الله
قال أهل العلم: يعطون أيضاً من الزكاة ما يشمل شراء أسلحتهم وآلات الجهاد وكل ما كان متعلقاً بالجهاد في سبيل الله وعند جمهور أهل العلم أن هذا خاص بالجهاد في سبيل الله.
ولكن بعض العلماء قال: إن المقصود بقوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ كل عمل بر وخير فمعنى ذلك بناء على هذا القول: يشمل هذا المصرف أموراً كثيرة جداً:
- يشمل بناء المساجد.
- يشمل إصلاح الطرق.
- يشمل بناء المدارس.
- يشمل طبع الكتب..... يشمل أموراً كثيرة لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها.
وهذه المسألة أعنى المقصود بقول الله- تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ المقصود بهذا المصرف قد جرى بحثها قديماً في مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قبل نحو ثلاثين عاماً, عام ألف وثلاثمائة وأربعة وتسعين هجري، جرى بحث هذه المسألة آنذاك وحصل فيها نقاش ودراسة مستفيضة ثم صدر قرار بالأخذ بقول الجمهور وهو أن المقصود بقوله: (في سبيل الله) الجهاد في سبيل الله فقط وأنه لا يشمل كل عمل بر وخير وإنما هو خاص بالجهاد في سبيل الله وذلك لأن هذا اللفظ عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله, هذا اللفظ عند الإطلاق في الكتاب والسنة إنما ينصرف للجهاد في سبيل الله.
بناء على ذلك لا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد ولا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المدارس ولا في طباعة الكتب ولا في جمعية تحفيظ القرآن لأنهم غير داخلين في قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ .
ولكن هل ينحصر مفهوم الجهاد في سبيل الله في الجهاد بالسلاح أو أنه يشمل الجهاد بالكلمة؟
إذن: جعل الله - تعالى- الجهاد بالحجة والبيان وتبليغ القرآن جعله جهاداً وسماه جهاداً بل جهاداً كبيراً ولذلك فإنه يدخل في مسمى الجهاد في سبيبل الله فيدخل في هذا القسم ولذلك فمراكز الدعوة إلى الله - عز وجل- يجوز أن تدفع الزكاة إليهم لأنهم يقومون في الحقيقة بنوع من الجهاد في سبيل الله - عز وجل- لأنه كما قلنا لا ينحصر الجهاد في سبيل الله في الجهاد بالسلاح وإنما يشمل الجهاد بالكلمة.
القسم الثامن: ابن السبيل: وفسره المؤلف بقوله: (وهو المسافر المنقطع به السفر وإن كان ذا يسار في بلده) المسافر المنقطع به السفر كإنسان سرقت نقوده أو ضاعت كمن ذهب لأداء الحج أو العمرة ثم ضاعت نقوده أو سرقت مثلاً فهذا يعتبر ابن سبيل يجوز أن يعطى من الزكاة.
قال الفقهاء: ولو كان غنياً في بلده يعطى من الزكاة بقدر ما يوصله إلى بلده، فإذن هذا هو المقصود بقوله ابن السبيل.
هؤلاء إذن هم الأصناف الثمانية الذين تدفع الزكاة إليهم ولا يجوز أن تدفع الزكاة إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية وبناء على ذلك مثلاً:
مسألة: - هل يجوز دفع الزكاة في بناء المساجد أو بناء المدارس ؟
الجواب: ليست من هذه الأصناف الثمانية فلا تدفع الزكاة فيها.
مسألة: هل يجوز دفع الزكاة في تفطير الصائمين؟
الجواب: إذ كانوا كلهم فقراء أو مساكين فيجوز دفع الزكاة لهم لتفطير الصائمين أما إذا كان منهم أغنياء وبعضهم فقراء ومساكين فلا. وإذا كان يجهل حالهم فلا يدري هل هم فقراء أو ليسوا فقراء , فلا تدفع،
فالمسألة أذن : فيها تفصيل , إن كان قد تحقق من أن هؤلاء الصائمين من الفقراء أو المساكين فيجوز أن يدفع الزكاة في تفطير هؤلاء الصائمين, أما إذا كان هؤلاء الصائمون ليسوا من الفقراء والمساكين أو أنهم قد اختلط الفقراء مع غيرهم أو أنهم تجهل حالهم فلا تدفع الزكاة في تفطير الصائمين.
ثم قال -رحمه الله تعالى: ( فهؤلاء أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم ويجوز دفعها إلى واحد منهم لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- (أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر) وقال لقبيصة (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) ويدفع إلى الفقير والمسكين ما يتم به كفايته وإلى العامل قدر عمالته وإلى المؤلف ما تحصل به تأليفه وإلى المكاتب والغارم ما يقضى به دينه وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد أحد منهم على ذلك، وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم: الفقيرو المسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى وهم العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين.)
قال -رحمه الله تعالى: (ويجوز دفعها إلى واحد منهم)
يعني: لو كان عندك الزكاة ودفعتها لفقير جاز ذلك يعني: لا يشترط استيعاب هؤلاء الأصناف الثمانية وإنما يجوز أن تدفع الزكاة إلى واحد منهم -دفعتها إلى غارم إنسان مدين عاجز عن سداد الدين ودفعت الزكاة كلها له- يجوز ذلك.
واستدل المؤلف على ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم أنه (أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر).
قال: (ويدفع إلى الفقير المسكين ما تتم به كفايته ) يعطى الفقير والمسكين ما يسد حاجته وما تتم به كفايته وهذا يختلف باختلاف الفقراء والمساكين فالفقير الأعزب مثلاً ليس كالفقير الذي عنده عائلة كبيرة عنده عشرة أطفال مثلاً حاجة هذا تختلف عن حاجة ذاك فيعطى هذا ما تسد حاجته ويعطى ذاك ما تسد حاجته.
مسألة: هل يجوز أن يشترى للفقير أو المسكين بيتاً من الزكاة؟
الجواب نعم : لان هذا لسد الحاجة وربما وإن كان يمكن استئجاره له وتندفع حاجته بذلك , فلا يشترى له بيت وإنما يستأجر له فقط وهذا نستفيده من عبارة المؤلف أنه يدفع للفقير والمسكين ما تتم به كفايته.
قال: ( وإلى العامل قدر عمالته ) العامل أي الموظف الذي يعمل على جباية الزكاة , هذا على التفصيل الذي ذكرناه العامل إذا كان أرسله الإمام ولم يكن له مرتب أو كان له مرتب وأذن له الإمام في الأخذ من الزكاة فيأخذ بقدر عمالته فقط.
( وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه) كذلك المؤلف ربما يحصل تأليفه مثلاً بمبلغ يسير أو مبلغ كبير يعطى بقدر ما يحصل به التأليف فقط.
(وإلى المكاتب والغارم ما يقضى به دينه) المكاتب وكذلك الغارم يعني: المدين يعطى ما يسدد به الدين فقط إذا كان هذا الغارم مثلاً عليه دين بقدر أربعين ألفاً يعطى بقدر ما يسدد به الدين ولا يزاد على ذلك
(وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه) يعني: بقدر الحاجة فهؤلاء الأصناف كلهم الذين ذكرهم المؤلف يعطون من الزكاة بقدر الحاجة (وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد واحد منهم على ذلك) يعني: بقدر حاجتهم.
ثم قال المؤلف (وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى) فصَّل المؤلف وقال بأن خمسة من هؤلاء الأصناف الثمانية لا يأخذون إلا مع الحاجة وعدهم وهم قال: ( الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل) هؤلاء لا يأخذون إلا إذا كانوا محتاجين.
أما الذين يجوز دفع الزكاة إليهم مع الغنى قال: (العامل) يعني: العاملون عليها (والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين) ولهذا إذا قلنا: متى يجوز أخذ الزكاة مع الغنى؟
هذا باب عقده المؤلف -رحمه الله تعالى- لبيان من لا يجوز دفع الزكاة إليهم وبدأ بقوله: (لا تحل الصدقة) يعني: الزكاة (لغني ولا لقوي مكتسب) وهذه أخذها المؤلف من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ) قال هذا -عليه الصلاة والسلام: ( حينما أتاه رجلان شابان جلدان فصعد فيهما النظر فقال -عليه الصلاة و السلام: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح قال عنه الإمام أحمد: ما أجوده من حديث، وهو من جهة السند حديث صحيح.
وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد على من أخذ الزكاة وهو ليس بمستحق لها
كما في قوله -عليه الصلاة و السلام: (من أخذ أموال الناس تكثراً فإنما يأخذ جمراً فليستقل أو ليستكثر)
وأخبر -عليه الصلاة و السلام: (بأن المسألة كدح يكدح بها الإنسان وجهه حتى يلقى الله -تعالى- وليس في وجهه مزعة لحم).
مسألة: إذا أتى إليك إنسان وطلب منك زكاتك ولم تعلم أنه غني وتجهل حاله فهل تطالبه بالبينة التي تثبت فقره أم أنه لا يطالب؟
قال أهل العلم: إنه لا يطالب ببينة، لكن نخبره بأنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، لا يطالب ببينة وإنما يعطى ما دام أنه سأل من الزكاة يعطى منها بعد إعلامه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى هذين الرجلين الجلدين ولم يطالبهما بالبينة مع أن ظاهر حالهما أنهما قادران على الاكتساب
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الحكمة في هذا قال: «لأن مفسدة منع الفقير من الزكاة أعظم من مفسدة إعطاء الزكاة من لا يستحقها»
قال ( ولا تحل لآل محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم ) لقوله -عليه الصلاة و السلام- ( إنما الصدقات أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) [أخرجه مسلم في صحيحه]
ووجه كون الزكاة أوساخ الناس: لأن الزكاة تطهر الإنسان والطهور يتسخ بما يطهره أرأيت الثوب إذا طهر فإنه يخرج منه وسخ هكذا الصدقات أوساخ الناس.
قال: (ومواليهم) وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم لقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي رافع: (الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم منهم) وهو حديث صحيح
ولكن إذا كان هؤلاء- آل البيت الذين ينتسبون لبني هاشم- إذا كانوا فقراء ولم يكن هناك خمس أو أنه وجد خمس لكنهم منعوا منه ولم يتيسر إعطاؤهم من الخمس لأي سبب من الأسباب فقال بعض أهل العلم: إنه يجوز أن يعطوا من الزكاة في هذه الحال وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى.
ثم قال -رحمه الله تعالى: ( ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علو) يعني: لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وذلك لأن نفقة الوالدين واجبة على الولد ودفع الزكاة إليهم إغناء لهم عن نفسه، فكأنه صرفها إلى نفسه في الحقيقة ؛ لأن النفقة واجبة عليه فإذا أعطاهم من الزكاة أغناهم عن نفسه فكأنه- في حقيقة الأمر- صرف الزكاة إلى نفسه ولهذا لا تدفع الزكاة إلى الوالدين وهكذا لا تدفع الزكاة أيضاً للولد يعني بعبارة مختصرة: لا تدفع إلى الفروع ولا إلى الأصول.
ولكن قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان في الفرع أو في الأصل من عليه دين وهو عاجز عن سداده فيجوز أن تدفع الزكاة إليه من ولده أو من والده وذلك لأن الولد أو الوالد لا يلزمه سداد دينه فجاز أن يعطيه من الزكاة نعم هو لا يعطيه لكونه فقيراً لأنه يجب عليه أن ينفق عليه لكن إذا كان عليه دين فإنه يجوز له أن يعطيه ما يسدد به الدين.
وهكذا من تلزمه نفقته؛ ولهذا قال المؤلف: (ولا من تلزمه مؤونته) فالزوج لا يجوز له أن يعطي الزكاة لزوجته لأنه يجب عليه أن ينفق عليها
مسألة: هل للزوجة أن تعطى زكاة مالها لزوجها؟
ظاهر كلام المؤلف أن الزوجة أيضاً لا تعطي الزكاة لزوجها ولو كانت الزوجة موظفة مثلاً وعندها الزكاة وزوجها فقيراً فعلى كلام المؤلف أنه ليس لها أن تعطيه من الزكاة وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة, وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه يجوز للزوجة أن تعطي الزكاة لزوجها الفقير وذلك لأن الزوجة غير مطالبة بالنفقة على زوجها إنما الزوج هو الذي ينفق على زوجته ومادام أنها غير مطالبة بالنفقة على زوجتها فيجوز لها أن تعطيه من الزكاة إذا كان من أهلها وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
والدليل على ذلك قصة امرأة ابن مسعود في الصحيحين: ( لما أرادت أن تدفع صدقة قال لها ابن مسعود: أنا وولدي أحق من دفعت إليه الصدقة، فذهبت للنبي -صلى الله عليه وسلم- تسأله فقال -عليه الصلاة و السلام- صدق عبد الله, زوجك وولدك أحق من أعطيتيه الصدقة).
قال (ولا إلى كافر) أي: أنه لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى الكفار ولو كانوا فقراء أو مساكين ولكن استثنى الفقهاء من هذا المؤلفة قلوبهم فقد استثناها الفقهاء من هذه المسألة.
قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم أن زكاة المال لا تعطى لكافر إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم, أو من العاملين على قول بعض الفقهاء لكن إذا كانوا فقراء ومساكين وغير مسلمين لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة قولاً واحداً، وقد حكى الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم خلافاً في هذه المسألة وكذلك أيضاً نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
قال:( فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وغيرهم)
أفادنا المؤلف أن صدقة التطوع تعطى للوالدين والأولاد وتعطى للزوجة وتعطى للزوج وتعطى حتى الكافر أيضاً يجوز إعطاؤه من صدقة التطوع إذا كان فقيراً أو مسكيناً.
قال: (ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام منه قهرا)
لأن الزكاة عبادة والعبادات لابد فيها من النية لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) لكن الفقهاء استثنوا من ذلك مسألة وهي أن يأخذها الإمام منه قهراً فحينئذ لا يشترط النية في هذه المسألة.
قال: (وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزئه إلا الغني إذا ظنه فقيرا)
إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها فإنه لا يجزئه لكونه لم يتحرَّ، إلا لغني ظنه فقيراً فإنه يجزئه دفع الزكاة في هذه الحال وذلك لأن الفقر أمر خفي قد يدعِ الفقر إنسان وهو ليس بفقير ولذلك لو أنك دفعت الزكاة لإنسان ثم لما دفعت له الزكاة أتى إليك شخص وقال: يا فلان هذا الذي أعطيته الزكاة أغنى منك هذا إنسان عنده كذا وعنده كذا. فنقول: الحكم أن هذا مجزئ ولا يلزمك أن تدفع الزكاة مرة أخرى لأن الفقر والمسكنة أمر خفي وقد يدعيه من ليس كذلك وسبق أن قلنا: إن الفقير والمسكين لا يطالب ببينة ولذلك فإنه تبرأ ذمته بذلك ويجزئه ذلك الدفع.
واستدل بعض العلماء على ذلك بما جاء في الصحيحين: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر قصة ذلك الرجل الذي تصدق بصدقة على سارق فتحدث الناس قالوا: تصدق على سارق, فقال: اللهم لك الحمد, ثم قال: لأتصدقن الليلة المقبلة. فتصدق على زانية فقال الناس: تصدق على زانية. فقال: اللهم لك الحمد, ثم قال: لأتصدقن الليلة, فتصدق على غني فتحدث الناس فقالوا: تصدق على غني. فقال: اللهم لك الحمد, فرأى في المنام من قال له: إن صدقتك قد قبلت أما السارق فلعله أن يستعف وأما الزانية فلعلها أيضاً أن تعف, وأما الغني فلعله يعتبر وينفق مما أعطاه الله -تعالى)
بهذا نكون قد انتهينا من كتاب الزكاة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كُتب بواسطة أبوعمر في الساعة ١٠:٢٩ م 0 تعليقاتكم
التصنيفات الفقه
الأربعاء، مارس ٢٥، ٢٠٠٩
الزكاة - 6
يقول المؤلف - رحمه الله تعالى- باب زكاة الفطر
(وهي واجبة على كل مسلم ملك فضلاً عن قوته و قوت عياله ليلة العيد ويومه صاعاً وقدر الفطرة صاع من البُرِّ أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو من التمر والزبيب فإن لم يجد أخرج من قوته أي شيء كان صاعاً ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته ليلة العيد إذا ملك ما يؤدي عنه فإن كانت مؤنته تلزم جماعة كالعبد المشترك والمعسر القريب لجماعة ففطرته عليهم على حسب مؤنته، فإن كان بعضه حراً ففطرته عليه وعلى سيده ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل صلاة العيد ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد ويجوز تقديمها عليه بيوم أو يومين ويجوز أن يعطى الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد)
الزكاة بمعنى: الصدقة فيقال: صدقة الفطر ويقال: زكاة الفطر وسميت بذلك لأنها تحصل بها تزكية النفوس وتطهيرها ولهذا:
من حِكَم مشروعية زكاة الفطر:
يقال: زكاة الفطر وصدقة الفطر والحكمة منها جاء في حديث ابن عباس: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين)
أولاً: أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث فإن الصائم خلال شهر رمضان قد يحصل منه ما يحصل من اللغو والرفث وربما السباب وربما بعض الأقوال المحرمة فيكون في إخراجه لزكاة الفطر تطهير له من هذا اللغو والرفث والنقص الذي حصل في صيامه.
ثانيًا: هو أنها طعمة للمساكين وذلك حتى يكفوا عن السؤال يوم العيد ويشاركوا الأغنياء فرحتهم بيوم العيد ويكون يوم عيد للجميع لأن يوم العيد هو يوم فرح وسرور فحتى يشارك الفقراء الأغنياء فرحتهم بهذا العيد كان ذلك من مشروعية زكاة الفطر وحتى يكفوا عن السؤال يوم العيد فيشاركوا الأغنياء فرحهم به.
ثالثاً: أنها شكر لنعمة الله- عز وجل- على إتمام شهر رمضان فإن إتمام صيام الشهر وقيامه وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة نعمة عظيمة من الله -عز وجل- على العبد ولذلك كان من الشكر لهذه النعمة هو إخراج هذه الصدقة أو هذه الزكاة فتكون إذن الحكمة من مشروعية زكاة الفطر ترجع إلى أمور ثلاثة.
قال -رحمه الله تعالى- (وهي واجبة على كل مسلم إذا ملك...)
زكاة الفطر واجبة بإجماع المسلمين على من ملك فاضلاً عن قوت يوم العيد وليلته
فمعنى ذلك أنها تجب على أكثر المسلمين إذا ملك فاضلاً عن قوت يوم العيد وقوت عياله أيضاً يعني من يعولهم ومن تلزمهم نفقته يوم العيد وليلة العيد
إذا ملك فاضلا عن قوت يوم العيد وليلته بالنسبة له وبالنسبة لمن تلزمه نفقتهم فإنه يجب عليه زكاة الفطر.
قال (وقدر الفطرة)
أيضا يطلق على زكاة الفطر أو صدقة الفطر يطلق عليه الفطرة تسمى الفطرة,
قدرها صاع أي بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصبح الناس الآن يتعاملون بالوزن
وهجر الناس الآن الكيل
والكيل معناه: تقدير الشيء بالحجم والوزن معناه: تقدير الشيء بالثقل
املأ هذا الصاع أو هذا المد من البر من الأرز من الشعير هذا يسمى كيل الوزن
ولا شك أن الوزن أدق بكثير ولذلك هجر الناس الآن الكيل وأصبحوا يتعاملون بالوزن,
ولذلك فقد حول العلماء هذه المكاييل إلى موازين ليسهل التعامل بها في في عصرنا.
- أحسن ما قيل في تقدير الصاع بالكيلو جرامات هو ثلاثة كيلو جرامات تقريبا.
قال: ( من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما)
السويق: هو الحب الذي يحمص على النار ثم يطحن ثم يلت بالماء هذا يسمى سويقاً.
قال: (أو من التمر أو من الزبيب فإن لم يجده أخذ من قوته أي شيء كان صاعاً)
وظاهر كلام المؤلف أنه يتعين أن تكون الفطرة من هذه الأصناف من البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب, ولكن القول الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم: أن المقدار الواجب هو أن يخرج صاعاً من طعام سواء كان من هذه الأصناف أو من غيرها لحديث أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: (أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن نخرج صاعاً من طعام) وكان طعامهم البر والتمر إلى آخره
والراوي عندما حكى هذه الأصناف إنما حكى ما هو موجود في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولهذا فإن القول الصحيح أن المقدار الواجب هو صاع من طعام ولذلك نقول: إنه يجزئ إخراج الأرز الآن في زكاة الفطر؛ لأنه قد أصبحت طعاماً وقوتاً للآدميين وأيضاً نقول: إنه لا يجزئ الآن في كثير من البلدان إخراج الشعير مع أنه منصوص عليه لأنه في كثير من البلدان أصبح الشعير طعاماً للبهائم وليس للآدميين.
وقد ورد النص على لفظ الطعام في حديث أبي سعيد قال: ( أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرج صاعاً من طعام وكان طعامهم...) ثم ذكر هذه الأصناف
فنقول: إذن المقدار الواجب هو صاع من طعام سواء كان تمراً أو براً أو أرزاً أو أي طعام كان يقتاته الناس.
مسألة : هل يجوز إخراج زاكة الفطر مالاً أم يجب إخراجها من قوت البلد؟
اختلف العلماء في هذه المسألة فأكثر العلماء على أنها تخرج طعاماً ولا يجوز إخراجها نقداً
وذهب الحنفية إلى جواز إخراجها نقداً
والقول الأظهر في هذه المسألة هو أنها تخرج طعاماً لأن النقود كانت موجودة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإخراجها طعاماً ولأن هذا هو الذي كان عليه العمل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد الخلفاء الراشدين من بعده وعهد الصحابة والتابعين ولم يعرف أن أحداً أخرجها نقداً في تلك القرون المفضلة ولأن إخراجها نقداً يخرجها من كونها شعيرة ظاهرة في المجتمع إلى كونها صدقة خفية ولأنه أيضاً إذا أخرجت نقداً لم يصبح هناك فرق بينها وبين زكاة المال؛ ولهذا فإن القول الصحيح هو أنها تخرج طعاماً ولا تخرج نقداً.
قال: ( ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة )
والدليل على ذلك حديث ابن عمر (أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ) [رواه البخاري ومسلم
فأفضل وقت تخرج فيه الفطرة هو يوم العيد قبل الصلاة ولكن هذا على سبيل الأفضلية وإلا فإنه- كما سيذكر المؤلف- يجوز تقديمها على يوم العيد بيوم أو يومين.
وأما وقت وجوب زكاة الفطر: فهو غروب الشمس ليلة العيد, وإنما قلنا: إن وقت الوجوب قبل غروب الشمس؛ لأنها تسمى صدقة الفطر والفطر يتحقق بغروب الشمس ليلة العيد.
ويترتب على ذلك أمور:
الأمر الأول: أن من أسلم بعد غروب الشمس ليلة العيد فلا تجب عليه الفطرة.
الأمر الثاني: أن من ولد له بعد غروب الشمس ليلة العيد هل يجب أن تؤدى عنه زكاة الفطر.
الأمر الثالث: لو أسلم قبل غروب الشمس ليلة العيد تجب عليه الفطرة ولو ولد له قبل غروب الشمس ليلة العيد يجب إخراج الفطرة عنه.
الأمر الرابع: من مات قبل غروب الشمس ليلة العيد إنسان مثلاً توفي في عصر الثلاثين من رمضان فلا يجب إخراج الفطرة ولو كات بعد غروب الشمس يجب إخراج الفطرة.
قال: ( ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد)
أفادنا المؤلف أن الفطرة لا يجوز أن تؤخر عن يوم العيد وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز تأخيرها عن صلاة العيد وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة يقولون: يجوز تأخيرها عن صلاة العيد لكن مع الكراهة إلى غروب شمس يوم العيد وذلك لأن إغناء الفقراء عن السؤال متحقق فإذا أعطاهم مثلاً يوم العيد بعد الظهر أو بعد العصر قالوا: حصل بتلك الفطرة إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد.
مسألة: يستحب إخراج زكاة الفطر عن الجنين في قول كثير من الفقهاء وهو منقول عن كثير من السلف وهو على سبيل الاستحباب طبعا لا على سبيل الوجوب , وقد خرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن أبي قلابة قال: (كانوا يعطون صدقة الفطر حتى يعطوا عن الحبل يعني عن الحمل).
كُتب بواسطة أبوعمر في الساعة ٩:٥٨ ص 2 تعليقاتكم
التصنيفات الفقه